الدرس في باب الإخلاص وإحضار النية من رياض الصالحين 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستهل الدرس بالثناء على كتاب رياض الصالحين للإمام النووي واصفاً إياه بحدائق مثمرة للعلم والعمل، مبيناً عناية العلماء كابن باز وابن عثيمين بشرحه. ثم يُقرأ مطلع الكتاب حيث يفتتح النووي بالحمد والثناء على الله مستهلاً ببراعة الاستهلال التي تذكر بفضل الزهد والمراقبة والاستعداد للآخرة.
يوضح المؤلف أن الغاية من خلق الجن والإنس هي عبادة الله وحده لا الاستغراق في ملذات الدنيا الفانية، محذراً من إهمال الواجبات والانشغال بالشهوات، ومذكراً بأن الدنيا دار زوال لا خلود فيها وأن الأنبياء لم يخلدوا فيها، لذا يجب الاعتناء بالعلم النافع والعمل الصالح والتأهب للآخرة.
يصف المقطع الدنيا بأنها ممر مؤقت يشبه المطر الذي ينبت الزرع ثم ييبس سريعاً، ويؤكد أن الموت يفصل الإنسان عن ماله وزينته فيصبح لا يملك منها شيئاً، لذا فإن العقلاء والزهاد هم من يجعلون الدنيا معبراً لا مستقراً.
يستشهد المتحدث بقول يصف العباد الفطناء الذين تركوا الدنيا خوفاً من الفتن، واعتبروها مجرد معبر وجعلوا الأعمال الصالحة سفناً للنجاة، مشيراً إلى أن الحديث سيكتمل في الدرس القادم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، فاخترنا في هذا الدرس في هذه الأيام بعد انتهائنا من أخطاء المصلين كتاب رياض الصالحين للإمام النووي رحمه الله تعالى، وننتقي من فوائد شرح العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله. فكِتاب رياض الصالحين كاسمه، الرياض هي الحدائق البهية النظرة التي تقر بها العين عند رؤيتها. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الترمذي من حديث أنس: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا»، قيل: وما رياض الجنة يا رسول الله؟ قال: «حِلَق الذكر». فرياض الصالحين أي الحدائق المثمرة الطيبة التي يجني منها الناس أطيب الثمار وأنقى الأزهار ونحو ذلك. والصالحين: الصالح هو الذي استقام على دين الله عز وجل، فصلح في نفسه وأصلح غيره. وهذا الكتاب كتاب رياض الصالحين كتاب مبارك، العلماء رحمهم الله تعالى يوصون به ويعتنون به عناية كبيرة. فلذلك جمع من أهل العلم قام بشرح هذا الكتاب كتاب رياض الصالحين، منهم العلامة ابن باز وكذلك العلامة ابن العثيمين وغيرهما من علمائنا المعاصرين. فهو كتاب نافع في الترغيب والترهيب، وفي الزهد والتقلل من الدنيا، وفي اتباع سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهو عبارة عن أبواب متنوعة، ابتدأها المؤلف بآيات من كتاب الله، ثم يذكر بعد ذلك ما تيسر له من صحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإن شاء الله نقرأ في هذا الكتاب، فنذكر ما ذكره النووي، ثم ننتقي بعض الفوائد المهمة من شرح العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله. قال الإمام النووي رحمه الله في مقدمة كتابه رياض الصالحين: «الحمد لله الواحد القهار العزيز الغفار، الحمد لله الواحد القهار العزيز الغفار، مكور الليل على النهار، تذكرة لأولي القلوب والأبصار، وتبصرة لذوي الألباب والاعتبار، الذي أيقظ من خلقه من استفاه، فزهدهم في هذه الدار، وشغلهم بمراقبته وإدامة الأفكار، وملازمة الاتعاض والادكار، ووفقهم للدؤوب في طاعته والتأهب لدار القرار، والحذر مما يسخطه ويوجب دار البوار، والمحافظة على ذلك مع تغاير الأحوال والأطوار». هذا يسميه العلماء براعة الاستهلال. في هذه المقدمة إشارة إلى أن هذا الكتاب هو تذكرة، وهو تبصرة، وهو كذلك يزهد في الدنيا ويرغب في الآخرة، وكذلك يدعو إلى التأهب للدار الآخرة، وهكذا يحذر مما يسخط الله عز وجل ويوجب دخول النار، إلى غير ذلك مما أراد ذكره في هذا الكتاب. فهذا من براعة استهلاله رحمه الله تعالى. ثم قال: «أحمده أبلغ حمد وأزكاه وأشمله وأنماه، وأشمله وأنماه، وأشهد أن لا إله إلا الله البر الكريم الرؤوف الرحيم، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وحبيبه وخليله، الهادي إلى صراط مستقيم، والداعي إلى دين قويم، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين وآل كل وسائر الصالحين». وهذا أيضاً فيه ما درج عليه أهل التأليف من ابتداء تأليفهم بالحمد لله سبحانه وتعالى، والإقرار بالشهادة لنبينا عليه الصلاة والسلام بغي النبوة والرسالة. قال: «أما بعد، فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ﴾. وهذا تصريح بأنهم خلقوا للعبادة، فحق عليهم الاعتناء بما خلق له، والإعراض عن حظوظ الدنيا بالزهادة». وهذا فيه أن قراءة مثل هذه المواضيع والاعتناء بها مما هو من العبادة التي ينبغي للمسلم أن تكون هذه العبادة غايته، تكون هذه العبادة غايته وهدفه في هذه الحياة. فلم نخلق من أجل أن نأكل ونشرب ونغفل عن ذكر الله، ولم نخلق من أجل أن نرغب شهوات بطوننا وفروجنا فحسب، وإنما خلقنا لعبادة الله سبحانه وتعالى. ومن ذلك الاعتناء بأمور الدين وبالعلم وبما يصلح القلوب وما يحيي النفوس، ومن ذلك هذه المجالس، وأيضاً التذكير بالعلم النافع ونحو ذلك. قال: «فإنها أي الدنيا...» انظر الآن، كثير من الناس زهد في تعلم أمور دينه، زهد في الإقبال على ما يصلح قلبه، وانكبوا على الدنيا وشهواتها، فأعطوها جل أوقاتهم، حتى وكأنهم خلقوا من أجلها. ولربما تركوا الواجبات وارتكبوا المحرمات من أجل الدنيا، ولربما كذلك تركوا الصلوات وانهمكوا في الملذات، وكذلك ارتكبوا المحرمات من أجل هذه الدنيا، وغفلوا عن الغاية التي من أجلها خلقوا. فإن هذه الدنيا دار نفاد لا محل إخلاد. نفاد يعني زوال، لا يخلد فيها أحد. ولو كان أحد مخلداً في هذه الدنيا لخلد فيها أكرم الخلق وأفضل الخلق عند الله عز وجل، وهم الأنبياء والمرسلون. فقد خاطب ربنا نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾. قال: «ومركب عبور لا منزل حبور»، يعني منزل استقرار ودوام. وإنما هو مركب عبور. هذه الدنيا كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «ما لي وللدنيا، ما أنا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها». قال: «ومشرع عن فصام لا موطن دوام». فلهذا كان الأيقاظ من أهلها هم العباد، وأعقل الناس فيها هم الزهاد. هؤلاء هم العقلاء الفطناء الذين جعلوا هذه الدنيا ممراً ومعبراً لا محل خلود وكذلك بقاء. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. هذه حال الدنيا. حال الدنيا مثل الماء ينزل على الأرض الزراعية القابلة لنبت الزرع، فينبت الزرع مما يحتاجه الناس ويأكله الناس، ومما يحتاجه البهائم وتأكله البهائم. حتى إذا استوى هذا الزرع وصار غاية في الزخرف وكذلك الجمال والزينة، واعتقد أهلها وأيقن أهلها أنهم سيحصدون هذه الثمار قريباً لاشتدادها وكذلك نموها وقرب حصادها، فإذا بأمر الله عز وجل يأتي لهذا الزرع فتكون حصيداً كأن لم تغنَ بالأمس. أتتها ريح عاصف فاقتلعتها أو أحرقتها، فصارت حصيداً محصوبة كأن لم تكن شيئاً من قبل، كأن لم تغنَ بالأمس. فهذه آية ضرب الله عز وجل بها مثلاً لحال الدنيا. الإنسان في هذه الدنيا يعمر وكذلك يبني ويدخر، ويرى الدنيا مقبلاً عليه، عنده العمائر وعنده الأرصدة في البنوك والصرافات، وعنده السيارات الجميلة الطيبة. أي شيء الذي يفصل بينه وبين هذا الزخرف وهذه الأمور التي يتمتع بها أن يأتيه الموت، أن يأتيه الموت. إذا جاءه الموت خلاص، كما قال الله عز وجل: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُم وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ﴾. هذا هو أمر الله، أمر الله هو الموت. فصارت تلك الأموال وتلك الثروات لا يملكها ولا تذهب معه إلى قبره، وإنما يتمتع بها غيره. نعم، قالوا: الآيات في هذا المعنى كثيرة. ولقد أحسن القائل: «إن لله عباداً فطناً طلقوا الدنيا وخافوا الفتن نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطن جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفن» هؤلاء هم العقلاء، هؤلاء هم الفطناء. وبقي شيء من هذه المقدمة لانتهاء الوقت، إن شاء الله نأخذه في الدرس القادم. إلى هنا والله تعالى أعلم.