الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 710، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يسرد المقطع حديث ابن عباس عن ولادة النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الفيل، ويبين سنده ويصفه الشيخ مقبل بالحديث الحسن. يُرجح العلماء أن الولادة وقعت في اليوم نفسه الذي وقعت فيه حادثة الفيل.
يحكي المقطع كيف أراد أبرهة الحبشي هدم الكعبة، فدلّه أبو رغال على الطريق وأخذ إبل عبد المطلب الذي ردّ بأن للكعبة رباً يحميها. حبس الله الفيل عن دخول مكة وأرسل طيراً أبابيل رمتهم بحجارة من سجيل فهزم الجيش.
يذكر المقطع نبوءة النبي ﷺ بهدم الكعبة على يد رجل من السودان يُدعى ذو السويقتين كأحد أشراط الساعة. يستعرض تاريخ هدم الكعبة وبنائها بعد أبرهة، حيث بناها ابن الزبير على قواعد إبراهيم ثم أعادها عبد الملك بن مروان إلى وضعها النبوي.
يختتم المتحدث كلامه بعبارة تفويض وذكر لله، مؤكداً أن ما سبق ذكره هو بقدر الاستطاعة والتذكر. يقر بأن العلم المطلق والحقيقي لله تعالى وحده.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال ابن سعد في الطبقات. ابن سعد هو محمد بن سعد البغدادي، له كتاب سماه "الطبقات الكبرى" في التراجم، ترجم للصحابة ومن بعدهم. قال ابن سعد في الطبقات: أكبرنا يحيى بن معين، وهو أبو زكريا، إمام في العلل وإمام كذلك في معرفة الرجال. قال: أخبرنا حجاج بن محمد، وهو المصيصي. قال: أخبرنا يونس بن أبي إسحاق. يونس بن أبي إسحاق في حفظه شيء من الضعف، في حفظه شيء، لكن عامة أو أكثر أهل العلم يجعلون حديثه من قبيل الحسان، وابنه إسرائيل أفضل منه. إسرائيل بن يونس أفضل من أبيه في حديث أبي إسحاق. قال: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفيل، يعني عام الفيل. قال: وأخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار". قال: حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: حدثنا يحيى بن معين، قال: حدثنا حجاج بن محمد، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفيل. فهذا الحديث حديث حسن، وقد جاء ما يشهد له كما قد ذكرنا في الكلام في السيرة في ولادة النبي عليه الصلاة والسلام، وأن أكثر من روى من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد في عام الفيل. لكن حصل الخلاف: كم الفترة التي ولد فيها النبي صلى الله عليه وسلم بعد حادثة الفيل؟ فمنهم من قال: أربعين سنة، وهذا كلام غير صحيح وكلام شاذ كما قال الذهبي رحمه الله. وإنما قال بعض السلف: أربعين يوماً، كما جاء عن هروي وعن غيره: أربعون يوماً بينه وبين حادثة الفيل. وقيل: ثلاثون يوماً. وقيل: إنه في نفس اليوم. وقد ذكر الذهبي رحمه الله عدة روايات في هذا الباب، والصحيح أنه في نفس اليوم. وهذا الحديث أيضاً يؤيد أنه يوم الفيل، أي اليوم الذي حصل فيه صد الفيل. والمراد: أي صد أبرهة الأشرم. أبرهة الأشرم كان حاكماً مسيطراً على اليمن، وكان نصرانياً. فلما سمع أن المسلمين يحجون إلى بيت الله الحرام، إلى الكعبة، قال: سأفعل بيتاً مثل البيت الحرام حتى يصلّوا فيه ويأتون إليه. ففعل ذلك. فيقال: إن عربياً لما سمع أن أبرهة فعل ذلك ليضاهي به بيت الله، جاء وقضى حاجته فيه، قضى حاجته في ذلك البيت الذي أراد أن يحج الناس إليه. فلما علم بذلك غضب، وقال: والله لأهجمن كعبتهم. فخرج هو وجيشه، ومعه تلك الفيلة الكبيرة، حتى بلغ قرب مكة. ويقال: إن الذي أراهم الطريق هو رجل يقال له: أبو رغال. أبو رغال كانت العرب تكرهونه، وكانوا يرجمون قبره، حتى قال عمر رضي الله عنه لرجل: لو فعلت لأرجمنك مثل ما يُرجم قبر أبي رغال. فهذا الرجل هو الذي دل أبرهة على طريق مكة حتى جاء إلى قربها، أنا قرب مكة. فأراد أن يدخلها، ففاوض أهلها أولاً، وأخذ إبل عبد المطلب. فجاءه عبد المطلب، فقال: أنت عبد المطلب، وكان سيد مكة. فقال: بلى. فقال: ما قولك أني أهدم كعبتك؟ فقال: إنما جئتك لأجل إبلي. قال: يا رجل، جئت لأهدم دينك وأهدم الكعبة التي تصلون إليها، وأنت تسأل عن إبلِك؟ قال: فهذه إبلي، وأما الكعبة فلها رب يحميها. فقرر أنه يهدم. فكان أهل مكة قد طلعوا الجبال، طلعوا الجبال حتى يسلموا من شره، ولأنهم لم يستطيعوا أن يواجهوه للفيل التي معه. فلما وجه الفيل إلى مكة، كان كبيرهم إذا وجه إلى مكة لا يجري بل يجلس ويربض. فكلما أرادوا أن يوجهوه إلى مكة لا يستطيعون. وإذا وجهوه إلى اليمن أسرع السير، وإذا وجهوه إلى مكان آخر أسرع السير. فحبسه الله جل وعلا. حبس هذا الفيل، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديبية: لما ربضت القصوى ولم تدخل إلى المدينة، عندما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى الثنية وأراد أن يدخل مكة، أقصد من الثنية ربضت هذه القصوى، ناقة النبي عليه الصلاة والسلام. فقال: "خلعت القصوى"، خلعت، تعبت، تعبت ولم تستطع المشي. فقال: "ما خلعت القصوى، وما كان ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل". وهو الله جل وعلا الذي حبس الفيل عن مكة، فهو الذي حبس القصوى عن مكة. ولما حصل ذلك، علم النبي عليه الصلاة والسلام أن الله عز وجل يريد أن يعظم بيته، فقال بعد ذلك: "لا يسألون خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها". فمنع الله عز وجل الفيلة من دخول مكة، ثم أرسل الله عز وجل عليهم الطير أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول. كانت الطير كما قال ابن عباس: تأتي بالحجارة، في كل رجل من أرجلها حجارة، وفي فمها حجارة. فكلما أصابت رجلاً منهم مات، وصار كالعصف المأكول. العصف المأكول هو التبن، التبن الذي تعكله الغنم، صار مثله، أو صار هؤلاء مثله. فعلهم الله عز وجل كعصف مأكول، كما قال الله عز وجل: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾. وأما بقيتهم فهربوا لما رأوا ذلك العذاب. هرب، يقال: إن أبرهة ممن هرب، لكن ضاع في الطريق، وهربت الفيلة. ويقال: إن ابنه، ابن أبرهة، هو الذي نجا، يقال له: سيدوم أو كذا، حتى وصل إلى صنعاء، فوصل له بالهزيمة والخيبة. ومنذ ذلك الوقت لم يستطع حتى أن يتجرأ على الكعبة، إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن رجلاً من السودان يقال له: ذو السويقتين، ينقض الكعبة حجراً حجراً. أن هذا الرجل يأتي يوم على الكعبة فينقضها حجراً حجراً. وهذا معنى من الأحابيش أيضاً، هذا الرجل من الأحابيش من السودان. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: يقال له ذو السويقتين، ينقض الكعبة حجراً حجراً. الله أعلم متى هذا يكون، قد يكون في آخر الزمان قرب القيامة. وذكرها النبي صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة: "لا تقوم الساعة حتى يخرب الكعبة ذو السويقتين". وإلا فبعد أبرهة لم يستطع أحد، ولم يتجرأ أحد من الكفار أن يمس الكعبة. وأما من هدمها أو هدمها في زمن ابن الزبير، إنما لأجل بنائها، كما هدمتها قريش لأجل أن تبنيها، فبنتها. لكن نقصوا في النفقة، ولأنهم اشترطوا أن تكون النفقة نفقة حلال، فلم يجدوا ذلك المال الذي يبنون به الكعبة، فنقصت عليهم المؤنة، فخلفوا بعض الكعبة. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول لعائشة: "لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية، لهدمت الكعبة وبنيتها على أساس إبراهيم، ولجعلت لها بابين: باب يدخل منه الناس، وباب يخرج منه الناس". فلم يفعل النبي صلى الله عليه وسلم. ولما جاء وقت ابن الزبير، لما مسك الخلافة ابن الزبير، نقض الكعبة وبناها على أسس إبراهيم. فلما جاء وقت عبد الملك بن مروان، نقضها، نقضها عبد الملك بن مروان، وبناها على ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام في زمن النبي. فقال: نريدها مثل ما كانت في زمن النبي. فلما دخل عليه عروة، سأل عروة عبد الملك بن مروان، سأل عروة عن فعل عبد الله بن الزبير، فقال - وهو أخوه، عبد الله بن الزبير أخو عروة -: قد سمعت عائشة رضي الله عنها تقول، فذكر له الحديث. فقال عبد الملك: لو علمت ذلك الحديث لما فعل ما فعلت. فندم أنه أعاد الكعبة مثل ما كانت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام. ثم إن الوليد بن عبد الملك أراد أن يرجعها على أساس إبراهيم، فاستشار الإمام مالك، فمنعه الإمام مالك أن يفعل. قال: حتى لا يكون بيت الله عرضة للملوك، على هذا يهدم وهذا يبني، هذا يهدم وهذا يبني. قال: حتى لا يكون عرضة للملوك. فهذا خلاص ما يذكر، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام ولد يوم الفيل، في اليوم الذي هزم الله عز وجل به أبرهة وما معه من الجيش، وما جاء معه من الفيلة. وإنما سمي عام الفيل لأن الفيلة استُخدمت في ذلك العام لأجل دخول مكة، ولم يكن العرب يعرفون الفيل في الحرب. فهذا إن شاء الله تعالى من يذكر. الله تعالى أعلم.