ليلة القدر خير من ألف شهر

الخطبة بعنوان ليلة القدر خير من ألف شهر، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 19 رمضان 1445هـ الموافق 29 مارس 2024م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

فضل العشر الأواخر وليلة القدر

تتميز العشر الأواخر من رمضان بليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وتتنزل فيها الملائكة بالرحمة وتكون سالمة من الشيطان. يحث الخطيب المسلمين على اغتنام هذه الليالي بالطاعات والاعتكاف طلباً للأجر العظيم.

هدي النبي في العشر الأواخر وتحذير من التقصير

يستعرض الخطيب حرص النبي صلى الله عليه وسلم على إحياء ليالي العشر بالعبادة والاعتكاف وإيقاظ أهله، مستنداً إلى حديث عائشة. يحذر من تكاسل الناس وتقاعسهم بعد نشاط أول رمضان، وينكر البدع المحدثة كختاميات الطبل والغناء في المساجد.

الختام بالدعاء والسلام على المرسلين

يختتم المتحدث بدعاء يطلب فيه العون والنصرة من الله، ثم يتلو آيات من سورة الصافات التي تنزه الله عن صفات النقص وتسلّم على المرسلين. يصلي على النبي محمد وآله وصحبه ويدعو الحاضرين للقيام إلى الصلاة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، قد كنا في الأيام الماضية القريبة ننتظر قدوم هذا الشهر المبارك، وهذا الموسم العظيم من مواسم الخير، ومن مواسم البر، ومن مواسم المغفرة والرحمة. وما هي إلا أيام وقد مضى ثلث هذا الشهر، ثم مضى الثلث الثاني، وأودعنا فيهما -أودعناه- من أعمال، فمنا المحسن ومنا المسيء. فمن أحسن فليحمد الله جل وعلا وليزدد في إحسانه، ومن أساء وقصر فليتدارك ما بقي من هذا الشهر العظيم، فإنما بقي خير مما مضى. نعم عباد الله، ها نحن نستقبل الثلث الأخير من هذا الشهر، نستقبل العشر الأواخر من رمضان التي هي خير مما مضى من أوله. كيف لا وفيها ليلة القدر التي هي خير ليالي السنة؟ والنبي صلى الله عليه وسلم لما رغب في صيام هذا الشهر المبارك وأخبر الناس بقدومه، أخبر أن فيه ليلة هي خير من ألف شهر. «من حرمها فقد حرم» -أي من حرم إدراك هذه الليلة وبلوغ هذه الليلة المباركة فقد حرم خيرًا عظيمًا-. وفي رواية: «قال عليه الصلاة والسلام: ولا يحرم خيرها إلا محروم، لا يحرم خير هذه الليلة إلا محروم». كيف لا وربنا جل وعلا يقول: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾. فأخبر الله جل وعلا عن هذه الليلة العظيمة أنها تسمى بليلة القدر. قال العلماء: لعظيم قدرها وعظيم مكانتها عند الله سبحانه وتعالى. وقيل سميت بذلك لأن الله عز وجل يقدر فيها الأرزاق والآجال، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾. هكذا عباد الله، أخبر الله جل وعلا بعظم هذه الليلة وعظيم بركتها وخيرها. ولذلك قال معظما لشأنها: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾، ما أدراك ما عظم شأنها، وما أدراك ما عظيم فضلها، وما أدراك ما عظيم منزلتها عند الله سبحانه وتعالى. ولذلك قال: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. ليلة واحدة العبادة فيها خير من ألف شهر ليس فيها هذه الليلة. انظر أيها المسلم إلى عظيم فضل هذه الليلة المباركة: عبادة ليلة واحدة يعظم ويفضل أجرها وثوابها عن عبادة ألف شهر، وهذا يقدر بنحو بضع وثمانين عامًا، مضاعفة عظيمة من الله سبحانه وتعالى فضلا منه عز وجل واصطفاء منه سبحانه وتعالى. ونظير ذلك ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام من مضاعفة بعض الأعمال في بعض الأزمان، كقوله: «رباط يوم في سبيل الله خير من ألف ليلة فيما سواه من المنازل» رواه أحمد عن عثمان رضي الله عنه. وقوله عليه الصلاة والسلام حين أخبر بفضل التبكير إلى الجمعة: «كان له أجر سنة صيامها وقيامها». وهكذا جعل ربنا عز وجل هذه الليلة العظيمة، العبادة فيها خير من عبادة ألف شهر. انظر أيها المسلم إلى هذا الأجر العظيم وإلى هذا الفضل الكبير، كيف لا يكون محروما من حرم إدراكها ومن حرم العبادة فيها؟ هذه الليلة المباركة ليلة كثيرة الخير، ولذلك تتنزل فيها الملائكة، وملائكة الرحمن لا تنزل إلا بالخير وبالرحمة، كما أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام أنها تتنزل عند تلاوة القرآن، وكذلك تنزل فتحف مجالس الذكر ومجالس العلم، وتضع أجنحتها لطالب العلم تعظيما لما يطلب. فلما كانت هذه الليلة ليلة مباركة وليلة عظيمة، فإنها تنزل -تتنزل- في هذه الليلة حتى يكثر عدد الملائكة، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنها أكثر من عدد الحصى. وأخبر ربنا جل وعلا بأنها سالمة: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، أي سالمة من تسلط الشيطان ومن كذلك فعله للأذى والشرور. هذه الليلة المباركة عباد الله، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم من صفتها ما جاء عند أبي داود الطيالسي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مرفوعا: «أنها ليلة سمحة طلقة لا حارة ولا باردة، تطلع الشمس في صبيحتها ضعيفة حمراء» -أي لا شعاع لها-. وجاء نحو ذلك في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه. هذه الليلة عباد الله لا توجد إلا في رمضان، وأحرى ما تكون في العشر الأواخر منه، لأن ربنا عز وجل أخبر بأنه أنزل القرآن في هذا الشهر المبارك: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، وأخبر أن نزوله في ليلة القدر، فقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، فاقتضى ذلك أن تكون هذه الليلة في هذا الشهر المبارك. وهي باقية لم ترتفع -أي لم يرتفع أصلها كما يقول الشيعة أخزاهم الله- وإنما ارتفع تعيينها في سنة من السنوات، حين أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخبر الصحابة بعين تلك الليلة في تلك السنة، كما في الصحيح من حديث عبادة بن الصامت: «خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليخبرهم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان» -أي تجادلا وتخاصما-، «قال عليه الصلاة والسلام: فرفعت وعسى أن يكون خيرا، ثم أمر بالتماسها في التاسعة والسابعة والخامسة» -أي من أوتار العشر-. فدل هذا على أنها باقية وأنها موجودة وأنها لم ترتفع، وإنما ارتفع تعيينها في تلك السنة. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث أمته على تحري هذه الليلة، على تحري هذه الليلة المباركة، فيقول: «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان» متفق عليه من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. وقال: «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان». وقال: «تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر»، فإن أحرى ما تكون هذه الليلة في أوتار العشر. وفي حديث أنس أو حديث ابن عمر في الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «تحر ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى». قال أهل العلم: أي في أوتار العشر. وأحرى هذه الأوتار هي ليلة السابع والعشرين، كما جاء في صحيح الإمام مسلم عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه. ولذلك كان من هدي نبينا عليه الصلاة والسلام أنه يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، كما في الصحيحين من حديث عائشة -أو بمعنى من حديث أبي هريرة- قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده». هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على إدراك هذه الليلة المباركة، فيحبس نفسه في المسجد لطاعة الله سبحانه وتعالى، وللتفرغ لذكر الله ولعبادة الله، رغبة في إدراك هذه الليلة العظيمة. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله إنه الغفور. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، لقد كان من هدي نبينا عليه الصلاة والسلام أنه يجتهد في العشر الأواخر من رمضان أكثر من اجتهاده في أوله. وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، ويجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في أوله. ولذلك تقول عائشة رضي الله عنها: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيى الليل، وأيقظ أهله، وجد، وشد المئزر». كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخلت العشر الأواخر من رمضان أحيى الليل -أي بطاعة الله بالصلاة وبقراءة القرآن وبذكر الله سبحانه وتعالى-، وأيقظ أهله حتى يصيبوا فضل هذه الليالي ويكون لهم نصيب من أجرها ومن فضلها، عملا بقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. هكذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام. وشد المئزر: أي كناية عن اعتزاله النساء فلا يقربهن في العشر الأواخر، وقيل كناية عن الاجتهاد في العبادة، وكل المعنيين صحيح. هذا هدي نبينا عليه الصلاة والسلام. وانظروا -وانظروا حفظكم الله- إلى حال كثير من الناس في هذه العشر المباركة، كيف أنهم يتكاسلون ويتقاعسون ويرجعون إلى القهقرة، بعد أن كانوا في أول هذا الشهر مقبلين على طاعة الله، مقبلين على الصلاة، مقبلين على القيام، مقبلين على تلاوة القرآن. فما إن يبدأ رمضان بالتناقص، وإذا بهم يتناقصون عن الاجتهاد في العبادة. أما علمت أيها المسلم أن آخر هذا الشهر خير من أوله؟ أما علمت هدي نبيك عليه الصلاة والسلام في جده واجتهاده في العشر الأواخر ما لا يجتهد في أوله؟ هذا نبيك عليه الصلاة والسلام يحيي ليلة بطاعة الله وبذكر الله وبالصلاة والقيام. وللأسف أن تجد -أن تجد- بعض المسلمين يحيي هذه الليالي المباركة بالبدع والمحدثات، وما يسمى بالختاميات، التي ما أنزل الله جل وعلا فيها من سلطان، بل هي بدع منكرة، بدع منكرة تجعلون بيوت الله مواضع للرقص والطبل والغناء. متى كان هذا دين الله؟ ومتى كان هذا دين نبينا عليه الصلاة والسلام؟ فإنا نبرأ إلى الله جل وعلا من هذه الأفعال المحدثة. وهكذا بعض الناس ربما يحيي ليله بالسهر وباللعب واللهو، فيحرم نفسه فضل هذه الليالي المباركة، أو ربما في الخروج إلى الأسواق من غير حاجة، فتضي عليه هذه الليالي سدى وتذهب عليه هباء منثورا. ألا فتدارك أيها المسلم ما بقي من هذه الليالي، واختم شهرك بحسن الأعمال، فإنما الأعمال بالخواتيم. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم عز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفرة والمشركين أعداءك أعداء الدين. اللهم عليك باليهود والروافض وأعوانهم يا رب العالمين. اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم الظالمين. اللهم وخذهم أخذ عزيز مقتدر. اللهم وأرنا فيهم عجائب قدرتك يا قوي يا متين. اللهم وكل إخواننا المسلمين المستضعفين في كل مكان، اللهم كلهم في فلسطين وغزة يا رب العالمين. اللهم ارحم ضعفهم واجبر كسرهم. اللهم تقبل موتاهم واشفي مرضاهم وداوي جرحاهم وعافي مبتلاهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين. اللهم ارفع عنهم ما أصابهم من البلاء. اللهم واحفظهم في دمائهم وأموالهم وأعراضهم. اللهم وكلهم عونا ونصيرا يا ذا الجلال والإكرام. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قوموا إلى صلاتكم.