الدرس في كتاب الصلاة 34، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
بين المقطع ضعف حديث أجر من يخرج القذاة من المسجد، وأكد وجوب تنظيف المسجد وإزالة الأذى عنه مع النهي عن إدخال الروائح الكريهة. كما ذكر حكم تحية المسجد بركعتين قبل الجلوس عند دخوله.
سمّى الفقهاء ركعتي الدخول تحية المسجد واختلفوا في حكمها بين الاستحباب والوجوب مستدلين بأحاديث سليك الغطفاني والأركان الخمسة. كما نوقش جواز صلاتها في أوقات الكراهة والراجح أنها من ذوات الأسباب فتصلى في الكراهة الخفيفة.
ناقش العلماء مشروعية قيام من جلس في المسجد دون صلاة تحية المسجد لأدائها فذهب الجمهور إلى عدم مشروعيتها. وتناول المقطع حكم تحية المسجد الحرام بأنها الطواف عند القدوم وأن الدخول في الفريضة يجزئ عن التحية.
يُستحب الدعاء عند دخول المسجد، ويُنهى عن الخروج منه بعد الأذان إلا لعذر أو للانتقال إلى مسجد آخر مع ضمان عدم فوات الصلاة. ومن خرج بغير عذر فقد عصى النبي ﷺ كما روي عن أبي هريرة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: أخذنا حديث الناس، حديث الناس. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعلى أنس رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أجرت علي وجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد». رواه أبو داود والترمذي واستغربه، وصححه ابن خزيمة. وهذا الحديث لا يصح، وقد ضعفه البخاري، واستغربه الترمذي. وغالبًا إذا قال الترمذي: "غريب" دون أن يذكر الحسن أو غيره، فهو يريد أنه ضعيف. قد ذكر ذلك العراقي، والحافظ ابن حجر، وغيره. وفيه أيضًا انقطاع، وقد أنكر العلماء سماع المطلب بن عبد الله بن حنطب من أنس. الحديث لا يصح من ناحية الإسناد. قال الشارح الصنعاني رحمه الله: عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أجرت علي وجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد». رواه أبو داود والترمذي واستغربه، وصححه ابن خزيمة. قال: القذاة بوزنة حصاة، قذاة بوزنة حصاة، عن نفس الوزن: قذاة وحصاة. هي مستعملة في كل شيء يقع في البيت وغيره إذا كان يسيرًا. وهذا إخبار بأن ما يخرجه الرجل من المسجد، وإن قل وحقر، مأجور فيه؛ لأن فيه تنظيف بيت الله وإزالة ما يؤذي المؤمنين. ويفيد بمفهومه أن من الأوزار إدخال القذاة إلى المسجد. وتقدم الكلام على مسألة تنظيف المسجد، وأن من الأجور معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر فيه أن تنظف المساجد، فلذلك تخرج مثل هذه القذاة وغيرها، ويخرج ما كان يسيرًا أو ما كان فيه اتساخ للمسجد؛ لأن هذا يدخل من باب التنظيف. ولهذا المسجد لا بد أن يكون نظيفًا. وجاء في حديث عائشة، ومختلف فيه أيضًا، قال: «أمر أن تبنى المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب، أن تنظف وتطيب». فتطيب المسجد لا بد منه من الروائح، ومن أيضًا ما يكون فيه اتساخ. لهذا منع أهل الروائح من إتيان المسجد. جاء في الصحيحين: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أكل ثومًا أو بصلًا فلا يقربن مصلانا، فلا يقربن مصلانا». ويدخل عند أكثر أهل العلم بكل ما كان فيه رائحة، فأدخل الإمام أحمد الفجل. واختلفوا في الفجل: هل يقرأ أو داخل في النهي؟ هل بكل من أكل فجلًا أو بقلًا، أو أن المراد من كان يتجشأ؟ لأن كما ذكر القاضي عياض أن البقل تظهر رائحته عند التجشأ؛ إذا تجشأ الإنسان تظهر رائحة البقل، فلذلك قال: من علم من نفسه أنه يتجشأ فهذا لا يأتي إلى المسجد إذا أكل بقلًا. وكذلك حتى أن بعضهم عند المالكية ذكروا حتى الحوات، والحوات: الذي يبيع الحوت، الذي يشتغل في السمك. وأنكر جماعة منهم، ومنهم ابن عبد البر، هذا القول، وأنه خطأ، وأن هذه مهنة مباحة. وكذا، لكن ينبغي للمسلم أنه لا يأتي بالثياب التي فيها ذلك العرق أو فيها تلك الرائحة، بل يغتسل ويغير ثيابه. لخلاف آكل الثوم والبصل والكراث؛ فإنه وإن غير ثيابه وإن اغتسل فالرائحة لا تزال موجودة، فلذلك يمنع. وأما من يستطيع أن ينظف نفسه فهذا يعتبر واجبًا. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاء الأعراب من العوالي فكانوا يلبسون الصوف فتخرج منهم رائحة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لهم: «اغتسلوا ليومكم هذا». في رواية الصحيحين: «لو أنكم تغتسلون ليومكم هذا». فلذلك منع كل ما كان من هذا القبيل من اتساخ المسجد أو الروائح التي تكون في المسجد. ولهذا أيضًا منع كل قدر. ولما بال الرجل في المسجد أراد الصحابة أن يزرموه وأن يقعوا به، فقال: «لا تزرموه، ودعوه حتى يكمل بوله». وكل ما كان من هذا القبيل يدخل في هذا الباب. فالمسجد لا بد أن ينظف، وتبعد عنه مثل هذه الأمور. قالوا: عن النبي، قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين». متفق عليه. قالوا: عن النبي، قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين». متفق عليه. قال شارح الحديث: نهي عن الجلوس من الداخل. الحديث نهي عن الجلوس الداخل إلى المسجد إلا بعد صلاته ركعتين، وهما تحية المسجد. وسماها العلماء تحية المسجد، وإلا لم يأت في الحديث شيء سماها تحية المسجد، وإنما قالها الفقهاء؛ لأن الإنسان إذا دخل المسجد جاء بهذه الركعتين فسميت تحية المسجد. قال: وظاهر وجوب ذلك. وذهب الجمهور إلى أنه ندب، واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم الذي رآه يتخطى الرقاب: «اجلس فقد آذيت». في حديث سليك الغطفان، لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل يتخطى الرقاب فقال: «اجلس فقد آذيت». وهذا الحديث صحيح. قال: ولم يمروا بصلاتهما. وبأنه قال صلى الله عليه وسلم لمن علمه الأركان الخمسة: فقال: لا أزيد عليها. قال: «أفلح إن صدق». قال: الأول مردود. معنى الاستدلال بالحديث الأول مردود بأنه لا دليل على أنه لم يصليهما؛ فإنه يجوز أنه صلاهما في طرف المسجد ثم جاء يتخطى الرقاب. وهذا احتمال، لكن ظاهر الحديث أنه لم يصل. والثاني: بأنه قد وجب غير ما ذكر كصلاة الجنائز ونحوها، ولا مانع من أنه وجب بعد قوله: لا أزيد، واجبات، وأعلمه صلى الله عليه وسلم بها. صلاة الجنائز ليست واجبة إلا بمعنى أنها فرض كفاية. والظاهر أن الحديث أيضًا أراد صلوات اليوم والليلة، فرضًا، صلوات في اليوم والليلة. فقال: هل علي غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تطوع. وأما بقية الصلوات التي فرضت كصلاة العيدين، كصلاة الكسوف، فهذه لها مناسبات، وليست هي من الصلوات الدائمة. قال: ثم ظاهر الحديث أنه يصليهما في أي وقت شاء، ووقت الكراهة، وفيه خلاف. وقررناه في حاشية شرح العمدة أنه لا يصليهما من دخل المسجد في أوقات الكراهة. وقررنا أيضًا أن وجوبهما هو الظاهر لكثرة الأوامر الواردة به. وظاهره أن ليس هناك كثرة أوامر، هو حديث بقتادة فقط. وعن مسألة صلاتها، صلاتها أول مسألة حكمها. فكما قال المؤلف: أن الجمهور يرون الاستحباب، وهناك من يرى الوجوب، وهو قول الظاهرية، وكذلك ترجيح ابن دقيق العيد، والشوكاني، والصنعاني، وغيرهم. قالوا بالوجوب، واستدل بعضهم بهذا الحديث، وبعضهم استدل بحديث جلوس النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، أنه جلس على المنبر ولم يصل في خطبة الجمعة، وهذا يدل على صرف هذا الأمر إلى الاستحباب. لكن المسلم يحرص على أن يصلي، إلا إذا كان هناك مصلحة أو شيء يعارضه، مثلا مجلس علم أو غيره، فلا بأس. وأما مسألة صلاتها في أوقات الكراهة، ففيها خلاف. الشافعي يرى أنها لا تصلى في أوقات الكراهة كلها. وأحمد يرى أنه يصلى إلا في الثلاث المواضع التي يكره فيها كراهة شديدة. وهذا أصح: أنه في هذه المواضع لم يرخص في الصلاة. خاصة ذات الأسباب لا بأس أنه يصليها في أوقات الكراهة الخفيفة: بعد الفجر، بعد العصر، لا بأس. وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم ركعتي الظهر، صلاها بعد العصر. وأما النفل المطلق، فلا، فلا يتنفل نفل المطلق في أوقات الكراهة. لكن هنا أراد تحية المسجد، وتحية المسجد تعتبر من ذوات الأسباب. واستدل بعضهم يقول: أن ذوات الأسباب، معنى الأوقات الكراهة خصت، خصت بأشياء كثيرة، أنا يصلى فيها الفرد، يصلى فيها كذا. لكن حديث بقتادة لم يخص، لم يخص بشيء، بل قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين». لكن كما ذكرنا، بعض هذه الأدلة تدل على الاستحباب، وعلى أن الأمر للندب وليس للوجوب. ومن ذلك أيضًا مما يدل على أن الأمر ليس للوجوب ما جاء عن عطاء بن أبي رباح قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أحدهم أن يدخل المسجد وهو جنب، توضأ ودخل، توضأ ودخل. هذا يدل على أنه أيضًا أن الصحابة يدخلون المسجد دون أن يصلوا. وأيضًا أهل الصفة دائمًا في المسجد، وكذا سيشق عليهم أنهم كلما دخلوا صلوا. وأيضًا استدل بعضهم بحديث الثلاثة، الثلاثة النفر الذين رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يحدث، فأحدهما جلس في الحلقة، والآخر جلس بعيدًا، والثالث أعرض. قال حديث بأبي قتادة الليثي، فقال عليه الصلاة والسلام: «ألا أنبئكم بخبر الثلاثة؟ أما أحدهم فأواه الله، وأما الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه». فلذلك فحديث كثيرة تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليهم جلوسهم، وكذلك فهذا مما يجعل هذا الأمر ليس للوجوب، وهذا النهي ليس للتحريم وإنما للكراهة. لكن كما قلنا: المسلم يحرص على تطبيق السنة. طيب. قال: وقررنا أيضًا أن وجوبهما هو الظاهر لكثرة الأوامر الواردة به. وظاهره أنه إذا جلس ولم يصليهما لا يشرع له أن يقوم فيصليهما. معنى: إذا جلس، هل يقوم ويصلي؟ فقال جماعة: يشرع له التدارك، بما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي ذر، أنه دخل المسجد فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «اركع ركعتين». قال: لا. قال: «قم فاركعهما». وهذا فيه اختلاف أيضًا في صحته. قال: وترجم ابن حبان: تحية المسجد لا تفوت بالجلوس. وكذلك ما يأتي من قصة سليك الغطفاني. وقوله: ركعتين، لا مفهوم له في جانب الزيادة، بل في جانب القلة، فلا تتأدى سنة التحية بركعة واحدة. قال في الشرح: وقد أخرج من عموم المسجد المسجد الحرام، فتحيته الطواف. وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام بدأ فيه بالطواف. طيب، الآن المسألة التي ذكرها هنا: مسألة أنه إذا جلس هل تبطل، يبطل هذا الجلوس ركعتين؟ فالجمهور على ذلك على أنه إن جلس لا يشرع له أن يقوم فيصليهما. وأيضًا رأى بعض العلماء يقول: إذا كان شيئًا يسيرًا، جلس شيئًا يسيرًا لأجل يتناول شيئًا أو كذا، فلا بأس، ثم بعد ذلك يقوم ويصلي. أو أنه نسي، سهى فجلس، فلا بأس أنه يقوم ويصلي. وحديث أبي ذر إن صح فهو حجة على من قال أنه يصلي ولو جلس. إذا جلس فقام بعد ذلك وأراد أن يصلي فله أن يصلي، ولا تفوت بالجلوس. وهذا لعله أوكد من الأول، أو أفضل من الأول، وأرجح؛ لأن مسألة فواتها بالجلوس يحتاج إلى دليل أن فواتها بالجلوس يحتاج إلى دليل. وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يجلس حتى يصلي ركعتين» فهو نهي، فقيامه وصلاتها قد يكون كفارة، أو كفارة لهذا، أو أنه أدرك الفوات. وعما قال هنا: أن الشارح يقول أن المسجد الحرام تحيته الطواف. فهذا يقول الشيخ هنا: قال هكذا ذكره ابن القيم في الهدي. وقد يقال: إنه لم يجلس، فلا تحية للمسجد الحرام؛ إذ التحية إنما تشرع لمن جلس. وداخل المسجد الحرام يبدأ بالطواف ثم يصلي صلاة المقام، فلا يجلس إلا وقد صلى. نعم، لو دخل المسجد الحرام وأراد القعود قبل الطواف فإنه يشرع له صلاة التحية كغيره من المساجد. لكن هذا بالنظر إلى من يأتي يعتمر. لكن من كان في المسجد دائمًا ومجاور في المسجد، هل يجعل تحية المسجد هي الطواف؟ فهذا لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه شيء. فلذلك فالظاهر أن المسجد الحرام مثله مثل غيره. وإنما هنا جعل الطواف، فيطوف ثم بعد ذلك يصلي ركعتين، فهو لم يجلس حتى صلى ركعتين. والمقصود من الحديث أن الإنسان لا يجلس حتى يصلي، لا يجلس حتى يصلي. ولهذا يدخل فيها أي صلاة صلى، مثلا جماعة صلى الفرض، صلى مثلا الضحى، صلى غيرها من الصلوات، فتدخل فيه تحية المسجد. واختلفوا فيه إذا كان ركعة. فذكر هنا المؤلف أنه إذا كانت ركعة لا تجزئ، معنى لا تجزئ عن ركعتين، لا بد أن يكون ركعتين؛ لأن الحديث قال: «فلا يجلس حتى يصلي ركعتين». فإذا صلى مثلا الوتر، معناه يريد أن يصلي الوتر والوقت قد تداخل عليه، أو دخل عليه وقت المغرب، أقصد وقت الفجر، فهل يصلي ركعة ويجلس؟ فهنا في خلاف. هل العلم، نحي، هل تجزئ ركعة أو يصلي ركعتين؟ والظاهر هذا أنه يصلي ركعتين إن استطاع، وإلا صلى ركعة ثم جاء بركعتين إذا أذن المؤذن، ويجعل جلوسه هذا الذي جلس من باب المصلحة لأجل أن يصلي الوتر. طيب. قال: قال ويجاب عنه بأنه صلى الله عليه وعليه وعليه ما جلس حتى يتحقق بحقه أنه ترك التحية، بل وصل إلى الجبان أو إلى المسجد، فأنه صلى العيد في مسجده مرة واحدة، وهذا لم يثبت أنه صلى العيد في مسجده مرة واحدة. قال: ولم يقعد، بل وصل إلى المسجد ودخل في صلاة العيد. وأما الجبان فلا تحية لها، إذ ليست بمسجد. إذن، وأما إذا اشتغل الداخل بالصلاة، كان يدخل وقت أقيمت الفريضة، فيدخل فيها فإنها تجزئه عن ركعتين التحية. بل هو منهي عنها بحديث: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة». أن إذا أقيمت الصلاة لا يصلي. وهذا آخر حديث ذكره المؤلف رحمه الله هنا. وهناك مسائل أيضًا أخرى في المسجد، مثل دخول المسجد يستحب الدعاء، وهكذا الخروج من المسجد بعد الأذان قد جاء النهي عنه، إلا لمصلحة، أو يريد مثلا الإنسان مسجدًا آخر، فإذا كان يظن أنه لا يضيع الصلاة، فقال العلماء: جائز أنه يخرج. وإلا كما قال أبو هريرة: «أما هذا فقد عصى أبا القاسم» لما خرج من المسجد بعد الأذان. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا.