الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 98، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يسرد المقطع حديث ابن عباس عن اعتزال النبي صلى الله عليه وسلم نساءه شهراً، وصعود عمر بن الخطاب إلى المشربة ليسأله عن طلاقهن، فأخبره النبي بأنه آلى منهن شهراً، ثم مكث تسعاً وعشرين يوماً قبل أن يعود إليهن.
يشرح المقطع مفهوم الإيلاء بأنه حلف الزوج على عدم وطء زوجته، ويبين أن الشارع حدد مدته بأربعة أشهر يُوقف الزوج بعدها ليراجع أو يطلق، مستعرضاً قصة النبي صلى الله عليه وسلم حين آلى من نسائه شهراً، ومبيناً أن الشهر القمري يكون تسعة وعشرين أو ثلاثين يوماً.
يؤكد المقطع على أهمية الإحسان والمعاملة الحسنة بين الزوجين، وأنها أفضل من المال والعطايا المادية، مستشهداً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم وقصة أبي زرع وأم زرع، ومبيناً أن خيار الناس من أحسنهم لأهله، وأن طاعة الزوجة لزوجها مع قيامها بالفرائض سبب لدخول الجنة.
يختصر المقطع واجبات المرأة في الصلاة والصيام وطاعة زوجها، ويبين أن التزامها بهذه الأمور سبب لفوزها بجنة الله، مختتماً بالتأكيد على أن هذا ما يُذكر في هذا السياق.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا علي بن عبد الله، وهو ابن المديني، إمام من أئمة المسلمين. قال البخاري رحمه الله: ما استصغرت نفسي عند أحد ما استصغرت عند علي بن المديني؛ لأنه يرى علم علي عظيم، وعنده أشياء كثيرة ليس عند البخاري. قال: حدثنا مروان، وكان أيضًا يشهد لعلي مشايخه كسفيان بن عيينة، قال: يلومونني على علي، وأنا أستفيد من علي أكثر مما يستفيد مني. كذلك، أيها الإخوة، ابن سعيد القطان. قال: حدثنا مروان بن معاوية، وهو الفزاري، قال: حدثنا أبو يعفور. وهذا أبو يعفور هو الصغير، اسمه عبد الرحمن بن عبيد بن نستاس، نون سين طاء ألف سين. والكبير يُقال اسمه واقد، ولقبه أبو قدان، أبو يعفور. قال: حدثنا أبو يعفور، قال: تذاكرنا عند أبي الضحى، وهو مسلم بن صبيح، فقال: حدثنا ابن عباس، قال: «أصبحنا يومًا ونساء النبي عليه الصلاة والسلام يبقين، عند كل امرأة منهن أهلها، فخرجت إلى المسجد فإذا هو ملآن من الناس، فجاء عمر بن الخطاب فصعد إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو في غرفة له، وهي المشربة التي جعلها النبي صلى الله عليه وسلم عندما اعتزل نساء، قال: فسلم فلم يجبه أحد، ثم سلم فلم يجبه أحد، ثم سلم فلم يجبه أحد، فناداه فدخل على النبي عليه الصلاة والسلام». وقد فصل ذلك عمر، والذي رواه عنه أيضًا ابن عباس، فقال: «أطلقت نساءك؟» فقال: «لا، ولكن آليت منهن شهرًا». فمكث تسعًا وعشرين، ثم دخل على نسائه. وهذا قوله: «آليت منهن شهرًا»، الإيلاء كما ذكرنا قبل أنه نفس الإيلاء الذي ذكره الله عز وجل: ﴿الذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم﴾. ف الإيلاء هو الحلف أن لا يقرب الرجل امرأته، يقول: والله لا أقربك، أو والله لا أطأك، أو يقول: والله لا أجامعك، أو والله أنت علي حرام، وغيرها من هذه الكلمات. فهذا يُعطي أربعة أشهر، فبعد أربعة أشهر يوقفه الإمام أو القاضي، يقول له: إما أن ترجع وإما أن تطلق. أن بعد الأربعة أشهر لا يجوز أن يزيد عليها، إما أنه يراجع وإما أنه يطلق. الآن كثير من الناس تجد مثلًا يخرج امرأة من بيته، أو يقول لها: والله لا آتي بك من عند أهلك، ويحلف على ذلك، وهذا أيضًا يعتبر من الإيلاء، فهذا يُعطي أربعة أشهر. بعد الأربعة أشهر إن لم يأتِ بزوجته، أو أنه خرج ولم يأتِها، فإنه يقول له القاضي: إما أن تراجع وإما أن تطلق، لا بد أحد الأمرين، لا تجعل المرأة هكذا. فإن جعل وقتًا للإيلاء، فهذا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه قال: والله لا أقربكن شهرًا، واعتزل في تلك المشربة، ثم بعد تسعة وعشرين يومًا خرج، فقالت له عائشة، أول ما بدا بادأت عائشة، فقالت له عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، إنك آليت شهرًا، وأنت الآن اليوم تسعة وعشرون يومًا، أعدها عدًا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الشهر تسعة وعشرون، الشهر تسعة وعشرون»، لأن الشهر العربي إما ثلاثون أو تسعة وعشرون، فلذا قال له: الشهر تسعة وعشرون. وفي هذا الحديث أن أمر الإشاعات لا بد أن يتأكد الإنسان منه، وأيضًا في هذا الحديث أن الرجل أو أن المرأة ينبغي أن لا تتخذ الطرق التي تستجذب بها زوجها، وأنها تحسن إليه كما يحسن إليها. فشرع ندب للزوج أن يحسن إلى المرأة ما استطاع من الإحسان، لم يحدد هذا الإحسان. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام كما تقدم معنا كان يقول لعائشة: «أنا لكِ كأبي زرع لأم زرع، أنا لكِ كأبي زرع لأم زرع». وكان أبو زرع يحسن إلى أم زرع أيما إحسان، حتى أنه لما طلقها وتزوج امرأة أخرى، ثم تزوجت أم زرع رجل آخر هو أغنى من أبي زرع، فأعطاها وأعطاها من المال، فقالت: والله لا أصغر آنية أبي زرع خير من هذا كله، لا أصغر آنية أبي زرع خير من هذا كله. كل هذا الذي أعطاها من الذهب وأعطاها من الطعام وأعطاها كذا، تقول: أصغر آنية أبي زرع أفضل من هذا كله. لماذا؟ لأنه كان يحسن إليها. هذا يعطيها من المال ويعطيها كذا، لكن ما في إحسان من ناحية المعاملة، فالمرأة تحتاج إلى الإحسان أعظم من المال. هذه غالبًا التي تعرف هدف الزواج، فالإحسان إلى المرأة أفضل من إعطائها من الأموال وغير ذلك. فلذا فالإحسان إلى الزوج من أفضل الأمور، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». فخيار الناس، أي خيار الأزواج، الذي يحسن إلى أهله. فلذا فما دام أن الرجل يحسن إلى زوجته، فكذلك الزوجة ينبغي عليها أن تطيع زوجها. إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وأطاعت زوجها، دخلت جنة ربها. إنما ما عليها إلا أشياء يسيرة: تلتزم بالصلاة والصيام، وتلتزم بطاعة زوجها، فتفوز بجنة الله جل وعلا. طيب، هذا ما يذكر في هذا المقام، الله أعلم. شكرًا للمشاهدة.