الدرس في كتاب العتق من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المحاضر مفهوم العبد المدبر الذي يعتق بموت سيده من الثلث مستدلاً بحديث جابر في تقديم الدين على الوصية. ثم ينتقل لتعريف الكتابة كعقد يشتري فيه العبد حريته بأجلين فأكثر مع اشتراط صلاح دينه وأمن الفتنة.
يبين المقطع مشروعية المكاتبة فقط عند وجود مصلحة للعبد في دينه ودنياه، وأن المكاتب يبقى رقيقاً حتى يؤدي كامل البدل. كما يوضح جواز رجوع السيد في التدبير كحكم الوصية، ويعرف أم الولد وحريتها بموت سيدها بمجرد تبين الحمل.
يستعرض المحاضر أنواع الرق كالمكاتب والمدبر والمبعض وأم الولد والموصى بعتقه مع توضيح الفروقات. ثم يسرد ستة أدلة على شدة تشوف الشرع للعتق منها الأمر بالكتابة والثواب والكفارات وإكمال عتق المشترك.
يعلن المحاضر انتهاء شرح بابي العتق مبشراً بالبدء في كتاب النكاح في الأسبوع القادم بإذن الله. ويختتم الجلسة بالحمدلة والتسليم لعلم الله تعالى.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: "فإن علق عتقه بموته فهو المدبر، يعتق بموته إذا خرج من الثلث". هذا يسمى بالعبد المدبر، يعني مثلاً: أنا عندي عبد رقيق، أقول: "إذا أنا مت فأنت حر". خلاص، طيب، وسُمّي مدبراً. قالوا: لأمرين اثنين. الأمر الأول: لأنه لا يعتق إلا بعد تدبير السيد، ومعنى تدبير السيد: يعني موت السيد، يعني أدبر من الحياة، بمعنى رحل من الحياة، مات، انتهى. فسمي المدبر. وقيل: يسمى بالمدبر لأن هذا السيد دبر أمور دنياه وأمور آخرته. كيف دبر أمور دنياه؟ يعني هذا العبد في حياته يخدمه ويدير شؤونه ويعمل له، وبعد موته أيضاً دبر شؤون آخرته. كيف دبر شؤون آخرته؟ يجد الأجر والفضل، فإن عتق الرقبة فيه أجر وفضل. فلأنه دبر أمور دنياه وأمور آخرته، فهذا سُمّي أيضاً مدبراً. قيل هذا، وقيل هذا. وقوله: "إذا خرج من الثلث"، يعني الرقيق في الحقيقة وهو مال، مال لأن له قيمة. طيب، فإذا كان هذا السيد ما معه مال إلا هذا العبد، فلا يجوز أن يعتق بعد موته. لماذا؟ لأن هذا حكمه حكم الوصية، ولا تجوز الوصية بأكثر من الثلث، وماله هذا اللي هو العبد هو أكثر من الثلث. ولذلك قال: "إذا خرج من الثلث"، يعني يشترط في عتق هذا الرقيق أن يكون ثلث المال فأقل. كأن يكون مثلاً هذا السيد له ثلاثة من الأرقاء، فأعتق واحداً عتق تدبير، يعني بعد موته، فهذا يجوز لأنه ثلث. أو عنده هذا الرقيق وعنده مال آخر، هذا المال يساوي أكثر من ثلثي قيمة العبد، من ثلثي قيمة العبد، فهنا يجوز. لكن إذا كان العبد هو أكثر من ثلث ما خلف الميت، فهذا لا يجوز. ولذلك قال: "إذا خرج من الثلث"، أما إذا كان أكثر من الثلث فلا. قال: "فعن جابر أن رجلاً من الأنصار أعتق غلاماً له عن دبر"، يعني قال: "إذا أنا مت فهذا الغلام حر". خلاص، حر، أعتقته. قال: "لم يكن له مال غيره"، يعني ما عنده إلا هذا فقط، ما عنده مال غير هذا العبد. قال: "فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: من يشتريه مني؟" يعني يشتريه من الرسول صلى الله عليه وسلم. فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم، وكان عليه دين، يعني كان على هذا السيد دين. قال: "فأعطاه وقال: اقضِ دينك". متفق عليه. يعني كأنه يقول له: لا يجوز لك أن تعتق هذا الرقيق ولا تملك إلا هو، لأنه هو مالك كله، ما تملك غيره. أضف إلى ذلك أن عليك ديناً، والدين مقدم على الوصية، مقدم على الوصية. كيف مقدم على الوصية، وفي القرآن قدمت الوصية على الدين؟ قال الله عز وجل: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. والجواب: نعم، لأن الوصية قد يهملها الورثة، لأنه ليس لها مدعٍ ولا طالب، ما يطلبها أحد، لأن ربما اللي أوصيت له يستحي، يقول: "من حق الوصية هو؟" يعني تبرع من ذلك الميت. هذا أمر. الأمر الثاني: ربما ما يدري الموصى له بهذه الوصية، ولربما الورثة يخفونها، يخفونها. لكن الدين لا شك أن صاحبه سيطالب به. فقدمت الوصية هنا لا لأنها مقدمة على الدين، بل الدين مقدم على الوصية، وإنما قدمت الوصية للاهتمام بها، هكذا قال العلماء: للاهتمام بها. فإذا دل الحديث على أن العبد المدبر لا تنفذ فيه تلك الوصية، أو لا يعتق بقول السيد: "أنك حر بعد أن أموت"، إلا إذا كان ثلثاً فأقل، واضح. قال: "والكتابة"، هذا يسمى المكاتب الآن. الكتابة يعني العبد المكاتب، أن يشتري الرقيق نفسه من سيده بثمن مؤجل بأجلين فأكثر. مثلاً: أنا عبد لفلان السيد، فجئت وقلت له: "أنا أريد أن أكون حراً، فكم تريد مني من مال؟ أنا سأذهب وأعمل وأجتهد وأوفي لك هذا المال". قال له مثلاً: "أريد مليونين". قال له: "خلاص، كل شهر سأعطيك مئتي ألف، أو ثلاثمائة ألف، أو كل سنة سأعطيك مليون مثلاً". هذا معنى قوله: "أن يشتري الرقيق نفسه من سيده بثمن"، يعني بمال، فيذهب ويعمل أو يذهب ويسعى لنفسه، المهم يدبر حاله. طيب، وقوله هنا: "بثمن مؤجل"، يعني بمبلغ من المال مؤجل، مؤجل يعني إلى أمد، ليس معجلاً في الحال، وإنما بعد مهلة، بعد مدة، على حسب ما يتفقان عليها: مدة سنة، لمدة سنتين، لمدة ثلاث سنين، حتى لمدة عشر سنين، ما في مشكلة، أهم شيء يتم الاتفاق بينهما، واضح. وقوله: "بأجلين فأكثر"، أجلين يعني قسطين، قسطين يعني مثلاً يقول له: "خلاص، كل شهر سأعطيك مثلا كذا وكذا، الشهر الأول مليون، والشهر الثاني مليون"، مثلاً، خلاص، فأكثر: ثلاثة آجال، أربع آجال، خمس آجال، على حسب ما يتفقان عليه. ودليل ذلك ما جاء في القرآن، قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، نعم، بسورة النور. قال تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، يعني صلاحاً في دينهم وكسباً. صلاحاً في دينهم يعني هو عندك حافظ على الصلاة، مؤمن. فإذا علمت أنه إذا أصبح حراً انفلت، فترك الصلاة، لأنه "لولا العصا على رأسه لما قام إليها"، ولولا العصا على رأسه لما حافظ عليها. فهنا قالوا: لا تكاتبه إذا خشيت عليه فساد دين، أو يرتد عن الإسلام. هو عندك مسلم، لكن ربما إذا أصبح حراً كفر بالله وارتد عن دينه، عن الإسلام، فهنا لا تكاتب. واضح. أو كذلك فساد في دنياه، تكسبه، تعرف أنه ربما الآن سيسعى في توفير هذا المال، ثم إذا أصبح حراً صار عالة على الآخرين، صار كسولاً لا يقوم بنفسه، فيطلب ويذل نفسه للناس ونحو ذلك. فإذا علمت ذلك منه، أيضاً لا تكاتبه، لا توافق على المكاتبة. فهذا معنى قوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، إن علمتم فيهم خيراً، مفهوم الآية: إن علمتم فيهم غير خير، فلا تكاتبوهم. وإنما كاتبوهم إن كان في المكاتبة هذه خير ومصلحة له في دينه ودنياه، فلا بأس بذلك. لذلك قال: "فإن خيف منه الفساد"، الفساد يعني يذهب يزني، يذهب يسرق، يذهب يقطع الطريق، هذا فساد بعتقه أو كتابته، أو ليس له كسب، يعني كسلان ما يقوم بنفسه، فلا يشرع عتقه ولا كتابته. وإنما العتق والكتابة إنما تكون في الخير، أي في النفع لهذا الرقيق، في هذا الرقيق. قال: ﴿وَلَا يَعْتِقُ الْمُكَاتَبُ إِلَّا بِالْأَدَاءِ﴾، لحديث: "المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم"، رواه أبو داود. ومعنى هذا أن مثلاً لو اتفقت أنت وهذا الرقيق على أنه يدفع لك أيها السيد مليوناً، فدفع القسط الأول، القسط الثاني، القسط الثالث، بقي عليه مبلغ من المال، مثلاً عشرة آلاف، خمسة آلاف، حتى ألف واحد لم يدفعه، فهنا يبقى رقيقاً عبداً حتى يكمل ما عليه من أقساط، حتى يكمل ما عليه من أقساط. "المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم"، يعني ولو شيئاً يسيراً، ولو مبلغاً يسيراً، يبقى عبداً إلى أن يكمل ما عليه من قسط ومن مال، ما عليه من قسط ومن مال. وعن ابن عباس مرفوعاً، أو عن عمر موقوفاً: "أيما أمة ولدت من سيدها"، طيب. قبل الدخول في هذا، هنا مسألة: وهي إذا طلب الرقيق من سيده المكاتبة، فهل يجب على السيد أن يستجيب لطلب الرقيق؟ يعني يجب عليه أن يوافق على هذه المكاتبة؟ هذه مسألة اختلف فيها العلماء، وجمهور أهل العلم على عدم الوجوب، لأن الرقيق هذا مال للسيد، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفس منه". فإذا لم تطب نفس العبد... السيد لم تطب نفسه أن يحرر وأن يعتق هذا العبد، لحاجة، أن يرفض، يقول: "لا، أنا أحتاج إليك، ما سأكاتبك"، هذا لا بأس به. نعم. وبعض أهل العلم يرى الوجوب، لكن لا دليل على الوجوب. أما الآية: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، هذا حملوها على الاستحباب وليس على الوجوب، لأنها علقت بـ "إن علمتم فيهم خيراً"، من باب الحث على هذه الطاعة وهذه العبادة، وهو تحرير الرقبة. طيب، مسألة أخرى في العبد المدبر: مسألة أخرى في العبد المدبر، إذا قال السيد: "إذا أنا مت فهذا العبد حر عتيق"، هل له أن يتراجع؟ يعني مثلاً قال: "خلاص، أنا إذا مت هذا العبد يكون حر". مضى لهذا الكلام سنة، سنتين، ولم يمت السيد، قال: "لا، خلاص، أنا تراجعت، يعني هذا العبد إذا أنا مت يبقى لكم، يبقى من إرثي، يبقى من تركتي، لا يعتق". هل يجوز هذا؟ نعم، يجوز على الصحيح من أقوال أهل العلم، لأن حكمه حكم الوصية. فهل يجوز الرجوع في الوصية؟ أخذنا الفرق بين الوقف والوصية، صح؟ من الفروق بين الوقف والوصية أن الوقف لا يجوز الرجوع فيه، صح. كذلك الهبة لا يجوز الرجوع فيها، لكن الوصية يجوز الرجوع فيها. قلت لي: "أولاد، خلاص، إذا أنا مت ثلث مالي لفلان"، ثم احتجت لمالك، أنت تراجعت عنها، مضى سنة، سنتين، وما مت، ما زلت على قيد الحياة، قلت: "خلاص، أنا تراجعت عن هذه الوصية". هل يجوز؟ نعم، يجوز، يجوز أن تتراجع عن الوصية، صحيح. فكذلك في أمر العبد المدبر يجوز التراجع، يجوز التراجع، وهذا هو الصحيح. وبعضهم منع، لأنه قال: "هذا عهد منه، وتراجع عن عهده". لكن هذا يرده ما جاء في الوصية، فإن العبد المدبر هو أشبه بالوصية من عدة أمور: الأمر الأول: أن الوصية تكون بالثلث فأقل، وكذلك في العبد المدبر يكون بالثلث فأقل. والأمر الآخر: أن الوصية تكون بعد الموت، والعبد المدبر يكون بعد الموت، صح. فهناك شبه كبير بين العبد المدبر وبين الوصية، فلذلك كثير من أهل العلم جعل حكم العبد المدبر حكم الوصية، والله تعالى أعلم. إذن الآن أخذنا العبد المدبر والعبد المكاتب، عرفنا هذين النوعين. قال: "وعن ابن عباس مرفوعاً، وعن عمر موقوفاً: أيما أمة ولدت من سيدها فهي حرة بعد موته"، أخرجه ابن ماجة، والراجح الموقوف على عمر رضي الله عنه، والله أعلم. هذا يسمى كذلك بالأمة أم الولد. أم الولد، طبعاً السيد يجوز له أن يطأ ملك اليمين، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم، فإنهم غير ملومين. فإذا وطأها لا شك أنها ستحمل منه، صح. فهذا الولد هو تبع لأبيه. طيب، فبمجرد أن يطأها السيد ثم يتبين حملها منه، فإنها تكون أمة فترة حياة هذا السيد فقط، فإذا مات هذا السيد تكون حرة. هذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أيما أمة"، يعني رقيقة، "ولدت من سيدها"، يعني من مالكها، "فهي حرة بعد موته". خلاص، حرة بعد موته. سُميت أم الولد. قال العلماء: متى ما تبين الحمل، ولو خرج ميتاً، ولو خرج ميتاً، بمجرد أنه يتبين أن هذه الأمة حملت من سيدها، فبعد موت هذا السيد تكون حرة، وفي حياته تكون أمة له. هذه تسمى أم الولد، تسمى أم الولد. وقد ذكر الشارح هنا أنواع الرق، فذكر القن، وهو الرق الكامل، يسمى العبد القن، أو الرق القن، القن بمعنى أنه كله عبد، واضح، كله عبد، ليخرجوا بذلك المبعض أو المعلق أو نحو ذلك. والثاني: ذكر المكاتب الذي مر معنا، الذي يشتري نفسه بأقساط، هذا يسمى العبد المكاتب، أو الرقيق المكاتب. قال: الثالث: المبعض، والمبعض الذي بعضه يكون حراً وبعضه يكون رقيقاً، كما مر معنا في الحديث: "من أعتق شركاً له في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن العبد، قومت عليه"، الحديث. فإذا باع نصيبه، صار هذا النصيب به العبد حراً، ربعه حر، نصفه حر ونصفه عبد، كان يملكه أربعة، هذا باع نصيبه وهذا باع نصيبه، فصار حراً بنصيبين، وصار عبداً بنصيبين، فهذا يسمى العبد المبعض، يسمى العبد أيش؟ المبعض، يعني بعضه حر وبعضه عبد. والمدبر كما مر معنا: علق عتقه بموت مالكه، هذا واضح. والمعلق عتقه بصفة، يعني كأن يقول مثلاً: "إذا عمل هذا العبد كذا وكذا من الصفات، مثلاً، أو من الأعمال، فهو حر"، فعلق عتقه بشيء ما، علق عتقه بشيء ما، إذا أنجز هذا العبد هذا العمل فهو حر، فإذا أنجزه أعتق، معلق عتقه بصفة معينة. والموصى بعتقه كذلك، يعني أوصى أن يعتق فلان، طيب، أن يعتق فلان، فهذا أيضاً وهو أشبه بالمدبر. وأم الولد تقدم معنا: إذا حملت الأمة من سيدها فإنها تكون حرة بموت السيد. قال: "تنبيه": الشارح يقول: "تنبيه، جزاك الله خيراً". وقف. قال: "وجود الماء عند الطعام وعند الكلام مهم، لأن عند الطعام ربما تشرق، صح، تحتاج إلى أن تشرب، وعند الكلام كذلك ربما تشرب، تحتاج إلى أن تشرب". يذكرون مرة من المرات كان عادة الآباء إذا قرب الطعام يأتون لهم بغسل في إناء، يغسلون أيديهم، فجاءوا بغسل، وكل واحد غسل قبل الطعام وأكلوا، فإذا واحد يشرب، يعني الطعام يدخل في مجرى الهواء، هذا يسمونه "يشرب"، طيب، فيحتاج إلى ماء، ما وجد لهذا الغسل، فقام فشربه، قال له: "كيف؟"، قال: "أيهم أفضل؟ يعني أموت، والله أشرب هذا الماء المكدر الوسخ"، اضطر إلى شربه، والله سيموت، فاضطر إلى شربه، فالله أعلم. يقول الأجداد: هكذا يكون الماء عند الطعام وعند الكلام، لأن الإنسان قد يتعرض لهذا، يعني الكحة أو الانسداد، يقولون: انسداد فتحة الهواء، انسداد فتحة الهواء. قال: "تنبيه: الناظر في الأحكام الشرعية وأدلتها يتبين له شدة تشوف الشرع إلى العتق". أيش معنى "تشوف"؟ تشوف يعني إلى الحث وإلى الترغيب في العتق، يتشوف بمعنى يرغب، الشرع في ذلك يتشوف، يعني يحب الشرع من العباد أن يعتقوا الرقاب، أن يعتقوا الرقاب، وترغيبه فيه، وترتيب الثواب العظيم عليه. ومن مظاهر هذا التشوف، يعني كيف، ما هو الدليل على تشوف الشرع إلى العتق؟ ذكر هنا ستة أوجه تدل على ذلك. قال: أولاً: أمر الله تعالى السيد بقبول كتابة عبده الذي يرى منه صلاحاً في دينه وقوة على التكسب والقيام بنفسه، فهذا الحث يدل على رغبة الشارع في العتق، رغبة الشارع في أيش؟ في العتق، كونه حث وأمر السيد بقبول ذلك، حتى اختلف العلماء: هل يجب على السيد أو لا يجب؟ فبعض العلماء رأى بالوجوب، لكن قلنا الصواب أن هذا لا يجب، بأن هذا مال، والمال لا يخرج من الإنسان إلا بطيب نفسه، بطيب نفس منه. هذا أولاً. ثانياً: قوله صلى الله عليه وسلم: "أيما امرئ مسلم أعتق امرأ مسلماً، استنقذ الله بكل عضو منه عضواً منه من النار". لا شك أن هذا فيه ترغيب وترتيب ثواب عظيم لمن أعتق، فعتق الرقاب سبب للعتق من النيران، عتق الرقاب سبب من العتق من النيران، فهذا لا شك أنه تشوف إلى العتق. كذلك: كون العبد يعتق على سيده إذا مثل به، بقطع عضو من أعضائه، وبتحريقه، كما مر معنا، مجرد أن يتلف السيد شيئاً من العبد، يكون هذا العبد حراً، لا بإرادته، يلزمه القاضي أن يطلق عبودية هذا الرقيق، ملزم بذلك، لا شك أن هذا كذلك فيه تشوف الشرع إلى العتق. قال: كون العبد يعتق على سيده بمجرد الملك إذا كان ذا رحم منه، كما مر معنا، إذا اشتريت قريباً لك، كما مر معنا، فإن هذا القريب يكون حراً بمجرد الشراء، بمجرد الشراء، ولا يلزم أن تقول: "هو حر"، لا، خلاص، بمجرد شرائك له فهو حر، قلت أم لم تقل، قلت أم لم تقل، فهو حر. قال: وكذلك خامساً: جعل عتق الرقبة في كثير من الكفارات، سواء كان على وجه التخيير أو الإيجاب، مثل كفارة القتل خطأ، ومثل كذلك كفارة المجامع في نهار رمضان، صح، ففيه كفارة عتق رقبة، عتق رقبة، كما جاء في حديث أبي هريرة، وكذلك في الظهار جاء فيه عتق رقبة. انظر، كثير من الكفارات جاء فيه عتق رقبة، وهذا دليل على يجعل تشوف الشرع إلى العتق، إلى العتق. قال: سادساً: كون عتق العبد المشترك يكمل إذا أعتق أحد الشركاء ملكه، بحيث يؤمر إن كان له مال بأن يدفع قيمة جزء كل شريك إليه ليعتق، وهذا تقدم معنا، أنت لك ربع في هذا، أو لك نصف في هذا، فتنازلت عن ربعك، فإن كان لك مال تستطيع أن توفي بقية الشركاء قيمة هذا العبد، فعليك أن تفعل ذلك، هذا لا شك أنه ماذا؟ كذلك تشوف الشرع إلى العتق. وهذا فيه رد على أعداء الإسلام الذين يقولون: الإسلام فيه عبودية. نعم، فيه عبودية، لكن ليست مطلقة، وإنما مقيدة بأحكام، وكذلك آداب، نعم، وليس مطلقاً كما يفهم هؤلاء الأعداء. طيب، نكتفي إن شاء الله بهذا، وبهذا نكون قد انتهينا من بابي العتق، وإن شاء الله في الأسبوع القادم نبدأ في كتاب النكاح بإذن الله تعالى. إلى هنا، والله تعالى أعلم.