صلح الحديبية مسائل وأحكام 16

صلح الحديبية مسائل وأحكام 16

الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 16، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

طلب النبي ﷺ الصلح مع قريش مراعاة للمصالح العليا

يوضح المحور أن النبي ﷺ طلب الصلح في الحديبية رغم القوة العسكرية للمسلمين، حرصاً على المستضعفين في مكة وتحقيقاً لمصلحة شرعية كبرى. ويستدل بقوله تعالى في حرمة دم المؤمن وعظمته لتبرير هذا التوجه السلمي.

حكمة صلح الحديبية ومشروعية الصلح مع الكفار للمصلحة

يبيّن المحور حكمة النبي ﷺ في الصلح لتفرغ الدعوة وتجنب سفك الدماء، مؤكداً أن الله سماه فتحاً مبيناً. ويقرر جواز صلح الإمام مع الكفار للمصلحة بإجماع العلماء، ويرد على المخالفين بفتوى الشيخ ابن باز.

سقوط وجوب الجهاد عند الضعف ومشروعية الصلح المؤقت

يسقط وجوب الجهاد إذا بلغ الكفار ضعف المسلمين تخفيفاً من الله، مع إجماع العلماء على ذلك. ويؤكد أن الصلح يكون مؤقتاً لا دائماً، مع وجوب إعداد القوة واستمرار العداوة العقدية.

نقض قريش لصلح الحديبية ووفاء النبي ﷺ بالعهد

يُبيّن المحور أن قريشاً نقضت صلح الحديبية بعد سنة واحدة بينما التزم النبي ﷺ ببنوده كاملاً لعشر سنوات. ويختتم بالدعاء لعز الإسلام وأهله وذل الكفر وأهله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. فأخذنا في الدرس الذي مضى ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام لبديل بن ورقاء الخزاعي، فقال عليه الصلاة والسلام: «إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب، أتعبتهم الحروب، ونهكت قوتهم، وضعفتهم»، قال: «وأضرت بهم»، فقال عليه الصلاة والسلام: «فإن شاءوا ماددناهم مدة، ويخلوا بيني وبين الناس». فهذا قوله عليه الصلاة والسلام هنا: «ماددناهم مدة، فإن شاءوا ماددناهم مدة»، فهذا طلب من النبي عليه الصلاة والسلام الصلح مع المشركين. النبي عليه الصلاة والسلام الآن يطلب صلحا مع المشركين، ممن هم أعداء الدين، والذين أيضا عادوا أهل الإسلام وأخرجوه من ديارهم، وظاهروا على إخراجهم، والذين أمر الله عز وجل بأن لا يتولوا أبدا. فهؤلاء عقد النبي عليه الصلاة والسلام معهم، أو طلب منهم الصلح، مع أنه قال عليه الصلاة والسلام: «إن قريشا قد نهكتهم الحرب». ففي ذلك الوقت كان جيش النبي عليه الصلاة والسلام أقوى بكثير من جيش قريش، أنه كان النبي صلى الله عليه وسلم قد اجتمع إليه كثير من المهاجرين والأنصار، وهم من أقوى قوة في ذلك الوقت، وخاصة في الجزيرة، وقريش قد وهنتهم الحرب، وقد أضعفتهم الحرب، لا يستطيعون مقاومة النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «لما قال: فإن رضوا بذلك...»، فإنهم أبوا، رفضوا الصلح، فقال: «فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، أو حتى أقتل، فسأقاتلهم على ذلك، ولينفذن الله أمره». فلهذا طلب النبي عليه الصلاة والسلام منهم الصلح، مع أنه أقوى منهم، لكن هناك مصلحة عظيمة، قد ذكرنا بعض المصالح التي ذكرها الله عز وجل في كتابه، في قوله جل وعلا: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةُ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ﴾. فهنا في هذه الآية، كما قد ذكرنا قبل، عدة مصالح: أولا أهل الإسلام الذين هم في مكة، فإذا حصل الحرب ودخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة، فقد يصيبهم شيء من ذلك. وقد ذكرنا في درس مضى حرمة دم المسلم، وأن حرمة دم المسلم عظيمة جدا، حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام لما قال للكعبة: «إنك أو قال: ما أعظم حرمتك، وإن دم المسلم... أو قال: إن المسلم أعظم حرمة منك»، قال عليه الصلاة والسلام: «ما أعظم حرمتك، ودم المسلم أعظم حرمة منك». ننظر إلى هذا الأمر، كيف بعد ذلك يستهين بدم المسلم ولا يتورع فيه، وبأدنى شك يقتل. فهذا كله من الباطل. فلهذا النبي عليه الصلاة والسلام مع قوته طلب الصلح، ولأجل أيضا كذلك أنهم لأجل أن لا يحصل الحرب بينه وبين قريش، ويظل النبي عليه الصلاة والسلام مع قريش دائما في الحرب، ويترك الدعوة إلى الله عز وجل ودعوة الناس. فلهذا قال: «يخلوا بيني وبين الناس». هذا الصلح أيضا من حكمه أنه قال: «يخلوا بيني وبين الناس»، معناه: خلاص، ما في دائما نتحارب نحن وإياهم، نجعل صلحا بيننا، ويتركونا مع الناس ندعوهم إلى الله. وأيضا كذلك من أبى إلا الحرب نحاربه ونجاهده حتى يسلم ويدخل في دين الله جل وعلا. فلهذا أنزل الله عز وجل بعد الفتح، أو بعد صلح الحديبية، وهم راجعون إلى المدينة، أنزل الله عز وجل سورة الفتح، وفيها الفتح المبين الذي ذكره الله عز وجل ووعد نبيه عليه الصلاة والسلام. وأيضا كذلك فيه نزلت قول الله جل وعلا: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾. فهنا الفتح، بعضهم قال: هو صلح الحديبية، ومنهم من قال: إنه فتح مكة. ولكن سورة الفتح هي على الحديبية، فسمى النبي، سماه ربنا جل وعلا صلح الحديبية، سماه فتحا: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾. فهذا الفتح بالصلح، كيف يكون الفتح بالصلح؟ أي أن الله عز وجل أخلى له الطريق، يدعو الناس إلى دين الله جل وعلا، وينطلق في الدعوة هو وأصحابه، وهذا هو الفتح العظيم. هذا الفتح، وبعد ذلك جاء الفتح الأكبر، وهو فتح مكة، جاء بعد سنتين، الحديبية في السنة السادسة، وفتح مكة كان في رمضان في السنة الثامنة. فلهذا فطلب النبي صلى الله عليه وسلم من الكفار ومن الأعداء أن يصطلح معهم، فهذا فيه أن الإمام، إمام المسلمين، إذا رأى أن من المصلحة أن يصطلح مع الكفار، فهذا جائز بإجماع العلماء، ليس هناك من يخالف إلا الخوارج وأذنابهم. الآن بعض الناس ممن زل بفكر الخوارج، تجد أنه يقول: لا يجوز الصلح مع اليهود. بل لما اصطلح الأردن مع اليهود، عملوا صلحا بعدم الحرب وعدم كذا، وأجازه العلامة الشيخ ابن باز رحمه الله، فتكلم هؤلاء، أتباع قطب، تكلموا على الشيخ ابن باز، بل منهم من كفره لأنه أفتى بالصلح. فهذا جهل بدين الله. فهذا النبي صلى الله عليه وسلم يصالح أعداء الله، يصالحهم لأجل مصلحة الإسلام ومصلحة المسلمين، حتى لا تذهب دماء المسلمين، فيصالحهم. لأنه ليس من الحكمة أن الإنسان يقاتل من لا يستطيع قتاله، ليس من الحكمة أن الإنسان يقاتل، وأن أهل الإسلام يقاتلون من لا يستطيعون قتاله. الله عز وجل لما ذكر في سورة الأنفال أن المسلم الواحد والمؤمن الواحد بعشر من الكفار، ثم قال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. معناه: جعل بدل ما يكون الواحد عشرة، يكون الواحد اثنين، يكون الواحد باثنين من الكفار، واحد من المؤمنين. فلهذا ذكر العلماء، وقد ذكر ذلك إجماع منهم، العالم الإمام النووي، وذكره ابن عبد البر وغيرهم، أنه إذا كان الكفار ضعف، إذا كان الكفار ضعف المسلمين، فسقط الوجوب، يسقط الوجوب. إذا كان ضعفهم، معناه مثلا: أهل الإسلام مليون، والكفار ثلاثة ملايين أو مليونين، فهنا يسقط الوجوب، يسقط الوجوب. معناه هذا يفهموه: يسقط الوجوب، لأن الصحابة قاتلوا وهم عداد قليلة، هذا من باب الاستحباب أو من باب الإباحة، أما الوجوب فيسقط إذا كان عداد الكفار كثيرة. فما بالك إذا كانت القوة لا توازي شيئا، وإنما تذهب بأهل الإسلام وتذهب بجماعتهم، في حرب ليست فيها مصلحة لأهل الإسلام. فلهذا فالنبي عليه الصلاة والسلام، مع أنه أقوى من قريش في ذلك الوقت، إلا أنه عقد صلحا. وقد عقد صلحا مع اليهود في المدينة، عقد صلحا مع اليهود في المدينة، مع اليهود الذين كانوا في المدينة: بنو قينقاع، وبنو قريظة، وبنو النضير، عقد النبي صلى الله عليه وسلم معهم صلحا على عدم القتال. فالصلح مع الكفار يجوز، ولو مع المحاربين، ولو كان أيضا أهل الإسلام أقوى منهم، إذا وجدت المصالح المترتبة على هذا الصلح، فلا بأس أن يصطلح. كما قال العلماء: لا بأس أن يصطلح من يصطلح مع الكفار لأجل ما هو أعظم من هذا، وحتى لا... وحتى يتهيأ أهل الإسلام لذلك الجهاد ويعدون له، فلا يتسرعوا. الله عز وجل قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾. فإذا كان صلح، هناك الصلح هذا يهيئ أهل الإسلام للاستعداد. أيضا قال العلماء: أنه لا يكون هذا الصلح مطلقا، لأن العداوة بين المسلمين وبين الكفار لابد، وأيضا إرغام الكفار على الإسلام لابد، لكن كل شيء في وقته. فهذا لا يكون الصلح مطلقا إلى الأبد، لا، ما يكون إلى الأبد أبدا، لابد يكون مؤقتا، يكون مؤقتا، أو يفهم ما فيه أنه مؤقت، يفهم أن فيه مؤقتا. ولهذا هذا الصلح، كما سيأتي، جعله النبي صلى الله عليه وسلم، واتفق معهم على عشر سنوات، على عشر سنوات، لكنهم نقضوه في سنة واحدة، مرت سنة عليه، في السنة الثانية، وفي السنة الثامنة نقضوا العهد، أو هذا الصلح الذي فعلوه مع النبي عليه الصلاة والسلام، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم أوفى به أشد الوفاء، لكن الكفار نقضوا ذلك العهد، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. فنكتفي بهذا، ونسأل الله عز وجل أن يعز أهل الإسلام والمسلمين، ويذل الكفر والشرك وأهله، والحمد لله رب العالمين.