التعليق على شذرات البلاتين من سير العلماء المعاصرين 36

التعليق على شذرات البلاتين من سير العلماء المعاصرين 36

الدرس في التعليق على شذرات البلاتين من سير العلماء المعاصرين 36، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

أخلاق الشيخ مقبل بن هادي الوادعي وتواضعه مع طلابه

يُبرز المقطع تواضع الشيخ مقبل ولطفه مع الناس من خلال مواقف طريفة كقراءته على مريض ممسوس ومزاحه مع طلابه. تظهر هذه القصص كيف كسب القلوب بأخلاقه الحسنة وبساطته حتى في مواقف الدعابة.

حياة الشيخ ومرضه ورحلته العلاجية وموقف السفيرة الأمريكية

عانى الشيخ من تليف الكبد وأمراض الكلى فتنقل للعلاج بين عدة مدن وسافر إلى السعودية وأمريكا على نفقة الأمير نايف. رفضت السلطات الأمريكية منحه تأشيرة عودة بعد رفضه مقابلة السفيرة باربارا مما أدى لحجب التأشيرات عن السلفيين.

وفاة الشيخ وإرثه العلمي والدعوي

سافر الشيخ إلى ألمانيا للعلاج لكن حالته ساءت فتوفي في جدة في 30 ربيع الآخر 1422هـ وصلي عليه في المسجد الحرام ودفن بجوار الشيخ ابن باز. خلف دعوة عظيمة انتشرت عالمياً وطلاباً يدعون للتوحيد ومكتبة علمية زاخرة.

خاتمة ترجمة الشيخ الوادعي

يختتم المقطع ترجمة الإمام الوادعي داعياً الله أن يغفر له وللمسلمين. يذكر أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر مع موسيقى خلفية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله نبينا محمد ابن عبد الله وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تابعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فلا نزال أيها الأحبة في الله مع شذرات البلاتين في تراجم علمائنا المعاصرين، ونحن قد أوشكنا على الانتهاء من ترجمة عالم وإمام من أئمة الدين وعلماء الأمة، فمن هو؟ فمن هو؟ أين شامل؟ ما شاء الله، نعم يا شامل، مثلك لا يختبئ وإنما يبرز كالأسد، تفضل يا شامل. نحن نتحدث حول ترجمة من؟ من العلماء الكبار. ها هو يقول: يا أبا تميم، بلغ عن شامل ما شاء الله، أحسنت، لله درك. الشيخ مقبل بن هادي بن مقبل الوادعي رحمه الله تعالى، وغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات. وكان من آخر ما تكلمنا عنه أخلاق عالية كان الشيخ رحمه الله تعالى يتحلى بها، ومن ذلكم تواضعه، وكذلك أيضًا انبساطه مع قلابه ومع زواره ومع ضيوفه، بل مع من يلقاه من المسلمين. ومن ذلكم تلطف الشيخ مع الناس، وهذه أخلاق الأنبياء. قال ربنا عز وجل لنبينا وحبيبنا صلى الله عليه وسلم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. تبه يا طالب العلم، إنما نكسب الناس بأخلاقنا وبحسن تعاملنا وبحسن تصرفنا، لا تكن فظًّا غليظ القلب فينفر الناس عنك وعن دعوتك. ومواقف كثيرة كان الشيخ رحمه الله تعالى عليها، ذكرنا موقفًا قصة ذلكم الطالب الذي أتى بمريض وطلب من الشيخ أن يقرأ عليه، والشيخ ليس معروفًا بالقراءة على الأمراض، لكن الشيخ أراد أن يطيب خاطر المريض والمرافق ولا يردهم، فجعل الشيخ يقرأ على المريض، والمريض ممسوس، والممسوس إذا سمع القرآن بدأ الجني هو الذي يتحدث ويتكلم. الشيخ كان ليس عنده خبرة في هذا الباب، فجعل يخاطبه ويقول: "أخرج يا عبد الله من عدو الله، أخرج يا عبد الله من عدو الله". قال: انقلبت علي، أراد أن يقول: "أخرج يا عدو الله من عبد الله"، فعكس وانقلب عليه. وذكر الشيخ رحمه الله تعالى أنه ذات يوم اتصل عليه رجل وجعل يكلم الشيخ ويعرض عليه الزواج، يعني معه زوجة للشيخ، يقول: يا شيخ، ما رأيك نزوجك معنا؟ لك امرأة تتزوج عليها. قال: وكان عندي أهلي، زوجته إلى جانبه، فجعل الشيخ يقول: نعم، إذا كانت طالبة علم وعندها خير فلا بأس. قال: فما شعرت إلا وأهلي يخنقوني، إلا وأهلي يقوم بخنقي حتى قام وأغلق الاتصال، قام وأغلق الاتصال. وهكذا أيضًا كان الشيخ رحمه الله تعالى يداعب طلابه. ذات مرة دخل إلى المكتبة فوجد أحد الطلاب الجدد قد جلس على الكرسي الذي هو خاص بالشيخ، كرسي في المكتبة خاص بالشيخ عنده كتب أو الكتب التي يبحث فيها. فجاء الشيخ فوجد الطالب قد جلس على الكرسي، فاستحى الشيخ أن يقول له: قم، فأتى الشيخ إلى هذا الطالب الجديد فقال له: الشيخ، ما اسمك؟ قال: اسمي أحمد. فقال الشيخ لهذا الطالب: متى ينصرف أحمد؟ متى ينصرف أحمد؟ فأجاب الطالب: إذا أضيف أو دخلت عليه "أل". الطالب ذهب إلى النحو، والشيخ يريد أن يعرف الطالب نفسه فينصرف ويجلس الشيخ على الكرسي. قال: فضحك الشيخ، والطالب لم يشعر بمقصود الشيخ ومراده، ثم قام بعض الطلاب ونبهوا هذا الطالب إلى ما أراده الشيخ رحمه الله تعالى. وهكذا أيضًا الشيخ رحمه الله على كبر سنه وكبر قدره إلا أنه رحمه الله تعالى لربما سابق بعض طلابه. يخرج غالبا بعد درس العصر يمشي، ولربما جلس في الوادي وجلس على الكثيب وخلع عمامته ووضع جبته وخلعها عليه، ثم لربما عرض على بعض الطلاب أن يسابق. كان أحد كبار الطلاب الشيخ منصور الأديبي وهو من المدرسين في الأصول، فكان الشيخ سابقه، فقام هذا الطالب وسبق الشيخ. فلما كان في أحد الدروس سأل الشيخ سؤالا ووجه السؤال لمن؟ لهذا الطالب الذي سبقه في الوادي، فلم يجب الطالب. فقال له الشيخ رحمه الله تعالى: "هذه آب تلك"، يعني عدم إجابتك عن السؤال بسبب سبقك لي في الوادي في أثناء المسابقة. وهكذا أيضًا كان الشيخ رحمه الله تعالى يذكر قصص العلماء والمحدثين الذين عرفوا بدعابة ومزاح مع طلابهم، مثل من يا إخوان؟ من المحدثين الذين عرفوا بذلك؟ يا بطهر، مثل من؟ محدث كان يمزح مع طلابه. طيب، أحسنت يا بخالد. مثل من؟ محدث؟ نعم يا بزغير: الأعمش، سليمان بن مهران، أبو محمد الكوفي الملقب بالمصحف. كان الشيخ يذكر بعض قصص الأعمش، وهكذا أيضًا هشام بن عمار أحد مشايخ الإمام البخاري، وهكذا غيرهم من هؤلاء الأعلام رحمة الله عليهم. أخيرًا، فيما يتعلق بحياة وترجمة الشيخ رحمه الله تعالى: الشيخ كان يعاني من مرض خطير، هذا المرض هو مرض الكبد، عنده تليف في الكبد، يعني الكبد تنكمش وتيبس ولا تقوم بدورها. وكان الشيخ يعاني من هذا معاناة، وهكذا أيضًا كان يعاني من بعض أمراض الكلى، وكان لربما ينزل إلى عدن للعلاج أو يذهب إلى الحديدة، ولا سيما في أيام البرد الشديد. الشيخ رحمه الله تعالى ذات ليلة ألقى درسه بين مغرب وعشاء، ثم بعد الصلاة رجع إلى بيته واشتد المرض بالشيخ، فأسعف إلى صنعاء وأدخل إلى مستشفى الثورة بصنعاء، وأجريت له هناك الفحوصات، وهكذا أعطي من العلاجات ما أعطي، لكن المرض كان خطيرًا. الشيخ بقي فترة في مستشفى الثورة بصنعاء، فكانت المستشفى كأنها مركز من مراكز العلم من كثرة الزائرين من المشايخ والعلماء، وهكذا من طلاب العلم، وهكذا من المحبين للشيخ رحمه الله تعالى، وهذا مما أدى إلى دهشة واستغراب هيئة المستشفى وإدارتها، وهكذا أيضًا الأطباء والعاملين فيها. قرر له السفر إلى الخارج من أجل العلاج، وكان سفره أولاً إلى المملكة العربية السعودية، وهناك أجريت له الفحوصات وأعطي من العلاجات، وقرر الأطباء أنه يسافر إلى أمريكا، فمن أفضل البلدان علاجًا لأمراض الكبد هي أمريكا، وكان ذلك على نفقة الحكومة السعودية، ولا سيما الأمير نايف بن عبد العزيز رحمه الله تعالى. فسافر الشيخ إلى أمريكا، وما كان يحب السفر إلا أن الأطباء والمحبين له ألحوا عليه بضرورة ذلك، فسافر الشيخ رحمه الله تعالى وبقي مدة هناك للعلاج، ثم رجع إلى المملكة على أن يبقى مدة ويعود مرة أخرى لكي يكمل العلاج في أمريكا. لكن هنا رفضت السلطات الأمريكية أن تسمح للشيخ بالعودة إلى أمريكا. وذكر أحد طلاب الشيخ والملازمين له في المملكة قصة الشيخ رحمه الله تعالى يذكرها، قال: الشيخ رحمه الله تعالى لما رفض الأمريكان السماح له بتأشيرة العودة، فقال: سمعت الشيخ رحمه الله تعالى يقول: "لما أتت باربارا..." من باربارا هذه؟ من يذكر يا إخوان؟ نعم، السفيرة الأمريكية. لما أتت باربارا السفيرة الأمريكية إلى دماج، مركز الشيخ مقبل رحمه الله تعالى، تريد أن تقابل الشيخ، فقال الشيخ: "قولوا لها: مروها تدخل عند النساء، والرجال يأتوا عند الرجال". فغضبت السفيرة الأمريكية وحلفت ألا يدخل أمريكا سلفي، ممنوع دخول السلفيين إلى أمريكا. والشيخ قد دخل في المرة الأولى ولم يدخل في المرة الثانية، فكان الشيخ رحمه الله تعالى يضحك ويقول: عليها أن تكفر كفارة يمين عن قسمها الذي أقسمته، حلفت، قالوا: أنا دخلت في المرة الأولى وإن لم أدخل في المرة الثانية. ولهذا قرر الأطباء للشيخ أن يسافر إلى ألمانيا، وسافر الشيخ إلى ألمانيا، لكن المرض كان قد عظم واستفحل، ورأى الأطباء أن العلاج لا يجدي، لا ينفع، ولهذا نصح الشيخ أن يعجل في الرجوع إلى أهله، فاسترجع الشيخ، أي قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ورجع سريعًا إلى المملكة، وأدخل إحدى المستشفيات الكبرى في مدينة جدة، ودخل رحمه الله تعالى في غيبوبة. وبالمناسبة، لما كان الشيخ في ألمانيا وأخبره الأطباء بخطورة مرضه وأنه لا مجال لعلاجه هناك، كتب رحمه الله تعالى وصية عظيمة، تلكم الوصية التي عرفها القاصي والداني، وفيها من الوصايا الطيبة والتوجيهات السديدة. يقول أحد خلان الشيخ ممن كان يلازمه في المستشفى بجدة: بعد عودته من ألمانيا كان الشيخ يدخل في غيبوبة، قال: فكنت آخذ بيده وأقرأ عليه. قال: ذات يوم بينما أنا كذلك، قال: فجأة دخل رجل على الشيخ مقبل وهو في تلك الحالة، قال: فسمعت صوته، قال: التفت فإذا به الشيخ ربيع بن هادي المدخلي رحمه الله تعالى، فلما رأى الشيخ في هذه الحالة أخذ شيخنا ربيع رحمه الله تعالى يبكي وأبكى من في الغرفة، ودعا للشيخ ثم انصرف رحمه الله تعالى. وبقي الشيخ أيامًا في هذا المستشفى بجدة، ثم بعد ذلك فاضت روحه إلى بارئها وخالقها سبحانه وتعالى، وكان ذلك في الثلاثين من شهر ربيع الآخر في عام ألف وأربعمائة واثنين وعشرين من الهجرة، ووافق الحادي والعشرين من شهر يوليو، السابع أو الثامن، عام ألفين وواحد من الميلاد. وصلي عليه في المسجد الحرام، ودفن بمقبرة العدل بجوار شيخه الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمة الله تعالى عليهم جميعا. مات الشيخ رحمه الله تعالى وقد خلف دعوة عظيمة ملأت السهل والجبل، خلف علماء، وخلف قلاب علم يدعون إلى التوحيد ويدعون إلى السنة ويدعون إلى الخير ويحذرون من الشرك والبدع ومن الشر. فما تذهب شرقًا أو غربًا أو جنوبًا أو شمالًا إلا وتجد من طلابه من يدعو إلى الخير ويعلم الناس التوحيد والسنة. تذهب أوروبا، أمريكا، تذهب إفريقيا، آسيا، تذهب إلى أنحاء من الدنيا وإلى أسقاع من المعمورة فتجد أثر دعوة الشيخ رحمه الله تعالى. وهكذا خلف مكتبة علمية فيها من الكتب النافعة، تحقيقات متينة، وهكذا مؤلفات رصينة. كان الشيخ رحمه الله تعالى مهتمًا ومجتهدًا في التأليف، وهكذا كان مهتمًا ومجتهدًا في التدريس، وهكذا كان أيضًا له نصيب وحظ في باب الخروجات الدعوية إلى المناطق وإلى المحافظات، كما مر معنا في رحلاته إلى عدن، إلى حضرموت، إلى الحديدة، وإلى صنعاء، وإلى إب، وإلى غيرها من البلدان. وهؤلاء العلماء يا إخوان، كما سبق تراجمهم، تعتبر مدرسة يتلقى الطلاب خاصة والمسلمون عموما الدروس النافعة، بل يعتبرون جامعة للفضائل، وهكذا جامعة للخصال العظيمة من خصال الخير. فأمثال هؤلاء يذكرون ويترحم عليهم ويدعى لهم بالخير. فأسأل المولى تبارك وتعالى أن يغفر لشيخنا وأن يرحمه وأن يتجاوز عنه وأن يسكنه الفردوس الأعلى من الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا، وأن يرحم جميع علماء المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله. وبهذا نكون قد انتهينا من صفحات مضيئة وجوانب عظيمة من ترجمة شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولجميع المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. ترجمة نانسي قنقر. موسيقى. موسيقى.