تفسير سورة عبس من تفسير الجلالين 1

تفسير سورة عبس من تفسير الجلالين 1

الدرس في تفسير سورة عبس من تفسير الجلالين 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

سبب نزول سورة عبس وتفسير الآيات الأولى

نزلت سورة عبس بسبب تأفف النبي صلى الله عليه وسلم من عبد الله بن أم مكتوم الأعمى، حيث كان منشغلاً بدعوة كبراء قريش. عاتب الله النبي على تصرفه هذا في الآيات الأولى من السورة.

تفسير موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من الأعمى والأغنياء

يتناول المقطع تفسير الآيات التي تتحدث عن موقف الرسول من الأعمى الذي جاءه يسأل وعن الأغنياء الذين استغنوا عن الإيمان، مع شرح دلالات القراءات المختلفة للآيات.

ختام الدرس والصلاة على النبي

أنهى الشيخ درس اليوم ووعدهم بمتابعة الآيات في الدرس القادم، ثم ختم الدرس بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: سورة عبسة، هذا الشروع إخواني في الله في هذه السورة، وهي ثالث سور جزء عمّة، بعد الانتهاء من سورة عمّة والنازعات، ها نحن في هذا المقام نشرع في السورة الثالثة، وهي سورة عبسة، وهذا اسمها كما هو مصطر في المصاحف وفي كتب التفاسير والسنة، سورة عبسة. ومنهم من توسع فيذكر لهذه السورة عدة أسماء، فيسميها بسورة الصاخة، ويقال عنها أيضًا بسورة الأعمى، وبسورة السفرة. وهذه التسميات التي سمعتموها: الصاخة، والسفرة، والأعمى، إنما هي عبارة عن كلمات وجدت في هذه السورة، فسميت بها. لكن كما قلنا، الأكثر والأشهر أنها سورة عبسة. قال مؤلف رحمه الله تعالى: سورة عبسة مكية، وهذا بالاتفاق وبالإجماع أن سورة عبسة مكية، مضى معنى في أوائل الدروس مكية بمعنى أنها نزلت قبل الهجرة. قالوا: آياتها اثنتان وأربعون آية. قال: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم عبس وتولى﴾، قال: عبس النبي صلى الله عليه وسلم، كَلَحَ وجهه وتولى، أعرض. بدأت هذه الآية أو هذه السورة بهذه الآية: عبس وتولى، الخطاب في حق نبينا عليه الصلاة والسلام، ولكن تأمل يا عبد الله كيف الخطاب؟ قال ربنا: عبس، من هو؟ هو، أي جاءت هذه الكلمة على ضمير الغيبة، لم يكن الخطاب مباشرة إلى رسول الله، لم يقل الله: عبست، وإنما قال: عبس، أي هو. لماذا؟ تلطفًا وتأدبًا سبحانه وتعالى، لكي يعلم أهل الإسلام في كيفية التأدب مع رسول الأنام عليه الصلاة والسلام، فما خاطبه ربنا مباشرة، وإنما أجعل الفعل إلى الضمير. قال: عبس وتولى، وما الفرق بين عبس وتولى؟ عبس: أي بوجهه، وتولى: أي ببدنه. عبس بوجهه وتولى ببدنه. قال: لأجل أن جاءه الأعمى، قال: عبد الله ابن أم مكتوم، وقد وصفه الله عز وجل بالعمى لبيان عذره. قال: فقطعه عما هو مشغول به ممن يرجو إسلامه من أشراف قريش، الذي هو حريص على إسلامهم، ولم يدر الأعمى أنه مشغول بذلك، فناداه: علمني مما علمك الله. فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته، فعوتب في ذلك، فعوتب في ذلك بما نزل في هذه السورة. فهذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى هو السبب الذي لأجله أنزلت هذه الآيات، وقد صح ذلكم من أحاديث عدة من أصحاب رسول الله. فقد صح عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: أنزلت عبس وتولى في ابن أم مكتوم الأعمى، قالت: أتى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: يا نبي الله أرشدني، وعند النبي صلى الله عليه وسلم رجل من عظماء قريش، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عنه ويقبل على الآخر. إذن، هذه الآية فيها بيان لما حصل في هذا الموقف، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان منشغلًا بدعوة أُناس من عظماء وأشراف قريش يطمع في إسلامهم، فجاء هذا الأعمى وهو أعمى بمعنى لا يدري بما يجري، فأخذ ينادي: يا نبي الله، يا رسول الله، علمني، أرشدني، وما تفطن لانشغاله عليه الصلاة والسلام في أمره في أمر دعوته. فوجد نبينا في نفسه ما وجد، إذ أن هذا لم يختر الوقت المناسب، وأن ما فيه نبينا هو أولى بأن يطمع في إسلام العظماء والكبراء والأعيان من هؤلاء، لأن بإسلامهم سيسلم الكثير. فلما صار هذا من نبينا ما صار، أنزل ربنا عز وجل هذه الآيات: ﴿عبس وتولى أن جاءه الأعمى﴾. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فكان بعد ذلك يقول له، أي بعد نزول هذه الآيات، أخذ نبينا يقول لابن مكتوم الأعمى: يقول له إذا جاء: مرحبا مرحبا بمن عاتبني فيه ربي، ويبسط له رداءه. لكن هذه الزيادة التي ذكرها المصنف رحمه الله تعالى في أن النبي بعد ذلك أخذ يرحب ويقول: أهلًا ومرحبا بمن عاتبني فيه ربي، ويبسط رداءه، هذا لم يصح، إذ أنه جاء من حديث أنس رضي الله تعالى عنه، ورواه الديلمي في الفردوس، لكن من غير سند. فشاهد إخواني في الله أننا لا نقول بالزيادة، لكن يكفينا سبب النزول، أن نزول هذه الآية فيما وقع من أن النبي عوتب في هذا المقام. مع التنبيه إخواني في الله على أن الذي فعله نبينا صلى الله عليه وسلم كما أشار إلى ذلك جماعة من أهل العلم، لا ينبغي أن يتخذ مطعنًا أو مغزى في حقه عليه الصلاة والسلام. فالذي فعله نبينا كان لمصلحة عظيمة من مصالح أهل الإسلام، أن كان طامعًا في أن يسلم فلان وفلان من الكبراء، ولا شك أن إسلام هؤلاء سيفتح الله عز وجل على أيديهم من النصر ومن الظفر على الإسلام ما ليس على أيدي غيرهم. ولهذا كان جماعة من أهل العلم من يرى أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل الذي ينبغي أن يفعل، وهو أن ينشغل بأمثال هؤلاء. إلا أن الله عز وجل أراد لنبينا الأكمل في حقه والأفضل في مقامه عليه الصلاة والسلام أن يساوي الجميع، كما أشار إلى ذلك ابن كثير في تفسيره، أي أن الله أراد أن يرشد نبيه إلى أن يساوي الجميع في النذارة، لا يخص طائفة على طائفة. قال: ﴿وما يدريك لعله يزكى أو يذكر﴾، قال: فيه إدغام التاء في الزاي، الأصل في الزاي أي الأصل الكلمة: لعله يتزكى، يتزكى، لكن أضغمت يزكى. قال: فيه إدغام التاء في الزاي، أي يتطهر من الذنوب بما يسمع منك أو يذكر. قال: فيه إدغام التاء في الزاي، يذكر، أصلها: يتذكر، يتذكر، فأضغمت التاء في الزاي: يذكر. قال: أن يتعظ، فتنفعه الذكرى، العظة المسموعة منك. وفي قراءة بنصب: فتنفعه، جواب الترجي. أي أن هذه الآية تقرأ على لفظين: فتنفعه، فتنفعه. نحن في قراءتنا قراءة عاصم بالنصب: فتنفعه الذكرى، بالنصب على تقدير أن مضمرة بعد فاء السببية. وفي قراءة غيرنا بالضم على العطف: أو يذكر فتنفعه على العطف. فوكل القراءتين قرأ بها. إذن، في قوله تعالى: ﴿وما يدريك﴾، أي يا محمد، يا رسول الله، حين أن أعرضت عن هذا الأعمى، وما يدريك لعله يذكى أو يذكر، أي أنك حينما أعرضت عن هذا الأعمى حين جاءك مناديًا سائلًا مستفهمًا، فإنك لو أقبلت عليه ستجده أنه لربما طلب منك زكاة يتزكى من أفعاله ومن أقواله، أو أنه يتذكر. وهذا إخواني في الله في هذه الآية بيان لعظيم فوائد مجالس الذكر وموائد العلم، فإن صاحبها لن يعدم من أحد هذين الأمرين. فإن من أقبل على حلق العلم وعلى مجالس العلم، إما أنك تتزكى، التزكية هي الزيادة، تتزكى زيادة في أخلاقك، زيادة في آدابك، زيادة في أقوالك، زيادة في عباداتك، زيادة في اعتقاداتك، تزداد علمًا، تزداد هديًا، تزداد خلقًا، تزداد. تتزكى في هذه المجالس. وإن لم تتزكى، وإن لم تزداد باستفادة شيء من العلوم الزائدة، أقل التقدير أنك تتذكر، تأتيك الذكرى، نذكرك وتتذكر بأشياء قد مرت عليك، لكن عفى عليها الزمن بنسيان أو بغفلة. قال: ﴿أما من استغنى فأنت له تصدى﴾، قال: بالمال، لأن من كان في المجلس هؤلاء من العظماء ومن الأغنياء. فقال المؤلف: فاستغنى بالمال، أو يكون استغنى عن الرسول بالإيمان، لا يشترط أن نقيد هذا الاستغناء بالمال، قد يكون استغنى بالإيمان، لأن هؤلاء تكبروا وترفعوا عن الإيمان وعن الإسلام، كأنهم استغنوا عنه. هؤلاء الذين استغنوا عن الإيمان، قال عنه ربهم: ﴿فأنت له تصدى﴾، أنت له تصدى، قال: وفي قراءة بتشديد الصاد بإدغام التاء الثانية في الأصل، أي تتصدى. قال: أي تقبل وتتعرض، يعني أنت يا رسول الله، من جاءك على هذا الوصف، وناس قد استغنوا، استغنوا بأموالهم، استغنوا عن الإيمان بك، ولا يبالون بدينك، ولا بشريعة ربك، أنت مع هؤلاء تتصدى، تقوم إليهم وتقف أمامهم وتعرض، يعني الإسلام بين أيديهم. قال: ﴿وما عليك أن لا يزكى وما عليك﴾، علماء: نافية، أي لا شيء عليك إذا لم يسلموا، ما عليك شيء إذا هؤلاء الذين أعرضوا عن الدين وعن الملة إذا استغنوا عنك فماتوا كفارًا، أنت ليس عليك أذية أو أن لا عليك حساب أو عقاب في موضوع جحودهم وكفرانهم، كما قال ربنا: ﴿ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء﴾، ليس عليك هداهم الذي تولى وأعرض واستكبر واستغنى وتصدى، أنت ليس عليك يا محمد في أنك تتبعهم واحدًا تلو الآخر، فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمن بهذا الحديث أسفًا. قال: ﴿أما من جاءك يسعى وهو يخشى الله فأنت عنه تلهى﴾، قال: حال من فاعل جاء، وهو يخشى الله، حال من فاعل يسعى، وهو الأعمى، أي على خلاف ذلك. إذا كان حالك يا رسول الله مع هؤلاء الذين استغنوا عنك وعن دينك أنت تقوم بالاعتراض لهم، ثم بالمقابل من جاءك هو بنفسه راغب، جاءك يسعى بنفسه، جاء جاهدًا قاصدًا لك، وهو يخشى الله سبحانه وتعالى، قال: ﴿فأنت عنه تلهى﴾، أي أنت تتشاغل، قال: تتلهى، فيها حذف التاء الأخرى في الأصل، أي تتشاغل، أي فأنت عنه تتلهى. قال: ﴿كلا لا تفعل مثل ذلك﴾، سيأتي معنا إن شاء الله في درس غد التكملة لهذه الآيات ولهذه الواقعة التي وقعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.