المحاضرة بعنوان المخدرات في ميزان الشرع، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم الجمعة 2 جمادى الأولى 1447هـ الموافق 24 أكتوبر 2025م ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يبيّن المقطع كيف تهدم المخدرات الضروريات الخمس (الدين، النفس، العقل، العرض، المال) بتضييع الصلوات، وإبطال الصوم، وارتكاب المحرمات، وإزهاق الأنفس، وذهاب العقول.
يعرّف المخدرات لغوياً واصطلاحياً، ويستعرض أضرارها الجسدية والنفسية والاجتماعية، مؤكداً إجماع العلماء على تحريمها لكونها من الخبائث وأن ضررها أعظم من الخمر.
يصف المخدرات بأنها أم الخبائث وسبباً رئيسياً لتدمير الأجساد والعقول، وتمزيق الأسر، وإضاعة الشباب، مستدلاً بتحريم إلقاء النفس في التهلكة ووجوب مواجهتها.
يختتم المتحدث بدعاء الله أن يحفظ الدين، وأن يتوفى المسلمين على الإسلام، مع طلب خاص بحماية الأبناء والشباب من آفة المسكرات والمخدرات وسائر الشرور.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. له الحمد حتى يرضى، وله الحمد إذا رضي، وله الحمد بعد الرضا. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، البشير النذير، والسراج المنير، الذي هدى الله به من الضلالة، وبصر به من العماية، تركنا على مثل البيضان، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، ولا يتبعها إلا كل منيب سالك. أما بعد، أيها الأحبة في الله، فكما سمعتم عنوان هذه الكلمة، ألا وهو: المخدرات في ميزان الشرع. ومما ينبغي أن نعلمه جميعاً، أيها الأحبة في الله، أن موضوع المخدرات يعتبر من أهم المواضيع، ومن أشدها خطراً على الأفراد والمجتمعات. وإن إقامة مثل هذه الندوات يعتبر مساهمة في بناء الفرد الصالح الذي يشكل لبنة في بناء هذا المجتمع، ويعتبر عضواً في هذه الأمة، فيؤمن بربه عز وجل، ويسخر حياته كلها من أجل هذا الدين: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. أيها الأحبة في الله، إن موضوع المخدرات أصبح مشكلة تؤرق العالم كله، شرقيه وغربيه، وخطرها على العالم الإسلامي خطر ملحوظ وهكذا ملموس، خصوصاً أن العالم أصبح اليوم يعيش وكأنه قرية واحدة، فما يقع في أقصاه من أحداث ومجريات يتأثر بها من يعيش في أدناه. وهكذا، أيها الأحبة في الله، هذا الأمر يستدعي ضرورة بذل المزيد من الجهود، وذلك لإحكام الرقابة على مواطن الريبة، وهكذا القضاء على عناصر الفساد، وضرورة القيام بجهود متواصلة من التوجيه والإرشاد والبيان، ولتكون هذه الجهود سداً منيعاً في وجه دعاة الضلالة، وهكذا مروجي الرذيلة. وما إقامة مثل هذه الندوات التوعوية إلا مشاركة في إصلاح الأفراد، وهكذا إصلاح الأسر والمجتمعات. وكما يعلم الجميع أن ديننا أوجب علينا حماية ضروريات خمس، هذه الضروريات الخمس يجب العناية بها وحمايتها: أولها هو الدين، وثانيها هي النفس، وثالثها هو العقل، ورابعها هو العرض، وهكذا خامسها هو المال. والمخدرات بدورها تقوم بهدم هذه الضروريات وتقضي عليها. فمن آثارها المحسوسة أن متعاطيها يضيع الصلوات ويتبع الشهوات. متعاطي المخدرات تجده لربما يفسد ويبطل صومه، وهكذا يرتكب من المحرمات والمنكرات الشيء الكثير دون خجل أو حياء، دون خجل أو حياء. وهكذا المخدرات تعتبر سبباً كبيراً لإزهاق النفوس، إذ أن الكثير من المتعاطين، ناهيك عن المدمنين، تجده لربما ينتحر فيقتل نفسه، أو يقتل غيره، أو يقتل غيره. والإحصائيات التي يذكرها أرباب الاختصاص في هذه الجنايات التي تتعرض لها النفوس تعتبر من الشواهد على هذا الأمر. وهكذا، أيها الأحبة في الله، تأثيرها، تأثيرها على العقول، على العقول، مما لا يخفى على كل ذي عينين، فضلاً عمن ألقى السمع وهو شهيد. فمعلوم لدى الجميع أن من غاب عقله، فعلى الأفاعيل وهو لا يدري. وهكذا من غاب عقله هان عليه عرضه، من غاب عقله هان عليه عرضه وأصبح رخيصاً، وأتلف من الأموال، سواء ما له الخاص أو ما لغيره من الناس أو الأموال العامة. فكم من غني بسبب المخدرات افتقر، وكم من عزيز بسبب المخدرات ذل واحتقر. فكم هي جناية هذه المخدرات على الأفراد، وهكذا على الأسر والمجتمعات. أيها الأحبة في الله، المخدرات وما أدراك ما المخدرات. في لغة العرب مأخوذة من الخدر، وهو الضعف والكسل والفتور والاسترخاء. يقال: تخدر العبد إذا استرخى، فعندها لا يطيق الحركة. وهكذا من المعاني التي تأتي بها المخدرات في لغة العرب: تأتي بمعنى البرودة، وهكذا لها معاني أخرى. وأما في اصطلاح العلماء فقد تنوعت عباراتهم وتعددت تعاريفهم في تعريف هذه المخدرات، كما تجد ذلك في الموسوعات الفقهية، وهكذا في كتب الفروق وغيرها. وإن مما يجمع شتاتها، وهكذا يضم تفرقها، ما ذكره بعض أهل العلم معرفاً لهذه المخدرات: أنها كل مادة خام أو مستحضرة، ومعنى مستحضرة أي أنها مصنعة، تحتوي على عناصر منبهة أو مسكنة، من شأنها إذا استخدمت في غير الأغراض الطبية، وهكذا الأغراض الصناعية، أنها تؤدي إلى حالة من التعود، إلى حالة من التعود أو الإدمان عليها، مما يضر بالفرد والمجتمع جسدياً، وهكذا نفسياً، وهكذا اجتماعياً. المخدرات في حكم الشرع هي تعتبر من المحرمات، فإن الله عز وجل ما أحل لعباده إلا الطيبات. قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾. قل أحل لكم الطيبات. وأخبر سبحانه وتعالى عن خير البرية وأزكى البشرية، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله، فقال: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾. هذا هو نبي الأمة ونبي الرحمة، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وإذا كانت الخمر مما علم تحريمها، واتفق العلماء على تحريمها لما فيها من الأضرار والمفاسد، مع ما قد يكون موجوداً فيها من المنافع، لكن ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾. ألا أيها الأحبة في الله، إن المخدرات أعظم ضرراً وأشد فتكاً بالأفراد، وهكذا بالأسر، وهكذا بالمجتمعات. وقد نقل غير واحد من أهل العلم، كشيخ الإسلام ابن تيمية، وهكذا غيره، اتفاق العلماء على تحريم هذه المخدرات وهذه المفترات، فإنها أضرارها على الدين، وهكذا أضرارها على الأنفس. كم هم ضحايا المخدرات من الشبان، وهكذا من كبار السن. بل أعجب من ذلك انتشار المخدرات في أوساط النساء والبنات، وهكذا انتشارها اليوم أصبح كانتشار النار في الهشيم، كانتشار النار في الهشيم. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حرم ما يضر بالأديان، وهكذا بالأنفس، وهكذا أيضاً بالعقول والأعراض والأموال. وتعرض المخدرات للعقول تعرضاً مباشراً، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام». وهكذا ربنا عز وجل يقول: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. أيها الأحبة في الله، المخدرات وما أدراك ما المخدرات، أصبحت اليوم هي آفة المجتمعات، هي أم الخبائث، هي أصل الشرور، هي أصل كل بلية ورزية، وأساس كل رذيلة. المخدرات تهتك الأستار وتظهر الأسرار، وتنقل صاحبها من صحبة الأخيار إلى أن يكون مجالساً لجماعة الأشرار. فهي تعتبر داءاً عضالاً ومرضاً خطيراً ينخر في الأجساد، وهكذا مآله إلى تمزيق الأسر وتخريب المجتمعات. المخدرات طريق سريع إلى الوقوع في الموبقات والمهلكات. المخدرات تعتبر سبيلاً للوقوع في المحرمات، فكم هي ممزقة للحياء والمروءة، وإذا لم تستحي فاصنع ما شئت، كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. اعلموا رحم الله إياكم أن هذه المخدرات كم تطفئ شمعة الغيرة في هذه الصدور، فتجد متعاطي المخدرات ضعيفة وقليلة الغيرة، إن لم يكن قد انعدمت منه انعداما كلياً. المخدرات تعتبر انتحاراً بطيئاً، تعتبر إزهاقاً للروح المعصومة، وهكذا تعتبر مهلكة للأجساد. فحقيقة هذه المخدرات أنها حاضر مسموم ومستقبل مجهول، وصاحبها للأسف الشديد مآله إما إلى الانتحار وإما إلى السجون. يقول ربنا عز وجل: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. وربنا عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ رحيمة. المخدرات كم كانت سبباً لإزهاق النفوس وتدنيس الأعراض، وهكذا ضياع الأموال، وهكذا تعطيل العقول، وهكذا تمزيق الأسر. فيا لله، كم أبكت المخدرات وأحزنت من الآباء والأمهات، كم أبكت وكم أحزنت. كم هذه المخدرات جعلت كثيراً من الزوجات أرامل، ومن الأمهات ثكالى. كم أفقرت بعد غنى، وأذلت بعد عزة. وهكذا كم حرمت أناساً من النعم، وجلبت لهم من المآسي والنقم. هذه المخدرات التي تنتشر اليوم في أوساط المجتمعات، ومن ذلك المجتمعات المسلمة. أحبك في الله. بسبب المخدرات كم فقدنا شباباً في عمر الزهور، ضحية المخدرات. ومن زار السجون وجد شباباً في ربيع أعمارهم بين القطبان، يتأسفون ويعضون على أصابع الندم. أين دراستهم وتعليمهم؟ أين خدمتهم ونفعهم لأهاليهم؟ أين المجتمع الذي ينتظر خيرهم وينتظر فائدتهم؟ كل ذلك قامت المخدرات بإحراقه وبإزهاقه. كم من البنات العفيفات التي استدرجنا حتى وقعنا في لهيب المخدرات، لهيب المخدرات، وأصبح الثمن هو العرض. هذا الذي يطلبه عصابات الشر، وهكذا أرباب الفساد، بطرق ماكرة ووسائل خطيرة، من خلالها يستطيع أن يتوصل إلى شبابنا وإلى شاباتنا. يروجون هذه المخدرات اليوم في المدارس والجامعات التي تحتضن الشباب، وهكذا أيضاً الشابات. ولهذا، أحبتي في الله، الواجب أن نقف جميعاً في وجه هذه الشرور وهذه المحرمات التي تأتي إلى بلادنا من أجل الإضرار بأبنائنا وبناتنا، لكي ينشأ جيل مخدر، جيل منهك، جيل ليس عنده من القوة والغيرة ما يستطيع أن يدافع به عن الدين، أو عن النفس، أو عن العقل، أو عن العرض، أو عن المال. فهذه كلمات أحببت المشاركة بها في هذه الندوة التوعوية حول ما يتعلق بالمخدرات وأثرها، وهكذا حكم الشرع فيها. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يحفظ علينا ديننا، وأن يتوفانا مسلمين، وأن يحفظ أبناءنا وشبابنا وشباب المسلمين من خطر المسكرات والمخدرات وغيرها من الشرور والآفات. إنه سميع مجيب الدعاء. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.