الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 709، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع إسناد حديث «من غشنا فليس منا، ومن رمانا بالليل فليس منا» الذي أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، مع التعليق على أحوال الرواة كالدراوردي وثور بن زيد الكلاعي، والرد على تجهل ابن حزم لبعضهم. ويشير إلى تخريج الطحاوي للحديث في مشكل الآثار، ويؤكد في ختامه على تحريم الغش في المعاملات استدلالاً بهذا الحديث وما جاء في صحيح مسلم.
يستعرض المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم مع بائع البر الذي أخفى البلل في أسفل الكيل، مبيناً أن هذا يسمى تدليس الغش، وأن من باع سلعة بعيب خفي ولم يبينه فالمشتري بالخيار عند الجمهور. ثم يفصل في حكم الإبراء من العيب، موضحاً خلاف العلماء بين جوازه مطلقاً وتفصيله بحسب إمكانية اكتشاف العيب، ويختتم بتحذير من الغش في الدين بنسب الباطل إلى الشرع.
يستعرض المقطع تحريم الغش في الدين والمعاملات مستدلاً بأقوال السلف وحديث «من غشنا فليس منا»، ويبين خطورة رمي المسلمين بالليل، ثم يناقش أقوال العلماء في تفسير «فليس منا» موضحاً أن مذهب أهل السنة إجراؤها على ظاهرها للزجر دون تكفير ولا تأويل مرجئ.
يُفضل الأئمة عدم تفسير ألفاظ الزجر الواردة في الحديث لأن تفسيرها قد يحتمل معانٍ متعددة، بينما تركها بلا تفسير يحفظ مقصد الزجر والوعيد. وردت عبارة «فليس منا» في أحاديث كثيرة، والأولى عدم الخوض في تأويلها تفصيلاً.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى: قال الإمام الطبراني رحمه الله تعالى في "الكبير". والإمام الطبراني هو إمام من أئمة السنة، وله هذه المعاجم الثلاثة: المعجم الكبير، والمعجم الأوسط، والمعجم الصغير. وكان يحب المعجم الأوسط. وكان إمامًا يُسمى بإمام الدنيا أو حافظ الدنيا، كان عنده حفظ شديد. قد ذكرنا قبل فترة يسيرة ما حصل بينه وبين الجعاب في المناظرة، كما ذكرها ابن العميد، وأنه غلب الجعاب بحفظه، بكثرة حفظه. قال الإمام الطبراني رحمه الله في "الكبير": حدثنا علي بن عبد العزيز، وهو البغوي، الذي روى الذي له كتاب "العديات" عن علي بن الجعد، وهو إمام من أئمة الحديث، وقد جهله ابن حزم، وهذه وصمة في حق ابن حزم أنه لا يعرف هذا الإمام. قال: حدثنا سعيد بن منصور، وهو أبو عثمان الخرساني الإمام، فهو إمام من أئمة السنة، له كتاب "السنن" وله كتاب "التفسير". قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، وهو الدراوردي المدني. قال: عن ثور بن زيد، وهو الكلاعي. ثور بن زيد الكلاعي الذي قال فيه الثوري: "خذ من ثور واحذر قرناه". كان مرجئًا قدريًا، قرناه: أن يريد الإرجاء والقدر، كان يقول بهاتين البدعتين، وقد روى عنه مالك، وهو أثقة، إلا أنه كما قلنا عنده هذه البدع. قال: عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من غشنا فليس منا، ومن رمانا بالليل فليس منا». قال: هذا حديث حسن. وأخرجه الطحاوي في "مشكل الآثار"، والطحاوي له الكتابان: "معاني الآثار" و"مشكل الآثار". أما كتاب "معاني الآثار" فجعله في الحديث التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام، وذكر معانيها. و"مشكل الآثار" هذا جعله في الحديث التي ظاهرها التعارض أو ظاهرها عدم الاتفاق، فيجمع بين هذه الأحاديث ويبين مشكلها. قال: فقال: حدثنا يوسف بن يزيد، قال: حدثنا سعيد بن منصور به، أي: بنفس الإسناد، وليس عنده: «من غشنا فليس منا»، إنما عنده العبارة الأخرى: «ومن رمانا بالليل فليس منا». وأما: «من غشنا فليس منا» فقد جاء هذا الحديث الصحيح في مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «من غشنا فليس منا». وهنا: «من رمانا بالليل فليس منا». فالحديث هنا فيه عدة مسائل: المسألة الأولى: أن الغش حرام، ولا يجوز الغش في أمور المعاملات، لا يجوز، وهذا غش للمسلمين. وسبب حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام جاء إلى بائع حِنطة، والبُرّ: معنى قمح، فأدخل يده في هذا البرّ، فرأى مبللاً من الداخل، أن الظاهر أصابته مطر، فجعله الذي أصابته المطر من أسفل، وجاء بفوقه من برّ يابس بدون بلل. فلما أدخل النبي صلى الله عليه وسلم يده رأى البلل، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟ من غشنا فليس منا، من غشنا فليس منا». وهذا ما يسميه الفقهاء بتدليس الغش، بتدليس الغش، وهو أن يظهر الشيء أنه حسن، وفيه عيب لا يظهر، وفيه عيب لا يظهر، فهذا يعتبر غشًا. فمن باع سلعة لشخص آخر وهو يعلم أن فيها عيبًا، وإن لم يكن ظاهرًا لكن فيها عيب، فلم يذكره له، ولم يستبرئ من عيبه، فهذا عند جمهور العلماء أنه يرد، إذا كان أراد أن يرده المشتري يرد بهذا العيب. وأما إذا أبرأه، فحصل خلاف بين العلماء: أنا أبرأه كيف؟ قال له: «أنا بريء من أي عيب»، أو قال له: «تبرئني من كل عيب»، أو: «إن وجدت عيبًا فأنا لا أحمله»، أو غيرها من هذه الألفاظ التي فيها التبرؤ من العيب. فإن وافق المشتري على ذلك، فبعض العلماء قالوا: البيع يكون صحيحًا وليس له الرد. وبعضهم فصل، كما ذكر الشيخ المعلمي رحمه الله، أنه يفصل في هذا: إن كان العيب يعرف بالظاهر، أو يعرف بشيء من الطرق، مثلاً: السيارة عندما يمشي بها، فهذا له أن يبرئه فيه. وأما إن كان العيب لا يستطيع أن يعرفه إلا إذا، مثلاً، كانت كما قلنا سيارة، إذا فك هذه السيارة وأيضًا رأى مكينتها ورأى كذا، سيعرف هذا بعد ذلك العيب، فمثل هذا قالوا: يرد، مثل هذا قالوا: يرد، حتى لو أبرأه. وهذا تفصيل طيب، لأنه ما من شيء إلا وله عيوب، ما من سلعة إلا وغالبًا لها عيوب، لكن تختلف هذه العيوب، فمنها ما يكون فيها عيوب ظاهرة. ولهذا بعضهم يقول: يقول له مثلاً: «هل فيها عيب؟» يقول: «عندك هذا البضاعة انظرها هل فيها عيب؟» فهذا ليس صحيحًا، ولو قال هذا فإنه لا يغطي العيب، لا يغطي العيب. هذا في الطعام، لكن أيضًا يكون الغش حتى في دين الله، وهذا من أعظم الغش: أن الإنسان يغش الناس في الدين، يأتي لهم بأشياء ليست من دين الله جل وعلا، إما يأتي لهم بأحاديث غير صحيحة، أو اعتقادات باطلة، أو بدع ما أنزل الله بها من سلطان، وكل ذلك من الغش في دين الله جل وعلا. ولهذا جاء عن الفضيل بن عياض رحمة الله عليه قال: «من دل على صاحب بدعة فقد غش»، ومن زوج ابنته لصاحب بدعة فقد قطع الرحم، فقد قطع الرحم الذي بينها وبينه، عندما يزوجها صاحب بدعة، هذا من الغش، عندما يزوجها من لا يتقي الله، يزوجها إنسان ليس عنده دين، أو أنه من المبتدعة القبورية وغير ذلك، فإن هذا من غش، من الغش أن يفعل ذلك. والغش يدخل في أشياء كثيرة، وهو التدليس أو نوع من التدليس، ولهذا الفقهاء تجد أنهم يفرقون بين خيار التدليس وخيار الغش، فرقوا بين خيار التدليس وخيار الغش، معناه في صورته، وإلا فمن ناحية العيب أو من ناحية الرجوع والرد فإنهم يتفقون، أي: غالب الجمهور يتفقون على الرد، على أنه يرد. فهذه العبارة الأولى: قوله: «من غشنا فليس منا». والعبارة الثانية: «من رمانا بالليل فليس منا». رمانا بالليل: كان يرمي شيئًا، أو أنه قصد الرماية، قصد الرماية، فهذا ذنب عظيم، أنه يرمي أهل الإسلام بشيء في الليل ويخيفهم ويفزعهم، فهذا لا يجوز، لا يجوز أن يرمي بالليل، وسواء كان ذلك له هدف أو لم يكن له هدف، ولو كانت هذه الرماية بغير هدف فإنها أيضًا من الإزعاج، وكذلك قد يصاب بها أحد فيموت فيُقتل، فلذلك فهي خيانة. ويدخل في ذلك من كان يتعمد ذلك فيرمي المسلمين بالسلاح نكاية أو تأييدًا للعدو، فهذا أعظم، وقد يخرجه عن الإسلام، أنه يقتل المسلمين استحلالًا لدمائهم. أما إذا كان بتأويل فهذا لا يكفر. قوله أيضًا: المسألة الثالثة: قوله: «فليس منا»، ما المقصود بقوله: «فليس منا»؟ في هذه المسألة أو في هذا الحديث أقوال: منهم من قال: «فليس منا» أي: ليس مثلنا. ومنهم من قال: «فليس منا» أي: ليس من أهل ديننا، وهذا يقوله الخوارج. وأما أهل السنة، وكثير منهم، جاء عن ابن المبارك، وجاء كذلك عن إسحاق وأحمد وجماعة من العلماء، أن هذه العبارات لا تفسر، وإنما جاءت على الزجر، فلا يقال مثلاً: «ليس على طريقتنا» أو «على ديننا» أو كذا. ولهذا أنكر الإمام أحمد على من فسره، وقال: هذه العبارات تبقى مثل ما قال النبي عليه الصلاة والسلام، فهي للزجر: «من غشنا فليس منا»، نقول هكذا: «فليس منا»، من باب الزجر، ولا نفسر على طريقة المرجئة أو الخوارج. فالمرجئة قالوا: «من غشنا فليس منا» أي: ليس على طريقتنا. والخوارج قالوا: ليس على ديننا. وهذا كله تفسير غير صحيح. ومنهم من أهل السنة من قال: هذا أيضًا تفسير: «ليس على طريقنا التي نسلكها والتي أيضًا شرعها الله». فبعض أهل السنة يفسر هذا الحديث، لكن الأفضل هي طريقة الأئمة الذين قالوا: أن هذه الألفاظ لا تفسر، ليس أن معناها لا يعرف، لا، وإنما لا تفسر لأجل الزجر، لأجل الزجر. فإن «من غشنا فليس منا» فقد يحمل على أنه ليس من أهل الدين، قد يحمل أنه ليس من هذه الطريقة، وقد يحمل على أشياء من ذلك، فتفسيرها قد يحتمل أشياء كثيرة، لكن الأفضل أن الإنسان لا يفسرها، لأنه يحتاج في كل حديث أن يفسر هذه الألفاظ. وهذه قوله: «فليس منا» جاءت في أحاديث كثيرة. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.