التعليق على كتاب الداء والدواء 53

التعليق على كتاب الداء والدواء 53

الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 53، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

أثر المعاصي والطاعة في قرب الملائكة وبعدهم

توضح الرسالة أن المعاصي تبعد الملك الموكل بالعبد وتقرب الشيطان، بينما الطاعة تقرب الملك فيكون ولياً وناصحاً في الحياة والممات والقبر. ويستدل المؤلف بآيات تنزل الملائكة على المستقيمين وأثر اللمة الملكية مقابل الشيطانية، مع ذكر حضور الملائكة مجالس العلم وإلهامهم القول السديد للمطيعين.

مظاهر نصرة الملائكة للمؤمن وطردهم بالمعاصي

يبيّن المقطع أن المعاصي تطرد الملائكة وتقرّب الشياطين، وضرب مثلاً بالرجلين اختصما عند النبي ﷺ فكان الملك ينافح عن الساكت حتى رد الإساءة فجاء الشيطان. كما ذكر فضائل الملائكة في الإيمان على دعاء المسلم لأخيه، والاستغفار للمؤمن، وحراسته إذا نام على وضوء، وكونهم ضيوفاً وجيراناً يكرهون المعاصي.

الدعاء بالخاتمة الحسنة والختام بالتسليم

يختتم المتحدث بدعاء إلى الله تعالى بأن يجنبهم العقوبات، ويعصمهم في الدنيا، وينجيهم في الآخرة. ويصلي على النبي محمد وآله، ويختم بالحمد لله والتسليم بعلم الله المطلق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمةً للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد، فمر معنا في الدرس الماضي ضمن الكلام والتعليق على رسالة "الداء والدواء" وهو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لشيخ الإسلام الإمام أبي عبد الله محمد ابن أبي بكر الزرعي رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وكان آخر ما تكلمنا عنه هو فصلٌ يتعلق به بعض هذه العقوبات والآثار المترتبة على الوقوع في الذنوب والمعاصي. وقد ذكر رحمه الله تعالى فصلًا: أن من عقوباتها أنها تباعد عن العبد وليه وأنفع الخلق له وأنصحهم له، ويعني بذلك الملك الذي يلازم هذا العبد. ومن سعادة العبد قربه من هذا الولي وهو الملك، وبالمقابل: ماذا إذا تباعد الملك؟ فإن العدو يدنو، الشيطان يقترب من هذا الإنسان. فالطاعة تقرب الملك وتبعد الشيطان، والمعاصي على العكس فإنها تبعد الملك وتدني العدو ألا وهو الشيطان الرجيم. وذكر رحمه الله تعالى بعض الآثار عن السلف فيما يتعلق بهذا الأمر، ثم قال رحمه الله تعالى: "قال: ولا يزال الملك يقرب من العبد حتى يصير الحكم والغلبة والطاعة له، فتتولاه الملائكة في حياته وعند موته وعند بعثه، أي يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ﴾". ومر معنا يا إخوان أن من أصعب المواقف واللحظات عند الاحتضار، فكيف إذا كانت الملائكة آنس؟ وكيف إذا كانت الملائكة تبشر في هذه الساعة الحرجة؟ ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا﴾ أي من المستقبل الذي ينتظركم من الموت وسكرته والقبر وظلمته والقيامة وأهوالها، ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ أي لا تحزنوا على ما تركتم وخلفتم في الدنيا من الأهل والأولاد والأموال وغير ذلك، ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾. وما أحوجنا جميعًا إلى هذه البشارة العظيمة في ذلكم الموقف العصيب: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ﴾. قال رحمه الله تعالى: "قال: وَإِذَا تَوَلَّاهُ الْمَلَكُ تَوَلَّاهُ أَنْصَحُ الْخَلْقِ لَهُ وَأَنْفَعُهُمْ وَأَبَرُّهُمْ، وَهُوَ الْمَلَكُ أَنْصَحُ الْخَلْقِ لَنَا وَهَكَذَا أَنْفَعُهُمْ لَنَا وَهَكَذَا أَبَرُّهُمْ لَنَا. قال: فَثَبَّتَهُ وَعَلَّمَهُ وَقَوَّى جَنَانَهُ وَأَيَّدَهُ. قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. قال: ويقول له الملك عند الموت: لا تخف ولا تحزن وأبشر بالذي يسرك، وأبشر بالذي يسرك. قال: ويثبته بالقول الثابت، أحوج ما يكون إليه في الحياة الدنيا وعند الموت وفي القبر عند المساءلة، أي عند سؤال الملكين للميت في قبره، وهذا السؤال عن ربه ودينه ونبيه يسمى بفتنة القبر. فتنة القبر، وقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم في آخر كل صلاة أن نتعوذ بالله من أربع، ومنها من فتنة القبر". قال رحمه الله تعالى: "قال: فليس أحد أنفع للعبد من صحبة الملك له، وهو وليه في يقظته ومنامه وحياته وعند موته وفي قبره، ومؤنسه في وحشته، وصاحبه في خلوته، ومحدثه في سره، يحارب عنه عدوه ويدافعه عنه ويعينه عليه، ويعده بالخير ويبشره به، ويحثه على التصديق بالحق، كما جاء في الأثر الذي يروى مرفوعًا وموقوفًا: «إن للملك بقلب ابن آدم لمة، وللشيطان لمة»". والمقصود باللمة هي الخطرة التي تخطر بالقلب، فالملك له لمة أي خطرات، وهكذا أيضًا الشيطان له لمة أي خطرات. قال: "فلمة الملك إعاد بالخير وتصديق بالوعد، ولمة الشيطان إعاد بالشر وتكذيب بالحق". ولك أن تقارن بين خطرات الملائكة وبين خطرات الشياطين، فبينهما بعد المشرقين. وهذا الحديث الذي ذكره هو حديث ابن مسعود، روى موقوفًا أي من كلام ابن مسعود، وروى مرفوعًا أي إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والأصح أنه موقوف، لكن ذكر بعض العلماء أن له حكم الرفع. وجاء مرفوعًا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه من طريق أبي الأحوص عن عطاء بن السائب، وعطاء بن السائب قد اختلط، ورواية أبي الأحوص عنه كانت بعد الاختلاط، إذن فهي ضعيفة. ورواه جمع من الحفاظ عن عطاء بن السائب، ومنهم حماد بن زيد وغيره، فرووه موقوفًا من كلام ابن مسعود. والشيخ الألباني رحمه الله تعالى على ضعف هذا الحديث مرفوعًا، لكن له كلام في تعليقه على صحيح ابن حبان يشير فيه إلى شيء مما يدل على تقوية هذا الحديث، فالحديث يصلح للتحسين، ولا سيما الموقوف. قال رحمه الله تعالى: "قال: وإذا اشتد... قال: وإذا اشتد قرب الملك من العبد تكلم على لسانه وألقى على لسانه القول السديد". انظر إلى أثر الملائكة على هذا الإنسان. لهذا يا إخوان، نحن معاشر بني آدم، ولا سيما المؤمنون والمسلمون، نحب الملائكة. فالملائكة تستغفر لنا، ويستغفرون للذين آمنوا، أي الملائكة. وهكذا الملائكة تحفظنا: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾، كما جاء عن ابن عباس: "أي بأمر الله"، فإذا نزل القدر خلوا بينه وبين قدر الله عز وجل. وهكذا الملائكة تتنزل بالأرزاق، وهكذا الملائكة تسيح في الأرض بحثًا عن مجالس العلم وحلق الذكر، فإذا وجدوها قال بعضهم لبعض: «هلموا إلى بغيتكم»، فالملائكة تحفوا أهل هذه المجالس بأجنحتها، وتضع لك يا طالب العلم أجنحتها رضا بما تصنع ورضا بما تطلب. وهكذا غيره كثير مما يعتبر علاقة وصلة بين الملائكة وبين المؤمنين من بني آدم. إذن إذا اجتهد قرب الملك من العبد، ومتى يكون ذلك؟ إذا اجتهد في الطاعات والأعمال الصالحات. قال: "تكلم على لسانه، كلامه طيب وكلامه جميل، قال: وألقى أي الملك على لسانه القول السديد". قال: "وإذا بعد منه أي بعد الملك منه، وقرب منه الشيطان، قال: تكلم على لسانه الشيطان، يتكلم على لسان الإنسان، قال: وألقى عليه قول الزور، أي القول الكاذب والباطل، قال: وألقى عليه قول الزور والفحش، حتى ترى الرجل يتكلم على لسانه الملك، والرجل يتكلم على لسانه الشيطان". قال: "وفي الحديث: «إن السكينة تنطق على لسان عمر»". وهذا الحديث الذي أورده رحمه الله تعالى، أخرجه الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهكذا غيره، وجاء من حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وهو يعتبر صحيحًا إلى علي رضي الله تعالى عنه موقوفًا. وجاء في البخاري عن محمد بن الحنفية: "محمد بن الحنفية، من أبوه؟ محمد بن الحنفية، من أبوه؟ نعم يا أبا الحسن: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والحنفية نسبت إلى أمه، اشتهر بالنسبة إلى أمه، وإلا فهو ابن علي بن أبي طالب من غير فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخو الحسن والحسين للأب، وأمهاتهم مختلفات". فجاء عن محمد بن الحنفية قال: "قلت لأبي، أي لعلي بن أبي طالب: أي الناس خير؟ أي الناس خير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أبو بكر. قال: قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر. قال: وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين، ما أنا إلا رجل من المسلمين". أكذا جاء في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى. والحديث الذي أورده في الكتاب كما سبق: حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: "قال: إذا ذكر الصالحون، إذا ذكر الصالحون فحي هلا بعمر، ما كنا نبعد أو نبعد أصحاب محمد عليه السلام، إن السكينة تنطق على لسان عمر، إن السكينة تنطق على لسان عمر". وهذا كما سبق إسناده حسن إلى أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه. قال رحمه الله تعالى: "قال: وقال: كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد فعمر". وهذا صحيح إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهو في صحيح مسلم وغيره من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها. قال: "كان في الأمم قبلكم محدثون"، ومعنى محدثون: أي ملهمون، إلهام وفراسة عندهم. قال: "فإن يكن في أمتي منهم أحد، قال: فعمر"، أي عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. ولهذا يا إخوان، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عمرًا بأنه: «ما سلك فجا ولا طريقًا إلا وسلك الشيطان فجا وطريقًا غير التي سلكها عمر، فرقًا من عمر». ما معنا "فرقًا"؟ ما هو الفرق؟ الخوف. الشيطان يخاف من مواجهة عمر ومقابلة عمر. قال رحمه الله تعالى: "قال: قال: وكان أحدهم يسمع الكلمة الصالحة من الرجل فيقول: ما ألقاها على لسانك إلا الملك، إلا الملك. قال: ويسمع ضدها فيقول: ما ألقاها على لسانك إلا الشيطان. قال: قال: فالملك يلقي في القلب الحق ويلقيه على اللسان، والشيطان يلقي الباطل في القلب ويجريه على اللسان". وهذا يا إخوان من الأمور الملاحظة، تجد البعض يفتح الله عليه في الكلام الطيب والقول الحسن، وهذا من تأييد الله له بالملائكة، والعكس: بعض الناس يتفنن ويحصن الفحشة في القول والبداءة في الفعل وغير ذلك، وما ذاك إلا بسبب الشيطان الذي يؤزه إلى ذلك أزًا، وماذا يجري على لسانه؟ هذا الباطل. قال رحمه الله تعالى: "قال: فمن عقوبة المعاصي... فمن عقوبة المعاصي، وفي بعض النسخ: فمن عقوبات المعاصي، قال: أنها تبعد من العبد وليه الذي سعادته في قربه ومجاورته وموالاته". فمن هذا الذي هو وليه يا أبا تميم؟ من هذا؟ قال: "فمن عقوبات المعاصي أنها تبعد من العبد وليه، من وليه؟ أه؟ قال: الذي سعادته في قربه ومجاورته وموالاته". أو سافرت؟ سافرت؟ من سافر يرجع. يا إخوان، من سافر أو ذهب إلى الشحر، وقد يكون البعض وصل إلى النقطة، ها يرجع مباشرة يكمل بقية الدرس معنا. نعم يا أبا سالم: الملك. أحسن. وليه هو الملك. قال: "وَتُدْنِي". ما معنى تُدْنِي؟ ما معنى تُدْنِي؟ يا أبا حنيفة: قال: "وَتُدْنِي مِنْهُ عَدُوَّهُ الَّذِي هَلَاكُهُ وَشَقَاوَتُهُ وَفَسَادُهُ فِي قُرْبِهِ وَمُوَالَتِهِ". ما معنى تُدْنِي؟ ما معنى تُدْنِي؟ ما معنى تُدْنِي؟ ما معنى تُدْنِي؟ نعم يا أبا معاوية العرباط: ما معنى تُدْنِي؟ ما معنى تُدْنِي؟ لما أقول أُدْنُهُ يعني أقرب أو أبعد؟ ما معنى تُدْنِي؟ أبعد؟ أحسنتما، لكن ما أصبتما. نعم يا أبا مريم: نعم، أحسنتم. فَتُدْنِي أي تُقَرِّب. تُدْنِي أي تُقَرِّب. وَانْظُرُوا إِلَى جَمَالِ اللُّغَةِ، عدة كلمات تؤدي نفس المقصود: أُدْنُوا، اقترب، وغيرها. من ماذا؟ هذا من الكلمات التي تحمل معنى واحدًا. قال رحمه الله تعالى: "إذن المعاصي، اختصار يا إخوان، المعاصي من عقوباتها أنها تجعل الملك يبتعد والشيطان يقترب، والشيطان يقترب". وبيّن ابن القيم ما هي الثمر والفائدة في قرب الملك، وما هي العاقبة والضرر في قرب الشيطان. قال رحمه الله تعالى: "قال: قال: حتى إن الملك لينافح عن العبد، لينافح: أن يدافع ويقاتل عن العبد ويرد عنه إذا سفه عليه السفيه، والملائكة تدافع عن العبد المؤمن". قال: "كما اختصم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم رجلان، فجعل أحدهما يسب الآخر وهو ساكت، فجعل أحدهما أي أحد الرجلين المتنازعين يسب الآخر، قال: وهو ساكت، قال: فتكلم بكلمة يرد بها على صاحبه، الساكت الساكت تكلم بكلمة يرد بها على صاحبه، فقام النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أي الرجل يا رسول الله؟ لما رددت عليه بعض قوله قمت، يعني هو يسب من ذاك الساعة وأنا ساكت، فلما رددت عليه قمت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كان الملك ينافح عنك، كان الملك ينافح عنك، فلما رددت عليه جاء الشيطان، فلما رددت عليه جاء الشيطان، فلم أكن لأجلس في مجلس أجلس فيه الشيطان، لا يجلس فيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم". هذا الحديث رواه أبو داود والبيهقي، وحسنه لغيره العلامة الألباني رحمه الله تعالى. وهذا يا إخوان نحن أحوج ما نكون إليه، هذا يا إخوان درس من الدروس التي يستفيدها المؤمن في حياته، في حياته حين أن يخاطبك سفيه ويشتمك حاقد وحاسد، الملك ينافح عنك، لكن إذا رددت عليه بالمثل جاء الشيطان، جاء الشيطان. ولهذا لاحظوا كيف أن الشيطان حريص على أن الشخص يقابل السيئة بالسيئة، يقابل السيئة بالسيئة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المتسابان ما قال فعلى الأول، فعلى الأول ما لم يعتدِ المظلوم» أو كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال رحمه الله تعالى: "قال: وإذا دعا العبد المسلم لأخيه بظهر الغيب، أمن الملك على دعائه وقال: ولك بمثله، ولك بمثله". دعوة المؤمن لأخيه بظهر الغيب، عند رأسه ملك يقول: آمين، ولك مثله، كما جاء في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي الدرداء. قال: "وإذا فرغ من قراءة الفاتحة أمنت الملائكة على دعائه". قال: "وإذا أذنب العبد المؤمن الموحد المتبع لسبيله وسنة رسوله، استغفر له حملة العرش ومن حوله، كما سبق: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾". قال: "وإذا نام على وضوء بات في شعاره ملك، بات في شعاره ملك". ومن السنة يا إخوان أن ينام المؤمن على وضوء. قال: "فملك... قال: فملك المؤمن يرد عنه ويحارب ويدافع ويعلمه ويثبته ويشجعه، فلا يليق به أن يسيئ جواره ويبالغ في أذاه، في أذاه وطرده عنه وإبعاده". قال: "فإنه أي الملك ضيفه وجاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، فليكرم ضيفه، ولا يؤذي جاره، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم". قال: "وإذا كان إكرام الضيف من الآدميين والإحسان إلى الجار من لوازم الإيمان وموجباته، فما الظن بإكرام أكرم الأضياف وخير الجيران وأبرهم؟ ويعني بذلك الملائكة". قال: "هذا العبد الملك بأنواع المعاصي والظلم والفواحش من الأقوال والأعمال، دعا عليه ربه، أي دعا الملك ربه عز وجل على هذا الظالم والعاصي، وقال: لا جزاك الله من جليس سوء خيرًا، كما يدعو له إذا أكرمه بالطاعة والإحسان". قال: "بعض الصحابة: إن معكم من لا يفارقكم، فاستحيوا منهم وأكرموهم وأكرموهم وأكرموهم". وهذا جاء عند الترمذي وغيره من حديث ابن عمر مرفوعًا، وضعفه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، لكنه كما أشار ابن القيم هاهنا أنه جاء موقوفًا على بعض الصحابة. قال: "ولا ألم ممن لا يستحي من الكريم العظيم القدري ولا يجله ولا يوقره، وقد نبه سبحانه على هذا المعنى بقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾، وهؤلاء هم الملائكة الحفظة". قال: "أي: استحيوا من هؤلاء الحافظين الحاضرين الكرام، وأكرموهم وأجلوهم، أن يروا منكم ما تستحيون أن يراكم عليه من هو مثلكم، أي من البشر". قال: "والملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، قال: فإذا كان ابن آدم يتأذى ممن يفجر، أي يفعل الفجور ويعصي بين يديه، ما رأيك حين أن ترى شخصًا يشرب خمرًا وأنت تنظر، أو يمارس الزنا أو اللواط وأنت تشاهد، أو غيرها من الجرائم؟ فتتأذى، كذلكم الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم". قال: "وإن كان قد يعمل مثل عمله، يعني الإنسان يتأذى من أن يرى مثل هذه الجرائم ولو كان هو يفعل مثلها، لكن لا يحب أن يرى شخصًا يفعلها وهو ينظر، قال: فما الظن بأذى الملائكة الكرام الكاتبين؟ والله المستعان". وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الفصل، ويأتي معنا فصل آخر جديد إن شاء الله تعالى أيضًا في بيان بعض العقوبات، وقد أوشكنا على ماذا؟ على الانتهاء من هذه العقوبات. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يجنبنا هذه العقوبات، وأن يعصمنا في الدنيا، وأن ينجينا في الآخرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين. والله تعالى أعلم، والله تعالى أعلم.