الدرس في قصة آدم عليه السلام 4، أحداث آدم في الأرض وقصة قابيل وهابيل . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
بعد هبوط آدم إلى الأرض، بدأت الذرية بالانتشار وتزاوج الأبطان المختلفة، ونشأت مشكلة بين قابيل وهابيل بسبب رفض قابيل الزواج من أخت هابيل. كانت السنة الجارية في ذلك الوقت تقتضي التزاوج بين توائم الأبطان المختلفة.
قصة قابيل وهابيل هي قصة أول حادثة قتل على الأرض بسبب الحسد، حيث قتـل قابيل أخاه هابيل، وتعلم من غراب كيف يدفن جثة أخيه. الحسد كان السبب في هذه الجريمة وهو أول ذنب عصي الله به.
قابيل وهابيل لم يكونوا أولاد آدم الوحيدين، بل كان هناك ذرية كثيرة، وتسميتهم لم ترد في القرآن أو السنة الصحيحة، وإنما هي من نقل أهل الكتاب. يشير المقطع إلى أن هناك تفاصيل أخرى حول ذرية آدم.
المقطع يشير إلى انتهاء الدرس مع الدعاء بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ويظهر تواضع المتحدث بإقراره بأن العلم لله تعالى وحده. يُنهي الدرس بالتأكيد على أهمية الدعاء والصلاة على النبي.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في درس أمس إخواني في الله كان حديثنا عما وقع لآدم عليه السلام من أكله من الشجرة التي نهاه الله عنها، ثم ذكرنا ما قبل ذلك وما بعده من الأحداث، ثم بعد ذلك أمر الله جل وعلا آدم وزوجه بالهبوط إلى الأرض، ﴿اهبطوا منها جميعا﴾. هنا إخواني في الله ننتقل إلى ما وقع لآدم عليه السلام من أحداث حين نزل على الأرض. نعم، وقعت عدة أحداث نحاول أن نشير إليها بإشارات، ومن أهم ما وقع لآدم عليه السلام أن الله عز وجل جعله نبيا. فقد جاء من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قال يا رسول الله أي الأنبياء كان أول؟ قال عليه الصلاة والسلام: آدم. فقال أبو ذر مستغربا: أنبي كان؟ قال عليه الصلاة والسلام: «كان نبيا مكلما». فيعتبر آدم عليه السلام من أول نبي جعله الله، فكان يعلم ذريته، يعلمهم الأحكام التي علمه الله عز وجل إياها. ومن الأحداث المهمة والتي قد نقف عندها في هذا المقام قصة «قابيل وهابيل»، قصة «قابيل وهابيل» وهي قصة من القصص المعروفة والمشهورة، بل هي مسطرة في كتاب الله جل وعلا. فقد ذكر ربنا سبحانه وتعالى هذه القصة بقوله: ﴿واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين﴾. هذه هي بداية قصة «قابيل وهابيل»، وفي نهاية الأمر كما قال ربنا: ﴿فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين﴾. جاءت الآثار الصحيحة عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنهم ذكروا لنا بعض تفاصيل هذه القصة العظيمة، والأسانيد صحيحة ثبت ذلك عن ابن مسعود، ثبت ذلك عن ابن عباس، وعن غيرهما من السلف. مفاد القصة نبدأ أولا بأصل القصة، عندما هبط آدم وحواء إلى الأرض بدأ الانتشار والذرية. يأتي السؤال: كيف الذرية؟ كيف التكاثر؟ قال العلماء: وأحيل كلمة العلماء إلى من مضى ذكرهم مما صح عن الصحابة وعن أئمة الدين من التابعين وأتباع التابعين، أن حواء كانت تحمل في كل بطن طفلين، في كل بطن تحمل طفلين، ليس هذا فحسب، بل في كل بطن ذكر وأنثى، توأم. هذه سنة الله عز وجل في حمل حواء. المسألة الثانية أن الذكر والأنثى في هذا البطن يكون منهم التزاوج من الذكر والأنثى الذين كانوا من البطن الثانية. يعني في هذا الحمل ذكر وأنثى، ثم يكبروا، الحمل الثاني فيه ذكر وأنثى يكبروا، ذكر هذا البطن يتزوج من أنثى هذه البطن والعكس. هكذا كان التزاوج، وقد ذكر العلماء كابن كثير رحمه الله تعالى: وإنما كان ذلك للحاجة، شرع الله ذلك للحاجة حتى تبدأ ماذا؟ يبدأ النسل بالانتشار والاشتهار. تبدأ الآن القصة، في أحد البطون التي جاءت بها حواء جاء ذكر وأنثى، «قابيل» مع أخته توأم، ثم جاء بطن بعدها «هابيل» مع أخته التوأم. السنة الجارية على أن «قابيل» يتزوج من أخت «هابيل» و«هابيل» يتزوج من أخت «قابيل». هكذا جرى العمل في ذرية آدم في ذاك الزمن، إلا أن «قابيل» رفض. لماذا رفض؟ لأنه وجد أن أخته الذي معه في بطنه خرجت معه في هذا البطن كانت وضيئة -بمعنى جميلة- فيها جمال، وأن «هابيل» أخته الذي خرجت معه كانت ذميمة كما في الرواية. فأبى «قابيل» أن يقترن بهذه، وإنما طلب من؟ قال: «أطلب أختي أنا راضي بها أن تكون زوجة لي». أصبحت هذه معضلة، ورفع الأمر كما يقال إلى آدم عليه السلام، فرفض آدم؛ ليست هكذا الشريعة أن يكون التزاوج من بطن واحد، وإنما الاختلاف في البطون. فكان الحكم الرباني أن آدم قال: «إذن كل واحد يقرب قربان، يقرب شيء لله عز وجل، فإذا تقبل الله قربان أحدكم فهو ما يريد». إن تقبل الله قربان «قابيل» إذن لك يا «قابيل» أن تتزوج من أختك الذي هي من بطنك، وإذا تقبل الله قربان «هابيل» ف«هابيل» سيتزوج من أختك يا «قابيل». فقربوا القرابين. جاءت الآثار على أن «قابيل» كان من أهل الزرع، وأما «هابيل» كان من أهل الضرع، ذاك يشتغل في الزراعة، وهذا يشتغل في المواشي. فكل قرب قربانا، فكان القربان الذي تقبل، فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر. قربان «هابيل» تقبل الله، إذن «هابيل» تتزوج على السنة الجارية، الأصل أعاد أمور إلى نصابها. إلا أن «قابيل» رفض مع هذا رفض وأبى وهدد أخاه قال: «لأقتلنك». طبعا هذا هو الحسد، الحسد، وكما قال بعض العلماء بأن الحسد هو أول ذنب عصي الله به في السماء، وهو أول ذنب عصي الله به في الأرض. ما الذي أوقع إبليس في مخالفة السجود لآدم؟ الحسد. وما الذي أوقع «قابيل» في قتل أخيه؟ الحسد. ولا زال الحسد ما يكاد يخلو منه أحد منا، حتى وجدنا أن الحسد قد تطرق إلى بعض من ينسب إلى الذكر والفضل والعلم. تجد حتى من عنده علم أخذ يحسد إخوانه ممن فضلهم الله بالعلم، وأخذ يحسد عليهم لربما فعل الأفاعيل. وما قصة «قابيل» عن نبي بعيدة. ﴿فطوعت له نفسه﴾ فهدد تهدد أخاه بأن يقتله، فحقق وأوقع ما وعد به فقتله، ﴿فأصبح من الخاسرين﴾. هنا تبقى مسألة، هذه الحادثة تعتبر أول حادثة قتل حصلت في الأرض، أول حادثة قتل. ما هناك أحد قد مات، إذن قابيل أمام جثة أخيه كيف يتصرف معها؟ الذي جاء في الروايات على أن «هابيل» أخذ جثة أخيه على ظهره ويمشي بها، يمشي ليل نهار، يمشي بها، إذا نام جعلها بجنبه، وإذا قام أخذها وحملها ويمشي يهيم على وجهه، ما يدري كيف يفعل، ما هناك شريعة عنده توضح كيف التعامل مع الجثث. إلى أن بعث الله غرابا، هذا الطائر كان عنده غراب آخر ميت، فرقب «قابيل» فعل الغراب كيف يتصرف مع هذا الغراب الميت؟ فإذ به يرى ينقر، يبحث ينقر في الأرض ينقر ينقر، ثم أخذ يجر بجثة الغراب الآخر ودفنه. عالم الغربان إخواني في الله مملكة عجيبة، ولا زالت الأخبار تأتي عن هذه المملكة بالغرائب والأعجائب، فهي مملكة فيها أشياء من الأشياء الذي يذهل لها النفس البشرية المتطلعة في حركته وفي سيره لمملكته. وما جاء في القرآن إلا هذه المسألة بيان لعظيم شأن الغربان فيما بينهم من الأحوال. فحينها تفطن «قابيل» إلى هذه الفكرة، قال: «هذا المخرج أعجزت أنا أكون مثل هذا الغراب؟ لا ما أعجز، سأكون مثله». فقام «قابيل» وحفر حفرة لدفن أخيه. وغد ذكر العلماء: تخيل الحفرة العرض عرض الحفرة سبعة أذرع، والطول ثلاثة وثلاثين متر. كما قلنا متر مع زيادة إذا قسناها بطول آدم عليه السلام. وأما العمق الله أعلم كم حفر. فأخذ هذه الحفرة العظيمة ثم دفن جثة أخيه. هذا إخواني في الله خلاصة ما يذكر من جميع الروايات التي جاءت في قصة «قابيل وهابيل». هنا تأتي بعض المسائل أختم به المقام. المسألة الأولى قد يقول قائل: طب لماذا ما ذهب «قابيل» إلى والده إلى آدم وأبين له الأمر وما صار وما وقع وأنه قتل أخاه؟ وما يدرك كيف يتصرف مع الجثة؟ قال العلماء: لم يرجع إليه لأمور، الأمر الأول خوف الملامة. لماذا يرجع إلى أبيه بدم ملطخة بيد ملطخة بدماء أخ من إخوانه لحسد، فما استطاع «قابيل» أن يواجه أباه بهذه المصيبة، ولهذا هام على وجه الأرض وابتعد. هذا وجه، الوجه الثاني أن يقال الله أعلم أين كانت هذه الواقعة. نعم هي في زمن آدم في وقت آدم عليه السلام، لكن ينبغي أن نعلم ينبغي أن نعلم أن «قابيل وهابيل» لم يكونوا فقط لم يكونوا فقط هم أولاد آدم، هذا الذي يتوهمه كثير من الناس. لا، بل في آدم عليه السلام قد جاء من ذرية الكثير من الذرية من الأولاد. وما «قابيل وهابيل» إلا بطن والبطن الثانية فقط. ولهذا في نص القرآن قال ربنا جل وعلا: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء﴾. النفس الواحد آدم، وخلق منها زوجها حواء، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء. حتى أن من العلماء من ذكر كابن إسحاق رحمه الله تعالى -وهو أقل عدد- ذكر أن حواء حملت من آدم عشرين بطن، حملت من آدم عشرين بطن، وفي كل بطن كم؟ اثنان، إذن أربعين ذكر وأنثى. هؤلاء في زمن آدم. هذا أول أول ظهور لآدم، ومنهم من زاد كالطبري رحمه الله تعالى، بل أن ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية ذكر عن بعض المؤرخين أن آدم لم يمت عليه السلام إلا ومن ذريته أربعمائة ألف نسمة، أي من أولاده وأولاد أولاده. ما مات آدم، هذا نقل ابن كثير في البداية والنهاية. لم يمت آدم لأن آدم كم عاش؟ سأتي معنا في درس غد أن آدم عاش مئات السنين، عاش مئات السنين. ولهذا كانت هذه مدة كافية إلى الخلفة والتكاثر. فالشاهد نأتي الآن لقصة «قابيل وهابيل» أن هؤلاء لم يكونوا فقط الذرية الذي أمام عينيه آدم، بل الذرية انتشرت، فربما كانوا في الشرق، لربما كانوا في الغرب، لربما كانوا في الشمال، لربما كانوا في الجنوب. فلربما وقعت الحادثة وآدم ما يعلم به؛ لأن كما قلنا الذرية انتشرت في زمن آدم؛ لأن الله ماذا؟ كثر من نسله وذريته. المسألة الأخيرة وهي فائدة: هل صحت هذه التسمية «قابيل وهابيل»؟ دائما نذكر «قابيل وهابيل»، هذه مسألة إخواني في الله للعلماء فيها أنظار. نص القرآن ما عنده هذه التسمية، كما سامعتم في القرآن قال ربنا: ﴿واتلو عليهم نبأ ابني آدم﴾. ابني آدم، فالقرآن ما عنده تصريح بقابيل ولا بهابيل. نأتي إلى السنة، قال العلماء: السنة الصحيحة كذلك لم يذكر فيها «قابيل» ولا «هابيل»، ما ذكر نبينا عليه الصلاة والسلام لا من قريب ولا من بعيد. ولهذا بعض العلماء توقف في هذه التسمية، يقول الإمام العلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى في كتاب عمدة التفسير: «أما تسميتهما بقابيل وهابيل فإنما هو من نقل العلماء من أهل الكتاب، لم يرد به القرآن ولا جاء في السنة الثابتة فيما نعلم، فلا علينا أن لا نجزم به، ولا نرجحه، وإنما هو قول قيل». فما علينا ختم بحثه، فما علينا أن لا نجزم به، ولا نرجحه، وإنما هو قول قيل. يعني ما نقول هو إلا هذه أسماء، أنا ما عندنا شيء نتكى حتى نجزم بأن هذا «قابيل» وهذا «هابيل»، ما عندنا أدل على هذا. هذا قول أحمد شاكر. وأما شيخ الألباني رحمه الله تعالى فقد صحح آثار عن صحابة رسول الله عن ابن عباس أنه سماهم بقابيل وهابيل. إذا جئنا من حيث الآثار نعم، صحة الآثار عن الصحابة بهذه التسمية في الآن، لذا نرى أن الأمر واسع، الأمر واسع في هذا المقام. هذا إخواني من الأحداث المهمة التي وجارت لآدم إثر هبوطه إلى الأرض. وبقي مسائل تترك إن شاء الله في درس قادم. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.