الدرس في باب الإخلاص وإحضار النية من رياض الصالحين 9، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
استشار سعد بن أبي وقاص النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع عن التصدق بثلثي ماله أو نصفه لعدم وجود وارث سوى ابنته، فأمره النبي بالاكتفاء بالثلث. بين الحديث أن ترك الورثة أغنياء خير من تركهم عالة، وأن كل نفقة في سبيل الله يكتب لها الأجر.
يعد التصدق في مرض الموت بمنزلة الوصية التي لا تجوز في أكثر من الثلث، وقد أجاز النبي لسعد الثلث ووصفه بالكثير. الأفضل التقليل من الوصية كالخمس اقتداءً بأبي بكر، لأن ترك المال للورثة أغنى لهم وأجره أعظم.
النفقة على الزوجة والأولاد بنية طلب وجه الله تعد صدقة مأجورة وليست مجرد التزام مادي. النية الصالحة تحول الأعمال المباحة والنوم وشهوة الفرج إلى عبادات إذا قُصد بها التقوي على طاعة الله والعفة عن الحرام.
اختتم المتحدث الدرس بالدعاء لله بالتيسير والعون على الطاعة. وختم الجلسة بالحمد لله رب العالمين.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فلقول الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين"، وفي باب الإخلاص وإحضار النية، الحديث السادس: وعن أبي إسحاق سعد بن أبي وقاص، مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي الزهري رضي الله عنه، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة رضي الله عنهم، قال: جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي، فقلت: يا رسول الله، إن قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. قلت: فالشطر يا رسول الله؟ فقال: لا. قلت: فالثلث يا رسول الله؟ قال: الثلث، والثلث كثير أو كبير. إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس. وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في في امرأتك. قال: فقلت: يا رسول الله، أخلف بعد أصحابي؟ قال: إنك لن تخلف فتعمل عملًا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة، ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون. اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم. لكن البائس سعد بن خولة، يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة. متفق عليه. هذا الحديث حديث عظيم، فيه فوائد كثيرة، ومنها ما يتعلق بأمر النية. وخلاصة هذا الحديث: أن سعد بن أبي وقاص الصحابي الجليل، أحد العشرة المبشرين بالجنة، كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، وهو مهاجر هاجر من مكة إلى المدينة، لكن قدم إلى المدينة -أقدم إلى مكة حاجًا مع النبي صلى الله عليه وسلم- فجاءه مرض وهو في مكة في حجة الوداع، فاشتد به الوجع. فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بمرضه، ومن حسن أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، ومن محبته لأصحابه وتحببه إليهم، وكذلك لين جانبه معهم، كان يعودهم ويتفقدهم، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فجاء الرسول صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن أبي وقاص، فأخبره سعد أنه اشتد به الوجع، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم في أمر ماله؛ لأن سعد بن أبي وقاص كان ذا مال كثير، عنده مال كثير، فخشي سعد بن أبي وقاص أن يكون هذا المرض هو مرض موته، يخشى أن يموت من بعد هذا المرض، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أنا ذو مال، يعني صاحب مال، ولا يرثني إلا ابنة لي، يعني ما عندي وارث بالفرض إلا بنت واحدة، والبنت الواحدة إنما ترث نصف المال، ترث نصف المال، والباقي يذهب لغيرها، يذهب لغيرها. فاستشار سعد رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم في التصدق بماله، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: أفأتصدق بثلثي مالي؟ يعني اثنين من ثلاثة، لو قسمنا المال أثلاثًا سيتصدق بثلثين ويبقي ثلثًا واحدًا، ويبقي ثلثًا واحدًا. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا، لا تتصدق بثلثي مالك. قال العلماء: لأن هذا المرض مخوف، يخشى أن يموت هذا المريض، فهو بمنزلة الوصية. التصدق بالمال في مرض الموت المخوف هو بمنزلة الوصية التي تكون بعد الموت، والوصية بعد الموت لا تكون إلا بالثلث، لا تزيد على الثلث. فسعد أراد من محبته للخير، ومن كذلك تقربه إلى الله عز وجل بماله، أراد أن يتصدق بثلثي ماله، فمنعه النبي صلى الله عليه وسلم، قال له: لا. قال: قلت: فالشطر، يعني نصف المال، واحد من اثنين، لو ماله نصفان سيتصدق بنصفه، فمنعه النبي صلى الله عليه وسلم، قال له: لا. قال: قلت: فالثلث يا رسول الله؟ يعني سأتصدق بالثلث. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الثلث، والثلث كثير أو كبير. يعني أجاز له، أجاز له أن يتصدق بثلث ماله، هذا من باب الجواز، لكن ذكر أهل العلم أن من باب الأفضلية أن التصدق يكون بأقل من الثلث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: الثلث، والثلث، والثلث كثير. وفي لفظ: كبير. فدل ذلك على جواز التصدق بالثلث عند المرض المخوف، وأفضلية التصدق بأقل من الثلث. ولذلك جاءت آثار عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ومن تلك الآثار ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنه، وأنه قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع، غضوا بمعنى يعني أخرجوا الربع بدلًا من الثلث، أخرجوا الربع بدلًا من الثلث. لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع، قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد: الثلث، والثلث كثير أو كبير. وجاء كذلك عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنه أوصى بالخمس من ماله، وقال: أرضى ما رضيه الله لنفسه، فهو يشير إلى آية الخمس في قول الله عز وجل: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ﴾. فالله عز وجل جعل الخمس له سبحانه وتعالى، بمعنى يوزع للفقراء والمساكين وغير ذلك من مصالح المسلمين. فلذلك ذهب جمع من أهل العلم أن الأفضل أن يتصدق بالخمس كما فعل أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. والحكم من ذلك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد: إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس. فلما يعني تترك مالًا لورثتك يقفون به أنفسهم ويستغنون به عن مد أيديهم إلى الناس، فلا شك أن هذا هو الأفضل. فلو تصدقت بمال كثير كالثلث لربما تضرر ورثتك، تضرر ورثتك. والأفضل، العلماء قالوا: والأفضل إن كان معك مال كثير أن تتصدق بالثلث، أقل والأفضل أقل من الثلث. أما إن معك مال قليل فاستحب العلماء ألا توصي بشيء، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس. يتكففون الناس هذا في مرض الموت المخوف، أو في الوصية. الوصية لا تجوز، والوصية التي تكون بعد الموت فالوصية كذلك لا تجوز بأكثر من الثلث. فيجوز أن يوصي الميت بثلث ماله، والأفضل أن يوصي بأقل من ثلث ماله، بأقل من ثلث ماله. ولذلك ذكر العلامة ابن العثيمين رحمه الله تعالى أن ترك المال للأولاد وولي الذرية والورثة هذا فيه أجر عظيم، أفضل من أجر التصدق بهذا المال لغيرهم. لماذا؟ لماذا ذلك؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خير من أن تذرهم عالة. فالصدقة على القريب أفضل من الصدقة على البعيد؛ لأن الصدقة على القريب صدقة وصلة، وكونك تترك المال لورثتك ولأقربائك خير من أن يذهب هذا المال لغيرهم، خير من أن يذهب هذا المال لغيرهم. ولذلك قال له النبي صلى الله عليه وسلم: إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس. ثم قال له: ﴿ وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا ﴾ حتى ما تجعل في في مرأتك. وهذا هو وجه الشاهد من هذا الحديث، فيه فضل النية الحسنة. ولذلك ينبغي لكل ولي أمر عندما ينفق على أهله أن تكون نيته صالحة، وأن يستحضر ويستشعر أن هذه النفقة هي أجر وصدقة على أهله، فهي خير من الصدقة على غيرهم. لا تظن أن هذه الالتزامات التي أنت ملتزم بها تجاه أسرتك أنها عبء على ظهرك، وأنه أمر إنما هو مكلف به هذا الإنسان، نعم مكلف به، لكن له أجر عظيم تجاه هذه النفقات. تأتي لهم بالأكل والشرب وما يحتاجونه في أمور حياتهم، فهذه النفقات استحضر يا عبد الله أنها صدقة، وأنها أجر، وأنها فضل تتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى. فها هو النبي صلى الله عليه وسلم يقول: وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في في امرأتك. يعني حتى ما تأتي بطعام لامرأتك. بعض أهل العلم فسر هذا ليس بأن تأخذ اللقمة وتضعها في فم امرأتك، لا، وإنما المراد ما تجلبه من طعام ومن شراب لامرأتك، أو لمن أنت تنفق عليهم من أولادك. فهذا إذا استشعرت، وكانت نيتك نية طيبة، وهي أن تنفق هذه النفقة لوجه الله عز وجل، فالنية تجعل الأمور العادية في حياتك أجرًا وفضلًا، بل تجعل الأمور المباحة أجرًا وفضلًا، وهذا من عظيم فضل النية الصالحة. أنت تعمل هذا العمل الذي هو نفع لك ولغيرك في أمور دنياك، إن نويت النية الطيبة الصالحة لك بذلك أجر. النوم التي تنامها إن نمت وأنت تحتسب بها وجه الله حتى تتقوى على طاعة الله فلك بذلك أجر، وهو نوم شهوة ورغبة وكمال لهذا الإنسان. ولذلك يقول بعض السلف: إني لا أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي. كما أنه في حال صحوته واستيقاظه يستمتع بوقته في الطاعات وفي العبادات، كذلك عند نومه يستحضر أن هذا النوم يكون سببًا في نشاطه وفي قوته على أداء الواجبات والطاعات، فينام هذه النومة، ولو لم ينمها لم يستطع أن يتقوى على طاعة الله، بهذه النية يجعل هذا النوم عبادة. وهكذا في غيرها من المباحات، حتى في شهوة الفرج، لما يأتي أحدنا أهله إذا نوى بذلك النية الطيبة أن يعف نفسه، وأن يعف أهله، وأن يكتسب الأجر من الله عز وجل، فله بذلك أجر. كما جاء في حديث أبي هريرة عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وإن في بضع أحدكم صدقة. قالوا: يا رسول الله، يأتي أحدنا شهوته ويكون له بذلك أجر؟ قال: أرأيتم إن وضعها في حرام أليس عليه وزر؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: كذلك إن وضعها في حلال فله أجر. انظروا: أمر مباح، رغبة وشهوة وميل إلى هذا الشيء، ومع هذا إذا نوى أن يعف نفسه عن الحرام، وأن يعف هذه المرأة عن الحرام، وأن يكسب الأجر والفضل من الله عز وجل، نال بذلك هذا الأجر والفضل. انظروا إلى فضل النية وعظيم تأثيرها على نيل الأجور والحسنات. وليت الحديث بقي لطوله، فإن العلام ابن عثيمين في شرحه توسع في شرح هذا الحديث وفي ذكر فوائده، فإن شاء الله نأخذ ذلك عدة دروس. نسأل الله التيسير والعون، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.