كتاب الصداق من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 7

كتاب الصداق من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 7

الدرس في كتاب الصداق من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 7، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مراحل معالجة النشوز ودور الحكمين في الإصلاح أو التفريق

يبدأ العلاج الشرعي للمرأة الناشز بالوعظ ثم الهجر في المضجع والضرب غير المبرح، فإن لم ينفع يُلجأ إلى تعيين حكمين من أهلي الزوجين للفصل بين الجمع والتفريق. قول الحكمين نافذ لكونهما حكمين لا وكيلين، ويكون الطلاق آخر وسيلة تأديبية بعد استنفاد سبل الإصلاح.

أحكام النشوز والطلاق والخلع والفرق بينهما

يُدرج المقطع تدرج علاج النشوز بالوعظ والهجر والضرب ثم الصلح عبر الحكمين، فإن تعذر يُصل إلى الطلاق كتأديب، مع التنبيه إلى أن النشوز قد يكون بسبب تقصير الزوج فللمرأة المطالبة بحقها أو الخلع. يوضح الفرق بين الخلع والطلاق من حيث العوض، الرجعة، والعدة، فالخلع فسخ بعوض لا رجعة فيه إلا بعقد جديد، بينما الطلاق بيد الزوج وتكون الرجعة خلال العدة دون عقد جديد.

حكمة مشروعية الخلع وأدلة جوازه من القرآن والسنة

يُشرع الخلع حلاً للمرأة التي تكره زوجها ولا تطيق عشرته رغم حسن خلقه ودينه، فتُفتدي بمالها لتفك أسر النكاح. يستدل بالآية ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ وبحديث امرأة ثابت بن قيس التي خلعها النبي ﷺ برد حديقتها، ومجرد كراهة الزوجة وكفرها للعشير كافٍ لجواز الخلع دون اشتراط سوء عشرة الزوج.

ختم الدرس وتأجيل أحكام الخلع

أعلن المعلم انتهاء الدرس الحالي، مشيراً إلى أن بعض الأحكام المتعلقة بباب الخلع سيتم تأجيلها إلى الدرس القادم. ختم بالقول: والله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في كتابه "منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين": "وإن خيف الشقاق بينهما بعث الحاكم حكماً من أهله وحكماً من أهلها، يعرفان الأمور، والجمع والتفريق يجمعان إن رأيا بعوض أو غيره، أو يفرقان، فما فعلا جاز عليهما، والله أعلم". تقدم معنا، بارك الله فيكم، أن المرأة الناشزة يعالج أمرها بالتدرج: خطوة خطوة لإصلاحها، فأولاً بالموعظة، ثم بالهجر، ثم بالضرب. فإذا لم ترتدع، وفعلت ذلك لسبب، وهذا السبب قد يكون لمعاملة زوجها المعاملة السيئة، أو لتقصير زوجها. إصرارها بعد ذلك يدل على أن هناك سبباً لماذا لم ينفع معها شيء من هذه الطرق الشرعية التي شرعها الشرع. فإذا هناك شيء أكيد، فهنا يأتي حل آخر وهو المحاكمة. وهذه المحاكمة تكون بعد أن يخاف الشقاق، والشقاق بمعنى المفاصلة. لأنه ماذا بعد هذا؟ يعني: ضربت ولم ترتدع، فماذا بعد هذا؟ بعد هذا الفراق والشقاق. فهنا يرفع الأمر إلى الحاكم، والحاكم بمعنى القاضي مثلاً. فقبل أن يحكم القاضي، يكون حكمه بأن يختار حكماً من طرف الزوجة، وحكماً من طرف الزوج، ويكون الطرفان بشروط: منها أولاً الذكورة، يكونوا ذكوراً، وأن يكونوا كذلك من القرابة. وذكر أهل العلم حكمة في كون الحكمين يكونان من القرابة، فمن تلك الحكم: أن القريب يكون أدرى بحال قريبه، ويكون أدرى ببواطن الأمور. لماذا؟ لأن الزوجين لا شك أنهما يفشيان لأقاربهما ما لا يفشيان لغيرهما، فالقريب ربما يكون مطلعاً على شيء من القضية. كأن يكون عمها مثلاً، أو خالها، أو عمه، أو خاله، أو أخوه، يكون من العقلاء. فيجتمع الحكمين، فيجتمعان وينظران في القضية، يسمعان من هذا ويسمعان من هذا. فهذا معنى قوله: "يعرفان الأمور"، يعني يكونان عقلاء، ما هو أي حاكم، لا، يكونان عقلاء يعرفان الأمور، ويعرفان مسائل الحكم، ومسائل الخلاف بين الناس، متى يجمع بين الناس ومتى يفرق بين الناس، فيكونان من ذوي العقول الراجحة، ومن الأحكام العادلة. واضح. فيوكل الحاكم هذين الحكمين بالبث في القضية، بالبث في القضية إما بالإصلاح بينهما والجمع، فهذا معنى قوله: "والجمع والتفريق"، فيجمعان إن رأيا، ولو بعوض. بعوض مثلاً: قد تقول المرأة: هو مقصر في النفقة مثلاً، فلها الحق أن تنشز، هو مقصر في الحقوق، فيقال له: أنت لا تقصر، أنت طيب خاطرها مثلاً، تعطيها كذا وكذا من المال، يصلحان بينهما. مثلاً هذا معنى قوله: "يجمعان إن رأيا بعوض"، أو غيره، أو حتى بغير عوض: كلمة طيبة، بكتابة ورقة، بتوقيع، بالمهم ما يكون سبباً للاجتماع. وأولاً ينبغي أن يطرقا هذا الباب، باب الاجتماع وعدم الافتراق. فإن رأيا أن هذه المسألة عويصة ولا يمكن أن يجتمع الزوجان، فهنا يقرران الفرقة، فيفرقان بينهما، فجاز لهما ذلك. ولذلك اختلف العلماء في الرجلين هذين المبعوثين: هل هما حكمان أو وكيلان؟ على قولين. منهم من قال: وكيلان، والحكم عند القاضي فقط، هم وكيلان، هذا وكيل عن هذه الزوجة، وهذا وكيل عن هذا الزوج، ثم ما يحكمان به أو يقررانه يعرض على الحاكم. وقيل: بل هما حكمان. وهذا ترجيح ابن القيم، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية. حتى قال ابن القيم: "والعجب كل العجب ممن يقول هما وكيلان"، لأنهما وكيلان لا حكمان، والله تعالى قد نصبهما حكمين. ماذا قال الله عز وجل؟ ﴿فَابْعَثُوا﴾، ما قال: "ووكيلاً من أهلها ووكيلاً من أهله"، قال: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾. نعم، هكذا قال ربنا سبحانه وتعالى. فإذا الصحيح والله أعلم أنهما حكمان. وما الفرق بين قولنا: وكيلان أو حكمان؟ الحكمان بمعنى أن قولهما يلزمان الزوجين، يلزمان الزوجين ولو بدون إذنهما، ما يريان فيه المصلحة من طلاق أو خلع. إذا قالا للزوج: خلاص، هذه المرأة ما تصلح لك، أنت الآن إما أن تطلقها أو تخلعها، سيأتي معنى حكم الخلع، فحكمهما نافذ لأن الله عز وجل جعلهما حكمين، جعلهما حكمين. نعم. وعلى الحكمين أن يكونا تقيين، وينظرا فيما يصلح شأنهما، ودراسة قضيتهما من جميع الجوانب، لا يتعجلان ولا يقرران إلا بعد بحث ودراسة، وكذلك استماع من الطرفين، وكذلك كل وسيلة بها يصلان إلى الحقيقة، بها يصلان إلى الحقيقة، فهذا هو الواجب على هذين الحكمين. وقوله هنا: "فما فعلا جاز عليهما"، يعني: ما حكما به جاز على الزوجين، عليهما يرجع على الزوجين. وأما قول هنا: "فإن لم ترتدع طلقها طلقة واحدة في العدة"، يعني: قرباً بينهما، ورضيا أن يرجعا في العشرة، لكن المرأة لا تزال لا تزال ناشزاً، فهنا ما في حل إلا الطلاق، يطلقها تأديباً، تأديباً لها، وهذا معنى قوله: "فإن لم ترتدع". هذا قول الشارح بالأسود، قول الشارح: "فإن لم ترتدع"، يعني: بعد حكم الحكمين، وذلك بالإرجاع، فهنا طلقها طلقة واحدة في العدة، ومعنى "في العدة": يعني طلقها طلاقاً له الرجوع، له الرجوع فيه، وإنما أراد تأديبها، أراد تأديبها فطلقها. ولذلك من حكمة الشرع أنه جعل للزوج ثلاث طلقات، بعدها تبين زوجته. طلقها الطلقة الأولى، ففي وقت العدة هي زوجة لله، يجب عليه النفقة، ويجب عليه السكنى، واضحة فهي زوجة لله. فإن كان به أو له حاجة إليها راجعها، وإن لم يتركها حتى تنتهي عدتها فتبين منه، خلاص تبين منه، فما ترجع إليه إلا برضاها وبعقد جديد بعد انتهاء العدة. لكن في أثناء العدة لا يجوز لها أن تقول: "إني ما سأرجع إليه"، لأنها لا تزال زوجة. طلقها، طلقها. فإن كانت ليست بحامل فتعتد ماذا؟ ثلاثة قروء، ثلاث حيضات. ففي أثناء هذه المدة يجوز للزوج أن يراجعها، فإذا قال: "أنا راجعتك"، فأبت، أبت أن ترجع إليه، فهنا سيأتي معنا أمر آخر، وسيذكره هنا المؤلف، وهو باب الخلع، سيأتي معنا أحكامه. فهكذا تدرج الشرع في معالجة المرأة الناشز، لا يطلقها من أول وهلة. بعض الناس إذا نشزت المرأة مباشرة لجأ إلى الطلاق، لا، هذا خطأ، هذا خطأ. الشرع جعل لك وسائل تتدرج فيها لإصلاح هذه المرأة، ثم إذا ما صلحت الطلاق، كما يقال: "آخر الكي"، آخر الكي العلاج، أو "آخر العلاج الكي". مثل المريض عنده مرض، ذهب به إلى المستشفيات، وعلاجات، وعمليات، ما ذهب هذا المرض، قالوا: ما يشفى هذا الرجل إلا بالكي، الكي أشد شيء، يعني حرق نار، فهنا آخر العلاج، وهكذا الطلاق يكون آخر شيء، يكون آخر شيء. فتتدرج مع المرأة بهذه الطرق التي جاء بها الشرع: الوعظ، والهجر، والضرب، وكذلك الصلح بأن يبعث حكماً من أهلها وحكماً من أهله، ثم إذا انسدت الأبواب جميعا هنا بعد ذلك يلجأ إلى ماذا؟ يلجأ إلى الطلاق، يلجأ إلى الطلاق كتأديب، لأنه أعطاه المرة الأولى، فإن رأى أن إرجاعها يعني فيه تأديب لها وستكف عن النشوز رجعها، وإلا خلاص تركها وتزوج بغيرها، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها. لماذا أحل الله الطلاق؟ حتى إذا لم يوفق الله بينهما، ولم تلائم هذه المرأة هذا الرجل في العشرة، يتركها، خلاص يطلقها. فهكذا جعل الشرع هذه العلاجات للمرأة الناشز. وهكذا مع التنبيه أن النشوز من المرأة قد يكون بسبب سوء المعاملة من الزوج، سوء المعاملة من الزوج، والتقصير من الزوج في أداء حقوقها، في أداء حقوقها من النفقة، أو من الرعاية، أو من كذلك الأنس والمؤانسة والاستقرار في البيت، ونحو ذلك. فإذا كان النشوز بسبب الزوج، فالمرأة لها الحق كذلك أن تطالب بحقها أو بفراق زوجها، وقد جعل الشرع لها الخلع كما سيأتي معنا. فسبحان الله، أحكام الزواج والطلاق، وكذلك العشرة، هذه من حكيم عليم سبحانه وتعالى، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، فهو يعلم ما يصلح عباده، فشرع لهم هذه الشرائع المحكمة، هذه الشرائع المتقنة، فلله الحمد والمنة. ثم ذكر هنا الشارح بعض الفوائد، وقد تقدمت معنا في الحقيقة، فذكر مثل الملاحظة: قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾، أي: لا تذكرهن ما مضى، وتقولوا: فعلت كذا وكذا، وأنا قلت كذا وكذا، مما يبعث الأمور الماضية، بل تركوا كل ما مضى، يعني: خلاص إذا صلحت لا تؤنبها ولا تذكرها بما مضى، طالما أنها رجعت وصلحت، فلا تذكرها بالماضي، فالماضي لا يذكر، الماضي لا يذكر. قولون: السؤال: ما الحكم إذا خافت المرأة نشوز زوجها؟ معنى نشوز زوجها: يعني التقصير من الزوج، التقصير من الزوج، تنصحه في حقوق قصر فيها وهو مصر على ذلك. فهنا الجواب: قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَ بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾، أن يتصالحا بأنفسهما، يكون هناك صلح بينهما، إما أن تتنازل عن حقها، أو أن يرجع ويؤدي لها حقها. قال: "الحكمان يفعلان ما يشاءان كما تقدم"، فلهما أن يجمعا أو أن يفرقا. وشروطهما: الذكورة، يعني ما يكون الحكم من الإناث، والقرابة، أن يكون قريبين كعم أو خال أو أخ أو نحو ذلك، أن يكونا عالمين بالشرع والحال، نعم، ما يكونان جاهلين، أن يريدا الإصلاح لا التعصب. بعضهم ربما يميل إلى قريبه، ها يدخل حكم وهو مائل مع قريبه، لا، هذا ما يصلح أن يكون حكماً. الحكم يكون كما يقال: يعني ليس مائلاً إلى إحدى الطرفين، محايداً كما يقال، يكون محايداً في الوسط، لا يميل إلى هذا ولا يميل إلى هذا، فهما يريدان الإصلاح، لا يريدان التعصب وتفاقم المشكلة، وتفاقم المشكلة، وإنما يريدان ماذا؟ يريدان الإصلاح، يريدان الإصلاح. قال: "باب الخلع". وهذا الخلع كذلك يكون عند إرادة الزوجة مفارقة زوجها، فليس لها الطلاق لأن الطلاق بيد من؟ بيد الزوج. فجعل الله عز وجل لها الخلع. والخلع هو بمعنى الفسخ، نعم، بمعنى الفسخ. فالخلع هنا من "خلع الشيء" أي فكه، خلع الشيء أي فكه وتخلص منه. مثلاً تقول: خلعت القلادة، أي أخرجتها، صح؟ خلعت الثوب، أي أخرجته. وسماه الله عز وجل فداء، كما قال سبحانه وتعالى في الآية: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، فيما افتدت به، نعم. فسماه الله سبحانه وتعالى ماذا؟ فداء. سماه الله سبحانه وتعالى فداء. قال: "وهو فراق زوجته لسوء العشرة بعوض منها أو من غيرها". فقوله هنا: "بعوض" يخرج ما إذا كان الفراق بغير عوض، مثل الفسخ. وقد تقدم معنا أن الفسخ يكون في حال ماذا؟ وجود عيب. دخلت المرأة على زوجها فوجدته عنيناً، هذا عيب، ما يحتاج أن تفدي بنفسها، بل تفسخ العقد لأنها لا تعلم بهذا العيب، لا تعلم بهذا العيب. فالخلع يختلف عن الفسخ، الخلع لا بد أن يكون بعوض. فالخلع فسخ بكل الأحوال، حتى لو وقع بلفظ الطلاق، حتى لو وقع الخلع بلفظ الطلاق، يقول ابن عباس: "كل ما أجيز به المال فهو خلع". يعني: كل ما كان بافتداء من المرأة بمال فهو خلع. فلو قال مثلاً الزوج: "طلقتك بألف دينار" أو "بألف درهم"، فهذا لا يسمى طلاقاً، لأنه فعل ذلك ويريد مقابلاً، صح؟ يريد مقابلاً، فهذا المقابل من المرأة إنما هو خلع، ليس طلاقاً، ليس طلاقاً، فهو خلع. لأن الله جعل الخلع فداء، جعل الخلع فداء. نعم. لأن بعضهم الآن مثلاً يقال للرجل: "طلق هذه الزوجة"، قال: "كيف أطلقها وقد أعطيتها وأعطيتها؟" فيقال: "لو خلاص، طلقها على أن نعطيك كذا وكذا من المال"، هذا لا يسمى طلاقاً، فهمتم؟ وإن طلقها هذا لا يسمى طلاقاً، هذا يسمى خلعاً لأنه بمقابل. وما الفرق بين الخلع وبين الطلاق؟ الخلع من الفروق بين الخلع والطلاق: أن الخلع لا يجوز للزوج أن يرجع إلى هذه الزوجة إلا برضاها وبعقد جديد، خلاف الطلاق، يجوز أن يرجع إليها بدون عقد وبدون رضاها إذا كانت لا تزال في العدة. فهمتم هذا الآن؟ هذا فرق. وفرق آخر: أن الفسخ عدته حيضة واحدة، الفسخ عدته كم؟ حيضة واحدة، يعني: إذا خلعته ثم حاضت حيضة واحدة ثم طهرت، فيحق لها أن تتزوج. لكن لو طلقها، وحاضت الحيضة الأولى وطهرت، لا يجوز لها أن تتزوج، الحيضة الثانية لا يجوز لها أن تتزوج، الحيضة الثالثة إذا طهرت منها يجوز لها أن تتزوج. فهذا أيضاً من الفروق بين الخلع وبين الطلاق. فهمتم هذا الآن؟ وهذا قد مر معنا، لو تذكرون، قد مر معنا، لو تذكرون، نعم. فهذا هو معنى قوله: "فراق زوجته لسوء العشرة بعوض منها أو من غيرها"، يعني: العوض قد يكون من غيرها، ما معها شيء، مثلاً فيقول مثلاً: أبوها، أو أخوها، أو عمها، أو خالها: "رحم هذه البنت، فقال له: خلاص، علي هذا الفداء، كم تريد؟ أريد كذا وكذا من المال"، أعطاه إياه، يجوز هذا، لا يشترط أن يكون من هذه المرأة نفسها، أن يكون من هذه المرأة نفسها، بل يجوز لغيرها أن يدفع عنها. قال: "ما هو الحكم من هذا الخلع؟ الحكم من هذا الخلع هو تخليص الزوجة من الزوج على وجه لا رجعة له عليها إلا برضاها وعقد جديد". فهذا هو الحكمة، يعني: ما يريد أن يطلق وهي لا تريد العشرة معه، أيش تفعل؟ ولا تطيق أن تعيش معه، فالشرع هنا جعل لها هذا المخرج، جعل لها أيش هذا؟ المخرج أن تفدي نفسها، ولذلك سماه الله عز وجل الافتداء، لأن المرأة تفتدي نفسها من أسر زوجها، هي الآن كالأسير عند زوجها، كيف تفك هذا الأسر؟ بالخلع، بالخلع، كما يفتدي الأسير نفسه بما يبذله من المال. إنسان أسير، قالوا: "ما نفك هذا الأسير إلا بكذا وكذا من المال"، فأعطوا هذا المال وفكوا هذا الأسير، وهكذا الزوج قال: "أنا ما سأفك هذه المرأة إلا بأن ترد إلي مهري، أو أريد كذا وكذا من المال"، فيعطى هذا المال ويفك أسر هذه المرأة. طيب، فيفسخ العقد، يفسخ العقد، فالخلع له هذه الحكمة. لأن الطلاق بيد الزوج، ليس بيد الزوجة، ليس لها أن تطلق، طيب. لكن شرع عليها ذلك، وهذا فيه رد على أعداء الإسلام الذين يقولون: أن الزوجة يعني مثل الأسير عند الزوج، ويتحكم فيها ويظلمها وكذا، لا، لا، لا. بل حث الإسلام على معاشرة النساء المعاشرة الحسنة. لكن المرأة قد تكره الزوج ليس لسوء عشرته، وإنما مثلاً لأن قلبها لم يرتح لهذا الرجل، ولم يطمئن له، إما لخلقة، أو لضعف في معاشرته في جماعها مثلاً، أو نحو ذلك، أو مثلاً في غير ذلك. فهنا لها أن تطلب الفسخ منه، وذلك بالخلع، كما سيأتي معنا. أيضاً من أدلة الخلع: قال: "والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾"، هذه الآية هي دليل الخلع. ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، أي: فيما افتدت به نفسها من مال، من مال. ومن أدلة الخلع في السنة: من أدلة الخلع في السنة حديث ابن عباس، أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقالت: "يا رسول الله، ثابت بن قيس، ما أعتب عليه في خلق ولا دين"، يعني: صاحب خلق وصاحب دين، طيب، صحابي جليل. قالت: "ولكني أكره الكفر في الإسلام"، ولكني أكره الكفر في الإسلام. هنا فسر قولها: "أكره الكفر في الإسلام" بتفسيرين. التفسير الأول وهو الصحيح: أنها أرادت بذلك، أرادت بذلك أنها تكفر، أنها ستكفر عشيرته، ستكفر العشير، لمعنى كفران العشير، وكفران العشير يعني: أنها تقصر في حقوقه لأنها تكرهه، ما تحب العشرة معه، ما تحب العشرة معه، فهذا معنى قولها: "أخشى"، قولها: "أخشى من الكفر"، طيب، يعني: كفر العشير. الكفر يطلق على نكران، نكران جميل الزوج، وسوء العشرة معه. لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في النساء في وعظه، قال عليه الصلاة والسلام: "يا معشر النساء، تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار"، فقامت امرأة وقالت: "يا رسول الله، وما بالنا أكثر أهل النار؟" قال: "لأنكن تكفرن العشير، وتكثرن اللعن"، تكثرن اللعن وتكفرن العشير. تكثرن اللعن يعني: تسبين، سب، اللعن يلعن، يلعن، يلعن، وتكفرن العشير يعني: تجحدن جميل الزوج. ولذلك قال: "لو أحسن الزوج إلى إحداكن الدهر، ثم رأت منه شيئاً، لقالت: ما رأيت منك خيراً قط". هو يحسن إليها، وتقول: "ما رأيت منك خيراً قط". طيب، فهنا معنى قولها: الكفر هنا بمعنى كفر العشير، وهذا هو الصحيح. ومنهم من فسر بتفسير آخر، لكنه يستبعد في حق هذه الصحابية، وهو الأخذ بظاهرها، والمعنى: أنها خشيت من شدة بغضها أن يحملها ذلك على الكفر، أن يحملها ذلك على الكفر، لأجل أن ينفسخ النكاح، لأنها إذا كفرت هنا لا يجوز أن تبقى مع مسلم، لأنها ليست من أهل الكتاب، هي مرتدة الآن، طيب، لا تبقى معه، مباشرة يعني مباشرة تفارق هذا الرجل المسلم، فهي قالت: "خشيت أنني أكفر من أجل أن أفارق هذا الرجل"، لكن هذا يستبعد. فالمراد بقولها هنا: يعني خشيته من الكفر، يراد تريد بالكفر هنا كفر العشير، تريد بالكفر هنا ماذا؟ كفر العشير. فهذا معنى قولها: "ولكني أكره الكفر في الإسلام"، "ولكني أكره الكفر في الإسلام". فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "أتردين أو أتردين عليه حديقته؟" قالوا: قوله: "حديقته" لأنه أمهرها حديقة، كما جاء كذلك في بعض الروايات أنها قالت: أنه أمهرها حديقة، أمهرها حديقة. فقال لها: "أتردين عليه حديقته؟" يعني: ردي له مهرة، تمام، ردي له أيش؟ مهرة، أعطاك حديقة، ردي له حديقة. ولذلك استدل العلماء بهذا الحديث أن الفداء الأصل يكون بالمهر، إذا أمهرها مثلاً مليون، إذا أرادت أن تخلع ترد له مليوناً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر هذه المرأة أن ترد له مهره الذي أعطاه إياه، وهي هذه الحديقة. فما ذكر هدايا، طبعاً يتبع المهر، أشياء مثلاً: أهداها ثياباً، أو أهداها يعني حلياً، أو شيئاً، ما ذكر هذا، فما كان من هدايا من غير المهر، فهذا لا يدخل في الفداء، الفداء يكون الأصل بالمهر. طيب، هذا الأصل واضح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهذه المرأة: "أتردين عليه حديقته؟" قالت: "نعم". قال صلى الله عليه وسلم: "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة". ومعنى "طلقها تطليقة": يعني بمعنى تطليقة لا رجعة فيها، وهو بمعنى الخلع، بمعنى الخلع، يعني: لا رجعة فيها، تطليقة واحدة بائنة لا رجعة فيها، وهو بمعنى الخلع. هنا مسألة أخرى أيضاً في هذا الباب، وهو ظاهر الحديث أن مجرد الشقاق من المرأة وحدها كاف في جواز الخلع، فلا يشترط سوء العشرة منهما معاً، وهذا قول جمهور العلماء. يعني: المرأة مثلاً ما طاقت عشرة هذا الرجل، هو يحبها وما يريد أن يفارقها، لكن هي ما تحبه وما تريد العشرة معه، لسبب أو لآخر، كما ذكرنا، الحياة الزوجية هذه أسرار وأمور قلبية، قد المرأة تكره الزوج في خلق، يعني: لا ترضاه، أو في خلق لا ترضاه، أو في أمور في الفراش، أو نحو ذلك، المهم: قال العلماء: ظاهر هذا الحديث، حديث ابن عباس، أن هذه المرأة ما ذكرت شيئاً من سوء عشرة زوجها، بل ما امتدحته، وماذا قالت؟ قالت: يعني: "ما أعيب عليه في دين ولا خلق"، يعني: أنه صاحب دين وصاحب خلق، لكن أنا ما أحببت هذا الزوج، خلاص، كرهت هذا الزوج، ولا أطيق العشرة معه، واضح؟ ولا أطيق العشرة معه، وهي صادقة في هذا، فحينئذ ترد له حديقته، ترد له مهره، ترد له مهره. بقيت بعض الأحكام تتعلق بباب الخلع، إن شاء الله نؤجله إلى الدرس القادم. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.