الدرس في القواعد والأصول الجامعة 72، الدرس الثاني والسبعون : من : ( القاعدة الثامنة والثلاثون ... لأنه عاد إلى أمر آخر ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول الشيخ شرح القاعدة الثامنة والثلاثون المتعلقة بفساد العبادة والمعاوضة بسبب التحريم. يُبيّن الشيخ الخلاف بين أهل العلم في تفسير هذه القاعدة وتطبيقها.
يناقش المقطع حكم العبادة عند ارتكاب محظور خارج عن ذاتها أو شرطها، ويستدل على أن ارتكاب محظور لا يبطل العبادة إذا لم يكن متعلقا بذاتها أو شرطها. يُستشهد بقصة عمر بن سلمة ليدلل على أن انكشاف العورة في الصلاة لا يبطلها إذا كان بغير علم أو لضرورة.
الصلاة بغير طهارة أو مع وجود محرم مثل لبس حرير أو ثوب مغصوب لا تبطل الصلاة ولكنها محرمة، ويكون الشخص آثمًا لفعله ذلك. الحكم يختلف حسب المذهب الفقهي، فالحنابلة يفرقون بين ما يبطل الصلاة وما يحرم فعله دون إبطال الصلاة.
يتم ختام الدرس الحالي بسبب انتهاء الوقت، مع الإشارة إلى استكمال الموضوع في درس قادم. يُنهي المتحدث الدرس بالدعاء والتوكل على الله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخ أبو عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي رحمه الله تعالى في القواعد: قال القاعدة الثامنة والثلاثون: إذا عاد التحريم إلى نفس العبادة أو إلى شرطها فسدت، وإذا عاد إلى أمر خارج لم تفسد، وكذلك المعاوضة. هذه قاعدة ذكرها بعض أهل العلم في كتب القواعد، وهي من القواعد المختلف فيها. فبعض أهل العلم خالف في معنى هذه القاعدة. وماذا ترى المؤلف رحمه الله تعالى؟ هو الذي ذهب إليه الكثير من المحققين من أهل العلم، وهو الذي دلت عليه الأدلة الشرعية. لكن يتطرق إليه خلاف آخر في مفهوم وتطبيق هذه القاعدة. فالخلاف بهذه القاعدة من وجهين: أولا في منطوق هذه القاعدة، وبعضهم خالف بهذا، فذهب الظاهرية إلى عموم القول بالإفساد في التحريم، سواء كان التعلق بنفس العبادة أو شرطها أو كان كذلك إلى أمر خارج عنها. وهكذا كذلك قالوا بمعنى في المعاملة. وعلى العكس من ذلك بعض أهل الرأي توسع بذلك توسعا عظيما، فزعم أنه لا يفسد حتى ولو تعلق النهي إلى شرطها، وربما وافقهم بعض أهل الحديث كما هو معروف، وسيمر معنى ذلك في بعض المسائل التي سيذكرها المؤلف رحمه الله تعالى. والصواب ما ذكره المؤلف رحمه الله في هذا التفصيل. ثم يأتي خلاف آخر في تفسير ومفهوم هذه القاعدة، وسيأتي من كلام المؤلف رحمه الله بيان المفهوم الصحيح لأمر الخارج. فإنهم اختلفوا في الأمر الخارج عن العبادة أو المعاملة، ما هو هذا الأمر الخارج؟ هل هو ما كان سوى العبادة أو ما تعلق بمكان الشرط والواجب أو ماذا؟ وسيأتي معنا أن الصواب - الله تعالى أعلم - أنه الأمر الخارج عن العبادة أو المعاملة ولو كان في نفس مكان الشرط أو الواجب، وسيأتي بيانه في المسائل التي سيدكرها رحمه الله تعالى. وأما قوله: وكذلك المعاملة، يعني باب المعاملات. قال: وهذا هو الفرق بين العبادات التي تفسد والتي لا تفسد إذا اجتمعت على أمر محرم، أنه إن عاد التحريم إلى ذاتها أو شرطها فسدت، فإنه يعود على موضوعها بالإبطال. وإن عاد إلى أمر خارج حرم على الإنسان ذلك الفعل، ولم تبطل العبادة، وإنما ينقص ثوابها. الآن عندنا ثلاثة أمور: الأمر الأول أنه إذا تعلق النهي بذات العبادة أو شرطها، فإنه يقتضي التحريم ويقتضي كذلك الفساد، وسيأتي دليله. مثال حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مثال الذي يتعلق بذات العبادة نهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الصلاة إلى القبور، فإنه يقتضي البطلان على القول الصحيح من أقوال أهل العلم، كما دلت عليه الأحاديث: حديث عائشة، حديث جابر بن عبد الله، حديث أبي سعيد وغيرها من الأحاديث بهذا المعنى. ومثال الثاني النهي المتعلق بالشرط: الصلاة بغير طهارة. وفي الصحيحين: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ». والأمر الثاني أن لا يعود إلى نفس العبادة ولا إلى شرطها، ولكن يعود إلى أمر خارج عنها. فما هو هذا الأمر الخارج عنها؟ هنا محل الخلاف في مفهوم هذا الأمر الخارج، وعليه يكون الخلاف في فهم هذه القاعدة. فالأمر الخارج عند بعض الحنابلة هو ما تعدى مكان الوجوب والشرط. فمثلا يفرقون بين من صلى بعمامة حرير ومن صلى بإزار حرير، فيرون أن من صلى بعمامة حرير فهو آثم ولا تبطل صلاته، ومن صلى بإزار الحرير فهو آثم وتبطل صلاته. والصحيح - الله تعالى أعلم - أنه لا فرق بين لبس الإزار الحرير المحرم ولبس العمامة الحرير المحرم. وأما كون أن هذا غطى موضع العورة، فهو ستر العورة، ولبسه للمحرم لا يكون معناه أن وجوده كعدمه، هذا ليس بصحيح، بل حصل الحكم ولم يحصل البراء. فمثل هذا يكون به الإثم ولا يكون به البطلان. وأما عند بعض الظاهرية، فهم يرون البطلان بالعمامة الحرير وبالإزار الحرير، فهم يعممون. والصواب ما سمعتم. قال رحمه الله تعالى: طيب الأمر الثالث الذي أشار إليه قبل أن ننتقل لأجل أن يتضح ويكون هذا توضيحا لفهم ما بعده. الأمر الثالث أنه ذكر إذا عاد - أو إذا اجتمعت على أمر محرم - أنه إن عاد التحريم إلى ذاته أو شرطه فسدت، وبينا ذلك لأنه يعود على موضوعها بالإبطال. وإن عاد إلى أمر خارج حرم على الإنسان ذلك الفعل، وسبق الكلام عليه، ولم تبطل العبادة، وإنما ينقص ثوابها. والأمر الثالث طيب أخذنا الآن أولا ما تعلق بذات العبادة أو شرطها، وثانيا ما تعلق بأمر خارج عنها، والثالث أن لا يتعلق بشيء من ذلك لا بشيء من شرطها ولا كذلك بذاتها ولا يتعلق بالعبادة، فهذا لا تعلق له بهذا النهي. وستأتي الأمثلة التي توضح هذا المعنى. قال رحمه الله تعالى: مثال ما عاد إلى نفسها وشرطها: لو توضأ بماء محرم كغصوب أو صلى في ثوب محرم عالما ذاكرا، بطلت طهارته وصلاته، أي لم تنعقد. وإن كان الماء مباحا - يعني الماء في نفسه مباح مما يجوز استعماله - لكنه لما كان مغصوبا فإنه يبطل يبطل الصلاة والطهارة، هكذا قال رحمه الله تعالى. والصواب أن الأمر ليس كذلك، لأن الرجل وإن كان صلى على هذا الوجه بالماء المغصوب، فالماء المغصوب دل الدليل بالعموم أنه يوجب الإثم، لكن لم يدل الدليل على أن ذلك يبطل الطهارة أو الصلاة. فهذا حكم جديد يحتاج إلى دليل خاص جديد، ولا وجود لهذا الدليل. والأصل في العبادات إذا أديت شروطها وواجباتها أنها صحيحة، فنحن نبقى على هذا الأصل ولا نخرج عنه إلا بدليل صحيح صريح يدل على الخروج عن هذا الأصل. فلما لم يوجد هذا الدليل الصحيح الصريح، فنحن نبقى على هذا الأصل. ولا يفرق هذا عن أمر آخر، وهو أن الدليل الصحيح يدل على خلاف هذا المفهوم. والشرع لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع. أما الدليل المذكور هو ما جاء في قصة عمر بن سلمة رضي الله عنه، فإنه ثبت أنه صلى بجماعة من قومه فانكشفت عورته، والحديث في الصحيح. فقالت المرأة حين مرت وراء ذلك: ألا تجدون ما تسترون استي صاحبكم؟ يعني عورة صاحبكم. ومع ذلك لم تبطل الصلاة. فهذا الحديث يدل على مسألة وهي أن انكشاف العورة في الصلاة لا يبطل الصلاة إذا كان بغير علم أو إذا كان لضرورة. فقول من يقول أن ستر العورة شرط، وعلى هذا فكشفها يبطل الصلاة سواء أكان بعلم أو بغير علم. انظر انتبه لهذا، لأن الشرط يبطل العبادة أو المعاملة إذا افتقد سواء علم به أو لم يعلم به. أنت لو صليت بغير طهارة وأنت ناسي، هل صلاتك تصح؟ الجواب: لا تصح الصلاة ولو كنت ناسيا. فإذا تذكرت لزمك الإعادة. وإذا صليت بغير طهارة وأنت تعلم، كذلك يلزمك الإعادة. وما الفرق بين الأول والثاني؟ الفرق بين الأول والثاني أن الأول لا يأثم لنسيانه، وأما الثاني يأثم وتبطل الصلاة لعلمه بهذا الأمر. فإذا كان كذلك، فستر العورة هو من الواجبات. لكن لا يعني ذلك أنه يجوز للإنسان أن يصلي وهو مكشوف العورة. يجب أن يصلي وهو ساتر لعورته. فإذا تعمد ذلك فصلاته تبطل. وأما إذا وقع من غير عمد فصلاته لا تبطل، وذلك لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «صلوا كما رأيتموني أصلي». فإنه أمر عليه الصلاة والسلام في حديث مالك بن حويرث أن يصلى كما صلى. ومن صلاته في قوله وفعله أن يصلي المصلي وهو ساتر لعورته. فإذا كان عدم وجود السترة لا يبطل على هذا الوجه، فمن باب أولى وجود الشيء المحرم عليها. فما كان جوابا على هذا الحديث، فيكون جوابا كذلك على هذه المسألة واضح. والشرع لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع. فما ذكر في حديث عمر بن سلمة أشد من الصلاة بالماء المغصوب أو الوضوء بالماء المغصوب والصلاة به، أو الصلاة بالثوب المغصوب كذلك، أو الثوب المحرم. قال رحمه الله تعالى: مع أننا كما سبق قلنا لا دليل صحيح صريح يدل على أن ذلك يبطل الطهارة أو يبطل الصلاة. قال رحمه الله تعالى: قال: وإن كان الماء مباحا ولكن الإناء مغصوب. هنا يوجد سقط، وهو أنه يحتاج أن يقول: وإن توضأ بماء موضوع في إناء مغصوب. نعم، لكن نريد أن نقول: أنه الآن انتقل، بما ذكر الانتقال، لأنه قال: ولكن الإناء مغصوب، يدل على أن هناك كلام قبله وهناك حدث. وهذا الحدث هو يفهم من الكلام الذي قبله. فقوله: لو توضأ بماء محرم كغصوب أو صلى في ثوب محرم، هذا يبطل. لكن لو توضأ بماء موضوع في إناء مغصوب، فهنا على قاعدة الحنابلة في التفريق كما سبق، فيكون الماء مباح والإناء مغصوب، فيحرم الفعل ولا تبطل العبادة. يحرم الفعل ولا تبطل العبادة. إذا كان مذكورا في بعض النسخ فذاك. إذا كان ليس بمذكور فالكلام فيه سقط. لابد أن يضاف. وهذا السقط معناه أن يقول: وإن توضأ بماء مباح موضوع في إناء مغصوب، فالطهارة صحيحة وهو آثم. يعني لا تبطل الطهارة، تصح الطهارة وهو آثم لهذا الفعل. وهذا صحيح. ذكر هذا: وإن كان الإناء الذي فيه الماء مغصوبا والماء مباح، صح الطهارة. نعم، بس هذا الذي يريده، لأنه الآن يذكر مذهب الحنابلة. والحنابلة يفرقون، فيحتاج أن نذكر مثالا بصورتين على ما يوافق المقصود الذي يريد التفريق بين الأمر الخارج والأمر غير الخارج. والصواب أن الأول لا يبطل ويحرم فعله، ولا يبطل العبادة، والثاني كذلك كما ذكر رحمه الله تعالى: تصح العبادة ويحرم الفعل. لأنه أمر خارج. قال رحمه الله: وكذلك لو صلى على عمامة حرير وهو رجل. انظر قوله: وهو رجل، لماذا؟ لأنه لو كانت امرأة وستر الرأس بالنسبة للمرأة عندهم شرط، بينما للرجل مستحب. وللمرأة شرط، فعند ذلك تبطل الصلاة بالنسبة للمرأة ولا تبطل بالنسبة للرجل. لكن لو صلى بإزار حرير فإنه يبطل عندهم الصلاة للرجل كذلك. والصحيح أن الصلاة صحيحة والرجل آثم أو المرأة آثمة على هذا الفعل. قال: أو خاتم ذهب، حرم عليه الفعل والصلاة صحيحة، لأنه عاد إلى أمر خارج. والصواب أنه في الحالتين - والله تعالى أعلم - الصلاة صحيحة وهو آثم. طيب نقف إلى هنا لانتهاء الوقت، ونكمل إن شاء الله بدرس آخر، والله تعالى أعلم.