موت الفجأة

موت الفجأة

الخطبة بعنوان موت الفجأة، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بطيبة 30 محرم1447هـ الموافق 25 يوليو 2025م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في أشراط الساعة وموت الفجأة

يبدأ الحديث عن موت الفجأة كأحد أشراط الساعة، موضحًا معناه وأسبابه وآثاره بالاستناد إلى الأحاديث النبوية والآيات القرآنية. يُبرز أهمية فهم هذا المفهوم في الإطار الإسلامي.

التقدير الإلهي للأجل والاستعداد للموت

يُناقش المقطع موضوع الأجل المحدد من الله وضرورة الاستعداد للموت، مؤكدًا على أهمية الإيمان بالقضاء والقدر والاستعداد للموت بالطاعات والعبادات. يُشدد على أن الأجل لا يمكن تغييره.

أثر موت الفجأة على المؤمن والفاجر وتوجيهات لأهله

يتناول حكم موت الفجأة وتأثيره على المؤمن والفاجر، مشيرًا إلى أنه قد يكون رحمة للمؤمن وعقوبة للفاجر. يُوجّه أهل الميت للصبر والاحتساب والعمل على منفعته، ويُشدد على أهمية الاستعداد للموت.

ختام الصلاة بالدعاء والصلاة على النبي

يُنهي المقطع بالصلاة على النبي محمد ودعاء للمصلين، ويُرشد إلى استئناف الصلاة. يُظهر الختام الدعائي للصلاة والطابع الديني للصلاة على النبي والدعاء.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، فإنه مما ثبت عن نبينا المختار عليه الصلاة والسلام من الأحاديث والأخبار أنه قال: «إن من أشراط الساعة أن يتخذ المساجد طرقا، وأن يظهر موت الفجأة». ففي هذا الحديث العظيم، والذي فيه يخبرنا رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم عن أمارات وعلامات من أشراط الساعة. وإن مما أشار إليه صلوات ربي وسلامه عليه أن أشار إلى أمر من الأمور الجسام، وهي حتم لازم على كل إنسان، كل من عليها فان، ألا وهو الموت، هي المصيبة العظمى والداهية الكبرى، والتي أقضت مضاجع الأمم والبشرية جمعا. قال ربنا: ﴿فَأَصَابَتْكُم مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾، فهي مصيبة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى. وكيف لا يكون الموت مصيبة وهو لا يخلف وراءه إلا الهموم والأحزان والغموم والآلام، هو منغص للسعادات، مفرق للجماعات، وهو هاذم للذات. قال عليه الصلاة والسلام: «أكثر من ذكر هادم لذات عباد الله». إلا أن الموتى حين يحين فإنه يختلف من شخص إلى آخر، فمنهم من يأتيه الموت لكن مع سابق إنذار، كمن يبتلى بالشيخوخة وبالسن عتية، وآخر يبتلى بمرض ووجع فيكون طريح الفراش، فيصبح سقيما عليلا. فهؤلاء وأمثالهم قد جاءتهم من النذارة قبل موتهم ما به يمكنهم استدراك ما بقي من حياتهم حتى يحسنوا من حسن خاتمتهم. إلا أن ذلك غير مقدور عليه في حق من يموت موت الفجأة، وهو الموت الذي يأتي صاحبه بغتة من غير سابق إنذار. وإنما يهجم على صاحبه بلا انتظار، فلا يدع له فرصة ولا إمهال في أن يستدرك شيئا من حياته أو من عمره، أو أنه يودع أحدا من أقربائه وأهله. بل ربما كان نائما فقبضت روحه في ساعة نومه، أو كان قائما أو جالسا فسقط مباشرة على أم رأسه، أو كان ساجدا ففاضت روحه إلى ربه. قد يحصل ذلكم بسبب سكتة قلبية أو جلطة دماغية أو ذبحة صدرية أو بأسباب الله أعلم بها. وقد أدخل العلماء فيما أدخلوا في موت الفجأة ما يقع للإنسان من حوادث عارضة مآلها مفادها أن الإنسان يعود إلى بيته وهو محمول على نعشه. وإن مما ينبغي أن نعتبره في هذا المقام أن نعلم أن موت الفجأة ما حصل إلا بتقدير من الله جل في علاه، إذ أن الإنسان قد حان أجله. وفي الحديث الصحيح: «يؤمر الملك بكتب للعبد رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد وهو في بطن أمه». وإن من الإيمان بالله الإيمان بالقضاء والقدر، ومما يثبر به الإيمان من الإيمان بالقضاء والقدر أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. ومن هنا علينا أن نعلم عباد الله أن ما يظنه بعض الناس من أن هذا الصغير أو ذاك الشاب الذي مات إنما قد استعجل في أجله، لا وكلا وحاشا. بل إنه ما منا من أحد من صغير ولا من شاب ما جاءته منيته إلا في وقته، إذ أنه استكمل كامل أجله الذي وقته الله له. كما قال سبحانه: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. أقول قولي هذا، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. عباد الله، لا زن في هذا المقام في مقام الاعتبار بما نعتبره من موت الفجأة. ومن ذلكم أن نعلم أن الآجال بيد الله جل في علاه، وأن نفسا لن تموت كائنة من كان في أي سن وأعمار، إنما قد استوفت أجلها بالكامل. وأيضا مما نعتبره من موت الفجأة أن نعلم أن الموت لا يفرق بين أحد، لا فرق بين ذكر ولا أنثى، ولا يفرق بين صغير ولا كبير، ولا بين عظيم ولا حقير، ولا بين غني ولا فقير، أن يكون مستعدا للقاء أجله. فيا عبد الله ما يدريك إلا والموت قد حل فيك، فينبغي أن نستعد يا عبد الله لإلقاء الله جل وعلا اليوم أو غد أو بعد غد. جلس نبينا صلى الله عليه وسلم على شفير قبر فبكى، ثم قال لمن حوله: «لمثل هذا فأعد». وقد صح مما صح به من الآثار: «إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح». عباد الله، وإن من أعظم ما يكون به الاستعداد للموت بما يكون من الإقبال على الله في كل حياتنا، وفي كل شؤون حياتنا، وفي كل أحوالنا، بأن نستعد وأن نستقبل هذا الموت بما يكون من إقدامنا وحرصنا على الطاعات والعبادات من الفرائض والواجبات، والإكثار من السنن والنوافل والقربات دائما وأبدا. «واعبد ربك حتى يأتيك اليقين»، وأنت على هذا المنوال من الطاعة والعبادة لربنا المتعال جل في علاه. وأيضا مما ينبغي أن نستعد به لهذا الموت الذي يأتينا فجأة ويأتينا بغته، مما يكون من بعدنا واجتنابنا عن المعاصي والذنوب والمقبقات، وعن الحرمات والمحرمات، وأن نعجل في سداد الأمور إلى أهلها، وإرجاع المظالم إلى أصحابها. عباد الله، ومما أيضا ينبغي أن نذكره في هذا المقام ونحن نتحدث عن موت الفجأة، وهو ليس من الضرورة أن من مات على هذه الصورة أن يكون قد مات على سوء خاتمة كما يراه ويظنه بعض الناس، لا، بل إن هذا على حسب حال الميت. فصاحب موت الفجأة لا يمدح ولا يذم، فلربما كان هذا الموت راحة للمؤمن الطائع، ولربما كان عقوبة على الكافر الفاجر. فمن مات موت فجأة وهو من أهل الصلاح والتقى، ومن أهل الفضل والنهى، فإن موت الفجأة بالنسبة إليه خير ورحمة، إذ أنه ما عانى من شدة الموت وكربته، وما وجد ألما من قبض روحه ونزعته. بل إن أمر المؤمن كله له خير في حياته وأيضا عند موته، في حياته وعند موته. وأما من مات موت الفجأة وهو من أهل الفجور والمجون، فإن هذا الموت بالنسبة إليه عقوبة وغضب من ربه، إذ أنه لم يتمكن من أن يستدرك حياته قبل موته بتوبته، أو أنه يستعد للقاء ربه. ولهذا صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: «موت الفجأة أخذة أسف»، أخذة غضب. لكن على هذا التفصيل يمكن به تحديد المصير، نعلم أن موت الفجأة حكمه من حكم صاحبه، قد يكون رحمة، وقد يكون عذابا ونقمة. ولهذا صح عن عبد الله بن مسعود، وأيضا عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنهم، أنهم قالوا: «موت الفجأة راحة على المؤمن، وأخذة أسف على الفاجر»، رحمة على المؤمن، وأخذة أسف أي غضب على الفاجر. أخيرا عباد الله، فينبغي على كل من مات عليه أحد من أقربائه وأحبابه على هذه الصورة المذكورة من صور موت الفجأة، فعليه أولا أن يصبر وأن يحتسب، ولا شك ولا ريب أن موت من مات على هذه الحالة أصعب ممن يموت على غيره ممن قد مات بسابق إنذار. فعلى صاحبهم وعلى أهاليه أنهم يصبروا ويحتسبوا، وأن يرضوا بقضاء الله وقدره. وأيضا يسارعوا إلى منفعة هذا الميت الذي أخذ أجله بغته، أن يسارعوا إلى منفعته، وذلك بما يكون من الدعاء له، والمسارع إلى إبراء ذمته، والتخلص من الحقوق التي يطالبه بها غراماؤه، وأنه يحرص على أن يتصدق عنه قدر الإمكان. فقد جاء في الصحيح أن رجلا قال: «يا رسول الله، إن أمي افتلتت نفسها - أي أن الموت قد جاءها بغته، جاءها فجأة - أفأتصدق عنها؟ قال عليه الصلاة والسلام: نعم، تصدق على أمك». فأسأل المولى جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. وصلى الله عن نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.