الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 36، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا المحور دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم عز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك، بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل»، مع بيان صحة أسانيده. ويختم بتأثير إسلام عمر في قوة المسلمين كما روى ابن مسعود: «ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر».
يسرد هذا المحور عدة روايات عن إسلام عمر، منها سماعه سورة الحاقة وخروجه لقتل النبي فهداه رجل إلى إسلام أخته. ويبين المقطع علل بعض هذه الروايات من انقطاع أو ضعف في رجال الإسناد.
يروي المقطع قصة إسلام عمر بدءاً من اعتدائه على صهره سعيد بن زيد وأخته فاطمة، ثم قراءته لسورة طه فاهتدى. وتوجهه إلى دار الأرقم حيث بايع النبي صلى الله عليه وسلم وفرح الصحابة بإسلامه.
يذكر المقطع حديثاً في الصحيحين عن اجتماع قريش على عمر وقتالهم إياه بعد إسلامه، حتى تدخل العاص بن وائل والد عمرو بن العاص فأجاره وحماه. ويبرز هذا الموقف مكانة العاص بن وائل في قريش وحمايته للمسلمين الجدد.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: إسلام عمر رضي الله عنه. أذكر أولاً إسلام حمزة، ثم أذكر إسلام عمر. والذي اتفق عليه أكثر أهل العلم، بل أكثر أهل السير، أن عمر أسلم بعد حمزة. فذكر بعضهم إجماعاً على أن عمر أسلم بعد حمزة. قال: وقال عبد بن حميد وغيره. عبد بن حميد الكشي، أبو محمد، صاحب كتاب المنتخب في السيرة، أقصد المنتخب في التفسير، والمنتخب في المسند، أو له المسند كذلك. قال: حدثنا أبو عامر العقدي، وهو عبد الملك بن عمرو بن القيسي العقدي، قال: حدثنا خارج بن عبد الله، خارج بن عبد الله بن الزيد، فيه ضعف، عن نافع بن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «اللهم عز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك، بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام». وروي نحوه عن عبيد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن عبد الله بن دينار. وقال مبارك بن الفضالة، والمبارك حسن الحديث لكنه مدلس. وقال مبارك: عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن ابن عباس، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «اللهم عز الدين بعمر». والحديث الأول، حديث: «اللهم عز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك»، جاء من طرق، جاء من حديث ابن عمر، وحديث ابن عباس، وغيرهما. والظاهر أنه حسن بمجموع الطرق، قد صححه الشيخ الألباني رحمة الله عليه. قال: وقال عبد العزيز الأويسي، وهو عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، هناك كتب الأوسي، وليس الأوسي، وإنما هو الأويسي. قال: حدثنا الماجشون بن أبي سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، والماجشون ثقة، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «اللهم عز الإسلام بعمر بن الخطاب خاصة». لكن هذا الحديث جاء من طريق مسلم بن خالد الزنجي، وهو ضعيف. قال البخاري: منكر الحديث. والظاهر أن بعضهم أيضاً رواه عن هشام لكن أرسله. قال إسماعيل بن أبي خالد: طيب الله أن هذه صحت كما قلنا لحديث بمجموعها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم عز الإسلام بأحد الرجلين، عمر أو عمر بن الخطاب، أو عمرو بن هشام وهو أبو جهل». وجاءت روايات أنه بعمر خاصة، ما جاء عن ابن عباس، وعن غيره: «اللهم عز الدين بعمر». فالظاهر أنه صحيح، سواء كان لعمر، أو لقوله: «بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل». وجاء في أيضاً في قصة إسلام عمر، لكنها لم تثبت رواتها، إن شاء الله تعالى نذكر ذلك. قال إسماعيل بن أبي خالد: قال حدثنا قيس، قيس بن أبي حازم، قال ابن مسعود: «ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر». أخرجه البخاري. وهذا يدل على شجاعة عمر، وأيضاً أنه كان لا يخاف في الله لومة لائم. فلما أسلم أعلن بإسلامه، وضرب حتى جاء العاص بن وائل، فكان يتضارب مع هؤلاء الكفار عند الكعبة حتى جاء العاص بن وائل وخلصه منهم. وقال ابن عمر لأبيه: من ذاك الرجل الذي جاء وأنت تتضارب مع قريش؟ فقال: ذلك العاص بن وائل. وقال أحمد في مسنده: قال حدثنا أبو المغيرة، أو قال أنبأنا أبو المغيرة، وهو عبد القدوس، قال: حدثنا صفوان بن سليم، قال: حدثنا شريح بن عبيد، قال: قال عمر: خرجت وتعرض رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه. وهذا أيضاً من أصح ما جاء في إسلام عمر. قال: فقمت خلفه، فاستفتح سورة الحاقة، فجعلت أعجب من تأليف القرآن، فقلت: هذا والله شاعر، كما قالت قريش. فقرأ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: 40-41] الآيات. قال: فوقع في قلبي الإسلام كل موقع. وهذا الأثر لا بأس به، إلا أن شريح بن عبيد لم يدرك عمر بن الخطاب، فيه انقطاع، وإلا فهو أفضل ما جاء في إسلام عمر. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا يحيى بن يعلى الأسلمي، عن عبد الله بن المؤمل، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: كان أول إسلام عمر أن عمر قال: قالت ضرب أختي المخاض ليلاً، المخاض: معنى وضعت، وضعت في الليل. قال: فخرجت من البيت، فدخلت في أستار الكعبة في ليلة قمراء، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام، فدخل الحجر، وعليه تبان، تبان: معنى سروال الصغير غالباً، أو المراد به الإزار الصغير. قال: فصلى ما شاء الله، ثم انصرف، فسمعت شيئاً لم أسمع مثله، فخرج، فاتبعته، فقال: «من هذا؟» قلت: عمر. قال: «يا عمر، ما تدعني ليلاً ولا نهاراً». فخشيت أن يدعو علي، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. فقال: «يا عمر، اكتم». قلت: لا، والذي بعثك بالحق، لأعلننها كما أعلنت الشرك. وهذا ذكره ابن الجوزي في مناقب عمر، لكن يحيى بن يعلى الأسلمي في ضعف. وقال محمد بن عبيد الله بن المنادي: قال حدثنا إسحاق الأزرق، قال: حدثنا القاسم بن عثمان البصري، عن أنس بن مالك، قال: خرج عمر رضي الله عنه متقلداً السيف، فلقيه رجل من بني زهرة، فقال له: أين تعمد يا عمر؟ وهذا أيضاً لسناته، القاسم بن عثمان البصري، وهو أيضاً ضعيف. فقال هذا الرجل من زهرة لعمر: أين تعمد يا عمر؟ قال: أريد أن أقتل محمداً. قال له: كيف تأمن بني هاشم وبني زهرة وقد قتلت محمداً؟ فقال: ما أراك إلا قد صبوت، معنى صبوت: بدلت دينك إلى دين آخر. قال: أفلا أدلك على العجب؟ إن ختنك وأختك قد صبوا وتركوا دينك. ختنك: معنى صهر، نحن نقول صهر، الختن هو زوج الأخت، زوج الأخت يسمى أيضاً كذلك، زوج العمة وزوج الخالة يسمى الختن أيضاً. قال: إن ختنك وأختك قد صبوا وتركوا دينك. فمشى عمر فأتاهما، وعندهما خباب، فلما سمع بحس عمر توارى في البيت. فدخل، فقال: ما هذه الهينمة؟ الهينمة: هو الكلام الذي لا يفهم. قال: وكانوا يقرؤون طه. قال: ما عدا حديثاً تحدثناه بيننا. قال: فلعلكما قد صبوتما؟ فقال له ختنه: يا عمر، إن كان الحق في غير دينك، من باب الاستفهام، إن كان الحق في غير دينك فنحن سنسلم. فوثب عليه فوطأه وطأً شديداً. وقد جاء عن سعيد، معنى سعيد بن زيد، وهو المقصود الآن، سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وهو ابن عم عمر وزوج أخته، قال: لقد آذاني عمر، أو لقد أوذيت من عمر أشد الأذى بإسلام. وهذا صح عنه رضي الله عنه، معنى أن عمر آذاه لما أسلم. قال: فوثب عليه فوطأه وطأً شديداً، فجاءت أخته لتدفعه عن زوجها، فنفحها نفحة بيده فدمى وجهها، معنى كأنه دفعها حتى سقطت فدمى وجهها. فقالت وهي مغضبة: وإن كان الحق في غير دينك، إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله. فقال عمر، وجاء في رواية أنه رثى لأخته لما رأى ما بها من الدم، فقال عمر: آتوني بالكتاب الذي هو عندكم فأقرأه، وكان عمر يقرأ الكتاب. فقالت أخته: إنك رجس، وإنه لا يمسه إلا المطهرون، ﴿فَقُمْ فَاغْتَسِلْ أَوْ تَوَضَّأْ﴾ [المائدة: 6]، فقام فتوضأ، ثم أخذ الكتاب فقرأها حتى انتهى إلى قوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]. فقال عمر: دلوني على محمد. فلما سمع خباب قول عمر خرج، فقال: أبشر يا عمر، فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لك ليلة الخميس: «اللهم عز الإسلام بعمر بن الخطاب، أو بعمرو بن هشام». وكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أسفل الدار التي في أسفل الصفا، وهي دار الأرقم. فانطلق عمر حتى أتى الدار، على بابها حمزة وطلحة وناس ممن من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. فقال حمزة: هذا عمر، إن يرد الله به خيراً يسلم، وإن يرد غير ذلك يكون قتله علينا هيناً. قال: والنبي عليه الصلاة والسلام داخل يوحى إليه، فخرج حتى أتى عمر، فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل سيفه، معنى أخذه بأجمع ثوبه، وأخذه، ووضع يده اليسرى لعلها في حمائل السيف حتى لا يأخذ السيف، فقال: «ما أنت بمنتهٍ يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة». قال: فقال عمر: اللهم عز الإسلام بعمر. فقال عمر: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك عبد الله ورسوله. قد رواه يونس بن بكير عن ابن إسحاق، وقال فيه: زوج أخته سعيد بن زيد بن عمرو. وأيضاً أرسله ابن إسحاق، أو عضله. وفي هذه القصة فيها ضعف. وقال ابن عيينة عن عمرو، عمرو بن دينار، عن ابن عمر، قال: إني لعلى سطح، فرأيت النار مجتمعين على رجل، وهم يقولون: صبأ عمر. فجاء العاص بن وائل عليه قباء ديباج، فقال: إن كان عمر قد صبأ، فمه، أنا له جار. قال: فتفرق الناس عنه. فعجبت من عزه. أخرجه البخاري عن ابن المديني عنه، أي عن ابن عيينة. هذا في البخاري، وكذلك في مسلم، أن لما أسلم عمر رضي الله عنه اجتمع الناس عليه وقاتلوه حتى جاء العاص بن وائل، وهو والد عمرو بن العاص، ويقال أنه خاله، لأن أمه من بني سهم، أم عمر من بني سهم. طيب، إن شاء الله نكتبه هذا، نفسيه الله.