الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 52، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستعرض المقطع مفهوم التجارة مع الله ببيع الأنفس والأموال مقابل الجنة، مبيناً كيف تُنسي الذنوب العبد نفسه فتجعله يؤثر الفاني على الباقي، مع الاستشهاد بسيرة عمير بن الحمام في بدر ودعوة للتوبة والعمل الصالح.
يوضح المقطع أن المعاصي تزيل النعم الحاضرة وتمنع الوارد منها، بينما الطاعة تجلب النعم وتحفظها، مستشهداً بقصة قوم سبأ الذين سلبت نعمهم بكفرانهم، ومؤكداً أن التوفيق للطاعة منحة إلهية.
يشرح المقطع تأثير المعاصي في طرد الملائكة واستجلاب الشياطين، مستدلاً بأحاديث عدم دخول الملائكة بيوت الكلاب والصور، وأقوال السلف في تنفر الملائكة من الفواحش، وأن ذكر الله يطرد الشيطان ويستدعي رعاية الملك.
يختتم الدرس بدعاء جامع يسأل فيه حفظ الدين، والوفاة على الإسلام، والشكر والصبر والاستغفار، وسؤال السعادة في الدارين، ثم يصلي على النبي محمد ويختم بالحمد لله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً. أما بعد، قال شيخ الإسلام الإمام أبو عبد الله محمد ابن أبي بكر الزرعي رحمه الله تعالى، المشهور بابن قيم الجوزية، وذلك في كتابه "الداء والدواء" وهو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، وذلك في حديثه حول عقوبات تترتب على الذنوب والمحرمات. وآخر ما تكلمنا عنه هو فصل يتعلق بعقوبة من هذه العقوبات، ألا وهي أنها تنسي العبد نفسه. تنسي العبد نفسه، وإذا نسي نفسه أهملها وأفسدها وأهلكها، كما ذكر رحمه الله تعالى. وإهلاقه لها بتقديمه للدنيا على الآخرة، يقدم الفاني على الباقي، ويقدم الرخيص على الغالي، وهكذا يقدم الخسيس والحقير على العظيم والكريم. ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾. هذا هو المغبون، هذا الذي يقع في الخسارة. ولهذا مر معنا أن ابن القيم رحمه الله تعالى ذكر أن هذه التجارة خاسرة: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. وأما الرابحون فهم الذين باعوا الفاني بالباقي، والخسيس بالنفيس، والحقير بالعظيم. ولهذا في يوم القيامة يا إخوان تظهر هذه الأمور جلياً، تظهر عند الموت، وهكذا تظهر أكثر في يوم التغابن، حين أن يرى المفرطون والخاسرون أن بقاءهم في هذه الدنيا ما هو إلا يسيراً، ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾، يتعارفون بينهم. ﴿أَكَذَٰلِكَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ﴾، ويقول سبحانه: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾. وهكذا الآيات كثيرة في هذا الباب. ثم ختم رحمه الله تعالى هذا الفصل النافع، وهكذا المفيد، بقوله: قال: "فهذا حقيقة هذه الدنيا عند موافاة القيامة"، أي إذا جاء العبد يوم القيامة فيوفى جزاء هذه الأعمال. قال: "فلما علموا قلة لبثهم فيها، وأن لهم داراً غير هذه الدار، هي دار الجزاء، ودار البقاء، ودار الحيوان". هذه كلها أوصاف وأسماء للدار الآخرة، وقد ذكر العلماء أن تعدد أسماء الشيء يدل على عظمته، يدل على عظمة هذا الشيء، فلهذا تعددت أسماءه. قال: "رأوا عند ذلك من أعظم الغبن بيع دار البقاء بدار الفناء"، أي باع الآخرة التي هي دار البقاء بالدنيا التي هي دار الفناء. قال: "فالتجر تجارة الأكياس، فاتجر تجارة الأكياس، ولم يغتر بتجارة السفه من أشباه الناس". يقول: هؤلاء الذين... الذين ماذا؟ الذين وقعوا في هذا الغبن، الذين وقعوا في هذا الغبن، يعلمون حقيقة هذه الدنيا إذا جاءوا يوم القيامة لكي يوفوا أعمالهم. قال: "فلما علموا قلة لبثهم فيها، وأن لهم داراً غير هذه الدار، هي دار الجزاء، ودار البقاء، ودار الحيوان، رأوا عند ذلك من أعظم الغبن، من أعظم الغبن، بيعوا دار البقاء بدار الفناء، فاتجروا تجارة الأكياس، ولم يغتروا بتجارة السفهة من أشباه الناس، وليسوا من الناس الذين هم الناس، أي الناس العقلاء". قال: "فلما كان يوم التغابن ظهر لهم ربح تجارتهم ومقدار ما اشتروه، وظهر لتجار الدنيا الذين خسروا أنفسهم ربح تجارتهم، فتقطعت قلوبهم حسرات وغبناً، مضافاً إلى ما هم فيه مما لا يعلمه إلا الله من الغبن والندامة". قال: "وكل أحد في هذه الدنيا بائع مشترٍ، متجر، وكل الناس يغدو فبائع نفسه، فموبقها أو مبتاعها فمعتقها". وهذا يشير إلى حديث أبي مالك الأشعري رضي الله تعالى عنه، الذي أخرجه الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطهور شطر الإيمان». شطر، ما معنى شطر يا أبا طاهر؟ الطهور شطر الإيمان، نصف الإيمان. أحسن، والحمد لله. «تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، والقرآن حجة لك أو عليك. كل الناس يغدو فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها». الناس على هذين الصنفين. وذكر رحمه الله تعالى هذه الآية، ألا وهي قوله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. ما أعظم هذه التجارة يا إخوان، ما أعظم هذه التجارة. ولهذا في غزوة بدر الكبرى قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض». فقال عمير بن الحمام: بخٍ بخٍ. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما حملك على قولها؟» أي على قولك: بخٍ بخٍ. قال: «إلا رجاء أن أكون من أهلها»، أي من أهل الجنة. فقام وقاتل حتى قتل شهيداً، رضي الله تعالى عنه. قال: "فهذا أول نقده من ثمن هذه التجارة". قال: "فتاجروا أيها المفلسون، ويا من لا يقدر على هذا الثمن، ها هنا ثمن آخر: إن كنت من أهل هذه التجارة فأعطي هذا الثمن: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾، ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾". وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. انظر إلى الأسلوب القرآني المشوق والمرقب، والمرقب. فما أعظم الله عز وجل، وما أعظم الخير الذي دلنا عليه ربنا سبحانه وتعالى. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. ثم بيّن هذه التجارة: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قال: "والمقصود..." وهذه العبارة كما سبق معنا غالباً، ابن القيم يلخص ما سبق مما تقدم ذكره في كلمات يسيرة وعبارات موجزة. قال: "والمقصود أن الذنوب تنسي العبد حظه من هذه التجارة الرابحة، من هذه التجارة الرابحة، وتشغله بالتجارة الخاسرة البائرة، وكفى بذلك حرماناً وعقوبة، والله المستعان". وللأسف يا إخوان، هذا هو المشاهد: من ابتلاه الله عز وجل بالمعاصي والمحرمات تجده غالباً ينشغل بشهوات الدنيا وملذاتها عن ماذا؟ عن تجارة الآخرة، وماذا وفضلها وجزائها وجزائها. تضيع عليهم السنوات والأعمار والساعات فيما لا ينفع، بل يعود عليهم بالضرر في العاجل قبل الآجل، قبل الآجل. تمر الساعات والأعمار في هذه الشهوات والملذات من الأمور المحرمة، ويتناسى الأعمال الصالحة والأجور والحسنات التي هي زاده. إذن هذه التجارة... هذه التجارة، وكل تاجر من وراء تجارته يجني ويتحصل على نتيجة هذه التجارة، فهناك الخاسرون، وهناك الرابحون الفائزون. جعلني الله وإياكم جميعاً منهم. قال رحمه الله تعالى: قال: "فصل: ومن عقوباتها..." أي من عقوبات الذنوب والمعاصي، وهذه عقوبات يا إخوان عاجلة قبل العقوبات الآجلة. قال: "ومن عقوباتها أنها تزيل النعم الحاصلة"، النعم الحاصلة. وفي بعض النسخ: "الحاضرة"، يعني الموجودة، يعني الموجودة. فالذنوب والمعاصي تزيل وتذهب النعم الموجودة الحاضرة الحاصلة. قال: "وتقطع النعم الواصلة". قال: "فتزيل الحاصل، أي الموجود، وتمنع الواصل، أي الجديد الذي لم يأتِ بعده، التي لم يأتِ بعده". قال: "فإن نعم الله ما حفظ موجودها بمثل طاعته، ولست تجلب مفقودها بمثل طاعته". فإن ما عنده لا ينال إلا بطاعته. وسبق معنا ماذا؟ حديث أبي أمامة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن روح القدس نفث في روعي». من هو روح القدس؟ نعم يا با خالد: جبريل. «نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه مما حرم عليكم، فإنما عند الله لا ينال بمعصيته». ومعنى هذا: أي إنما ينال بطاعته. وسبق معنا كذلك أيضاً... آه، ماذا؟ ما يتعلق بأن الذنوب والمعاصي تزيل النعم، تزيل النعم، وأن الشكر لله عز وجل وطاعته سبحانه هي تعتبر من أعظم أسباب بقاء هذه النعم، بل وأن يزيدنا سبحانه وتعالى من فضله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. إذن الشكر عبارة عن حفظ وقيد لأن نعم الموجودة، وهكذا أيضاً سبب وصيد لأن نعم المفقودة، للنعم المفقودة، والعكس بالعكس. قال رحمه الله تعالى: قال: "وقد جعل الله سبحانه لكل شيء سبباً وآفة، سبباً وآفة، سبباً يجلبه وآفة تبطله". قال: "فجعل أسباب نعمه الجالبة لها طاعته، الطاعة سبب من أسباب جلب النعم". قال: "وآفتها المانعة منها معصيته". قال: "فإذا أراد حفظ نعمته على عبده ألهمه رعايتها بطاعته، بطاعته فيها. وإذا أراد زوالها عنه خذله حتى يعصيه بها، فيكون ذلك سبب زوالها، سبب زوالها". إذن يا إخوان، التوفيق هو من عند الله عز وجل. إذا أراد الله حفظ هذه النعم وبقائها وفق هذا العبد، لماذا؟ للطاعة والخير، وشكر هذه النعم الذي هو سبب لبقائها والزيادة منها. وإذا أراد الله عز وجل زوال هذه النعمة أو هذه النعم، فإنه يخذل هذا العبد ويكله إلى نفسه، فيعصي الله تبارك وتعالى بها، وعندها يكون ذلك سبباً لزوالها، سبباً لزوالها. قال: "ومن العجب علم العبد بذلك مشاهدة في نفسه وغيره، وسماعاً لما قاب عنه من أخبار من أزيلت نعم الله عنهم بمعاصيه، وهو... وهو مع ذلك مقيم على معصية الله". قال: "كأنه مستثنى من هذه الجملة، أو مخصوص من هذا العموم، وكأن هذا أمر جار على الناس دونه". ﴿وَلَكِنْ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾، ﴿وَمَا نُمْلِي لَهُمْ إِلَّا لِيَزْدَادُوا إِثْماً﴾. قال: "فأي جهل أبلغ من هذا، وأي ظلم للنفس فوق هذا؟ فالحكم لله العلي الكبير". وكلنا له أن يتعجب من أحوال من كان هذا هو حاله. فعجباً ممن يعلم أن الذنوب والمعاصي، وأن استعمال هذه النعم في المحرمات سبب لزوالها، يسمع ذلك ويشاهد ذلك، ويشاهد ذلك، ومع هذا تجده مقيم على الذنوب والمعاصي. لماذا؟ كأنه مستثنى من هذا، من هذه الجملة، أو أنه مخصوص من هذا العموم. ولهذا يا إخوان، ربنا عز وجل ذكر لنا أحوالاً عديدة من أحوال الأمم السابقة، وهكذا ما نشاهده نحن اليوم في الأمم المتأخرة، كيف أن من غير... غير الله عليه، ومن بدل... بدل الله حاله. ولا نذهب بعيداً، فقد ذكر الله لنا قصة قوم سبأ، وهم يسكنون بلاد اليمن. لقد كان لسبأ في مسكنهم آية، في مسكنهم آية. ماذا كان حالهم؟ قال: ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾. ذكر الإمام قتادة بن دعامة أبو الخطاب السدوسي رحمه الله تعالى شيئاً مما كان عليه أهل سبأ من النعيم. قال: "المرأة من أهل سبأ كانت تدخل البستان وعلى رأسها المكتل"، يعني الزمبيل الذي توضع فيه الثمار، الذي توضع فيه الثمار. فماذا؟ وهو على رأسها، ما تخرج من البستان إلا وقد امتلأ ثماراً، من غير أن تتكلف أن تقطف الثمار، تتساقط على هذا الزمبيل. ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾. قال: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أَكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ﴾، وهذه كلها من أشجار البوادي وغيرها. ولما كان السدر من أحسنها قال: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾. ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾. فهذه آية، وهذه عبرة لهؤلاء. ولهذا يا إخوان، الله عز وجل مزقهم كل ممزقة، وجعلهم أحاديث يتناقلها الناس. توزعوا في البلدان، منهم من ذهب إلى الشام، ومنهم من نزل في نجد والحجاز، ومنهم من ذهب إلى العراق وغيرها وغيرها من البلدان، حين أن تغير حالهم. وكذلك غيرهم، قال الله عز وجل: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. في قول عامة المفسرين أنها مكة، حين أن كفروا بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وذهب بعض المفسرين إلى أنها المدينة بعد مقتل عثمان رضي الله تعالى عنه، والذي عليه الجماهير من المفسرين هو الأول، هو الأول. وهكذا قس غيرهم من الأمم الأخرى، كيف أن من غير وبدل، ولم يشكر هذه النعم، فإن الله عز وجل يذهبها عنه ويغير حاله إلى حال آخر. قال رحمه الله تعالى: قال: "فصل: ومن عقوباتها أنها تباعد عن العبد وليه، وأنفع الخلق له، وأنصحهم له، وأنصحهم له". والمقصود بذلك أنها تباعد عنه الملك، وإذا بعد عنه الملك، هذه فرصة الشياطين أن تقترب، أن تقترب. قال: "ومن سعادته في قربه منه". قال: "وهو الملك الموكل به، الموكل به". قال: "وتدني منه عدوه، وأغش الخلق له، وأعظمهم ضرراً له، وهو الشيطان". هذا أثر من آثار هذه الذنوب وهذه المعاصي، أن الملك يتباعد، وأن الشيطان يقرب، وأن الشيطان يقرب. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة». طيب، إذا لم تدخل الملائكة، فمن الذي سيعمر هذه البيوت؟ سيعمرها الشياطين، وعندها يفسد ولا يصلح، وهكذا يخرب ولا يعمر، فيكون الإنسان هو سبب خراب ودمار وفساد بيته. قال رحمه الله تعالى: قال: "فإن العبد إذا عصى الله تباعد منه الملك بقدر تلك المعصية، حتى إنه يتباعد عنه بالكذبة، بالكذبة الواحدة، مسافة بعيدة، مسافة بعيدة". وآ... ماذا؟ كما سبق في عدم دخول الملائكة البيوت التي فيها من المعاصي... فيها، كالصور واقتناء الكلاب وغير ذلك. بالمقابل، البيوت العامرة بالخير، العامرة بالقرآن، العامرة بذكر الله عز وجل، هذه تبتعد منها الشياطين. ولهذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ماذا أخبر؟ أن البيت الذي... الذي تقرأ فيه سورة البقرة، هذا... هذا... آه، ماذا؟ يفر منه الشيطان، يفر منه الشيطان. قال: "كما رويا في بعض الآثار، كما رويا في بعض الآثار: إذا كذب العبد تباعد منه الملك ميلاً، منتنة ريحه، منتنة ريحه". وهذا الحديث أخرجه الترمذي وغيره من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إذا كذب العبد تباعد عنه الملك، تباعد عنه الملك ميلاً، منتنة ما جاء به». لكن الحديث لا يصح، فضعفه جماعة من أهل العلم، منهم العلامة الألباني رحمه الله تعالى. وفي إسناده عبد الرحيم بن هارون، هذا قيل فيه: فاحش الغلط، فاحش الغلط. والإمام الدارقطني رحمه الله تعالى ماذا حكم عليه؟ بالكذب، بالكذب. والحديث كما سبق لا يصح، ولهذا ضعفه جداً العلامة الألباني رحمه الله تعالى، كما في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء على الأمة. قال رحمه الله تعالى: قال: "وقال بعض السلف، وقال بعض السلف: إذا ركب الذكر الذكر، عجت الأرض إلى الله، وهربت الملائكة إلى بارئها، وشكت إليه عظيمة ما رأت، عظيمة ما رأت". وهذا جاء في ذم اللواط، كما عند الإمام الأجري في رسالته "ذم اللواط"، عن عباس الدوري، يقول: "بلغني"، يعني بلغات، بلغني: "أن الأرض تعج من ذكر على ذكر، من ذكر على ذكر". وقد يكون هذا من أخبار بني إسرائيل. ففيه ذم مثل هذه الجرائم والمعاصي والفواحش، وكيف أن الملائكة تنفر من هذه الأفعال. قال: "وقال بعض السلف: إذا أصبح العبد ابتدره الملك والشيطان". قال: "فإن ذكر الله وكبره وحمده وهلله، طرد الملك الشيطان وتولاه"، أي يتولى الملك هذا الإنسان ويطرد الشيطان. قال: "وإن افتتح يومه بغير ذلك ذهب الملك عنه وتولاه الشيطان، وتولاه الشيطان". وهذا الأثر رواه الإمام أبو نعيم في الحلية عن طاوس بن كيسان اليماني رحمه الله تعالى بهذا المعنى، وإسناده إلى طاوس صححه جماعة من أهل العلم. طيب، الحديث له تتمة، يسر الله إتمامها في الدرس القادم. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يحفظ علينا ديننا، وأن يتوفانا مسلمين، وأن يجعلنا جميعاً ممن إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر، وأن يرزقنا السعادة في الدنيا والآخرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.