الدرس في تفسير سورة عبس من تفسير الجلالين 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع تفسير الآيات من سورة عبس، موضحًا معاني "كلا" و"تذكرة" و"الصحف المكرمة". يبين أن الله تعالى هيأ سبل العظة لمن يريد الهداية وأن الصحف تحتوي على الآيات القرآنية.
يصف صفات الملائكة حاملي القرآن بأنهم كرام بررة، ويستنبط أن حامل القرآن ينبغي أن يتصف بصفات تميزه. كما يتحدث عن دلالة خلق الإنسان على الإيمان بالبعث والنشور.
يستدل النص القرآني على قدرة الله على البعث والنشور بمراحل خلق الإنسان، ويتساءل عن قدرة الله على إعادة خلقه بعد الموت. يفسر العلماء الآيات المتعلقة بمراحل خلق الإنسان ويربطونها بقدرة الله.
يفسر النشر في القرآن بالبعث، مستدلًا بقوله تعالى ﴿فإذا أنتم بشر تنتشرون﴾، حيث تأتي "تنتشرون" بمعنى "تبعثون".
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى عند قول الله ﴿كلا إنها تذكرة﴾، قال "كلا" لا تفعل مثل ذلك، والخطاب لرسول الله عليه الصلاة والسلام. قال "كلا" لا تفعل مثل ذلك. إنها، أي سورة أو الآيات، إنها الضمير كما قال العلماء، إما أنه يعود لهذه الآيات التي فيها الوصية بضرورة التسوية في باب الإنذار، أو أنها، أي سورة "عبس". قال إنها، أي سورة والآيات، تذكرة، عظة للخلق، أي عظة لمن يتعظ. قال ﴿فمن شاء ذكره﴾ حفظ ذلك فاتعظ به، أي من أراد العظة سيجدها لمن أراد أن يتعظ، لمن أراد أن يتعظ. فإن الله عز وجل قد هيأ سبل العظة، وهذا كما في قوله تعالى ﴿وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾، ومن قوله تعالى ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم﴾. فمن أراد الهداية، من أراد الاستقامة، من أراد أن يتذكر، من أراد أن يخشى، قد هيأ الله عز وجل له الأسباب. لكن أقدم، أقدم أنت. ولهذا من الخطأ أن من الناس يقول إن الله ما هداني. أن تسعى يا عبد الله للهداية ستأتيك. والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا. قال ﴿فمن شاء ذكره حفظا ذلك فاتعظ به﴾. قال "في صحف" وهذه السورة أو هذه الآيات أين موجودة؟ قال سبحانه "في صحف"، خبر ثان لأن ما قبله اعتراض. قال "في صحف مكرمة"، عند الله، وهذه الآيات وهذه الآيات والسور موجودة في الصحف. قيل إن المقصود بالصحف هي اللوح المحفوظ، هو اللوح المحفوظ. وقيل بأن الصحف هي الصحف التي بأيدي الملائكة، التي بأيدي الملائكة، كما هو ظاهر. فهذه الآيات وهذا القرآن موجود في صحف. قال "في صحف مكرمة"، "مرفوعة"، "مطهرة"، مرفوعة في السماء، أي في السماء السابعة، وهذا إذا قلنا بأن الرفع هاهنا رفع حسية. لأن هذه الآية تحتمل في وصف هذه الصحف أنها مرفوعة، إما مرفوعة حسا، أي مرفوعة إلى السماء السابعة، أو أنها مرفوعة معنا، فيها رفعة القدر والرتبة، ما هناك شيء يوزيها ولا يدانيها. وكل المعنيين صحيح، وإليهما أشار الإمام البغوي رحمه الله تعالى في تفسيره إلى هذا وإلى هذا، إلى أن هذه الصحف مرفوعة حسا ومعنا، مرفوعة في السماء ومرفوعة قدر المرتبة. قال "مطهرة"، أي من وصف هذه الصحف أنها مطهرة، بمعنى قال منزهة عن مس الشياطين، أي لا تستطيع الشياطين أن تصل إليها، فضلا أن تحدث فيها شيئا من زيادة أو نقصان أو تحريف أو تغيير أو تبديل. فهذه الصحف طهرت، ولهذا جاء في وصفه ربنا عز وجل لها ﴿لا يمسها إلا المطهرون﴾، وهم الملائكة، فهي طاهرة ولا يمسها إلا طاهر. قال "في صحف مطهرة"، "بأيدي سفرة"، قال "كرام بررة". مطيعين لله تعالى، وهم الملائكة. ووصف الله عز وجل هذا الصف من الملائكة بأنهم "كرام"، والكريم هو الشريف في جنسه، الكريم هو الشريف في جنسه. فهؤلاء الملائكة كرام في أخلاقهم وفي خلقهم وفي خلقتهم، من كل جوانب التكريم كرمهم الله. ولهذا قال ربنا في آية أخرى ﴿كراماً كاتبين﴾، كراماً كاتبين. فالملائكة كرام بررة، أي مطيعين. الشاهد أن هذه الصحف تولاها صنف خاص من ملائكة الله، فهم سفرة بررة، وأنهم كذلكم بررة كرام. ومن هنا فائدة أشار إليها ابن كثير رحمه الله تعالى، فيه بيان على أن الذي يحمل القرآن ينبغي أن يتصف بمثل هذه الصفات التي تميزه عن غيره. لما كانت الملائكة هؤلاء خصوا بحمل هذه الصحف، فميزهم الله بهذه الصفات العظيمة، كذلكم الذي يحمل القرآن من أهل الدنيا ينبغي أن يتميز بالرشاد وبفعل الصواب. قال "قتل الإنسان"، قال "لعن الكافر"، ما أكفره، استفهام توبيخ، أي ما حمله على الكفر. في قوله تعالى ﴿قتل الإنسان﴾ هنا، قال "لعن الكافر" هناك. قاعدة من القواعد الكلية ذكرها بعض العلماء، كما جاء ذلك في قول مجاهد رحمه الله تعالى، بأن أي آية أي آية تمر عليك في القرآن فيها "قتل الإنسان" أو "فعل بالإنسان"، تحمل على الكافر، تحمل على الكافر. وقد أشار كذلك بن عاشور رحمه الله تعالى إلى أن هذه القاعدة أغلبية، أنها قاعدة أغلبية. فقول لهذا قال المؤلف "قتل الإنسان"، "لعن الكافر"، فالخطاب للكفار. قال "ما أكفره"، أي ما حمله على الكفر من أي شيء خلقه. قال استفهام تقرير، أي من أي شيء خلقه، أي الإنسان، ما الذي حمله على الكفر؟ ما أكفر، وخاصة في قضية البعث، في قضية النشور، في قضية الدار الأخرى، في مسائل القيامة، ما أكفر؟ ما الذي حمله على أن يكفر بهذا اليوم؟ ولهذا قال ربنا عز وجل ﴿من أي شيء خلقه﴾. ستأتي الآيات الآن في بيان خلق الإنسان. في خلق الإنسان ما الشاهد؟ الشاهد من هذا فائدة في أحد موطنين، الفائدة الأولى أن الله عز وجل يبين حال هذا الجاحد المستكبر الكافر، "لعن الكافر"، "ما أكفره"، مع استكبارك وإيبائك، انظر من أنت، من أنت؟ انظر إلى خلقتك، ما الذي خلقك؟ ما الذي أوجدك؟ من ماذا خلقت؟ فهذا التذكير لحال الإنسان قبل أن تنهض وتزاحم رب الأرض والسماوات، وتزاحم رب الأرباب في أمره ودينه وفي خلقه وشريعته، انظر من أنت؟ فهذه الآيات ستأتي في بيان حقيقة هذا الكافر المتمرد، ولينظر إلى أصله فيعرف قدر نفسه. والأمر الثاني من هذه الآيات الآتية في بيان خلقة الإنسان، أن فيها إشارة إلى دلالة عقلية للإنسان أن يتفكر في حال نفسه حتى يؤمن بعدم استحالة البعث والنشور. لماذا تستصعب يا أيها الكافر البعث والنشور؟ انظر لنفسك، أنت ماذا كنت؟ ارجع، ارجع، ارجع إلى ماضيك، أين كنت؟ أين كنت؟ ستعترف كنت نطفة، مني ما قذر، ما مهين، كنت لا شيء، ثم ماذا أصبحت؟ أصبحت الآن متكلما، متعجرفا، بقواك، ببطشتك، بكبريائك، واستعلائك على ربك. ها أنت لحما ودما وعظاما، سميعا بصيرا، متكلما. كنت بالأمس نطفة، من الذي حولك؟ من الذي غيرك؟ من الذي أنشأك؟ الله جل وعلا. فالله القادر على هذا هو قادر على أن يعيدك، هو قادر على أن يعيدك، وأنت أصبحت عظما باليا، أو من عجب الذنب. فهذا الشاهد من تذكير الله عز وجل في هذه الآيات لهذا الكافر إلى أصل خلقته، لبيان مقدار نفسه، وثانيا لمعرفته لقدرة الله على إعادة الأجساد. قال ﴿من نطفة خلقه فقدره﴾، من نطفة، أي الماء المهين، هذا بداية الخلق. قال "قدره"، قال "علقة"، ثم "مضغة"، ثم إلى آخر خلقه، هذا معنى "قدره"، أي قدره أحوال، أطوارا، هذا قول. ومن بعض المفسرين من يرى أنه "من نطفة خلقه فقدره"، أي أنه بعدما أن خلقه من نطفة، قدر رزقه وأجله وعمله، كما جاء في الأحاديث الصحيحة، يحمل على هذا وعلى ذاك. قال "ثم السبيل" أي طريق خروجه من بطن أمه، "يسره"، أي بعدما أن الله عز وجل أوجد الإنسان نطفة، ثم جعله أطوارا، مضغة، ثم علقة، ثم جنينا، ثم بعد ذلك الطريق يسره، أي أخرجه من بطن أمه. هذا على قول، وهذا على قول. وقول أكثر العلماء على أن هذه الآيات تتعلق "ثم السبيل يسره"، أي السبيل الخروج من بطن أمه، خرج الله عز وجل خروجه بكل أريحية. لكن هناك قول آخر جاء عن بعض العلماء، كمجاهد والحسن، أن المقصود هاهنا "ثم السبيل"، المقصود بالسبيل هنا سبيل الخير والشر، سبيل الخير والشر. وستدل بقوله تعالى ﴿إن هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا﴾. فأن الله عز وجل هيأ للإنسان سبيل الخير، أرسل لك الرسل، وأنزل لك الكتب، وأعطاك الفطرة، وأعطاك العقل الصحيح، وأتاك بالكتب المنزلة، أعطاك سبل كثيرة تيسر لك سبيل الخير. فالله عز وجل خلقك، ثم هداك، ويسر لك. قال "ثم أماته فأقبره"، قال جعله في قبره يستره، جعله في قبر يستره. أقبره المباشر للدفن، يقال عنه قابر، قابر. وهنا يذكر ربنا عز وجل أنه الذي يميت العباد، فهو يقبض الأرواح، جل في علاه، ما شاء أماتك، ثم أقبرك. وهذا من نعمة الله، من نعمة الله أن الله كرم الإنسان بالقبر، هذه نعمة. ما جعله الله عز وجل كحال السباع التي تموت فترمى على قارعة الطريق، وعلى سطح الأرض، فتتعفن الجثث. قال "ثم أماته فأقبره"، أي جعله في قبر يستره. "ثم إذا شاء أنشره"، وهذه الآية جاءت بقول "إذا شاء"، لأن هذا لم يحدث، وإنما يحدث يوم البعث. قال للبعث، أي جعله ماذا؟ جعله منشورا. "ثم إذا شاء أنشره"، والنشر من معانيه البعث، كما قال سبحانه وتعالى ﴿فإذا أنتم بشر تنتشرون﴾، جاءت "تنتشرون" بمعنى تبعثون. فنكتفي إلى هذا الحد، إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.