الدرس في باب الإخلاص وإحضار النية من رياض الصالحين 17، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستهل الشيخ بشرح حديث ابن عباس رضي الله عنهما الوارد في رياض الصالحين، مبيناً كيفية كتابة الحسنات والسيئات عند الله تعالى، والفرق بين الكتابة السابقة في اللوح المحفوظ والكتابة اللاحقة عند وقوع العمل، مع تفصيل مراتب الأجر من حسنة واحدة إلى سبعمائة ضعف.
يوضح المقطع تفصيل الأجر المترتب على الهم بالحسنة إن لم يعملها، وتضاعف الأجر إن عملها، ويؤكد أن ترك السيئة خوفاً من الله يُكتب حسنة كاملة، مستدلاً على ذلك بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث القدسي.
يبين الفرق الجوهري في حكم ترك المعصية؛ فتركها لله يُكتب حسنة، بينما تركها لعجز أو خوف من الناس يُكتب سيئة، كما يوضح أن الهم بالحسنة مع العجز عن فعلها يُكتب حسنة، والهم بالسيئة مع الفعل يُكتب سيئة واحدة فقط، دلالة على فضل الله وكرمه.
يتناول المقطع التعريف بنانسي قنقر من خلال عرض سيرتها الذاتية وإنجازاتها العلمية والدعوية، مع الإشارة إلى أبرز مؤلفاتها ومشاريعها الخيرية التي أسهمت في خدمة المجتمع.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيقول الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين"، في باب الإخلاص وإحضار النية، الحديث الحادي عشر: وعن أبي العباس عبد الله بن عباس بن عبد المطلب رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى قال: «إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك: فمن همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله تبارك وتعالى عنده حسنة كاملة، وإن همّ بها فعملها كتبها الله عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة». متفق عليه. ومعنى هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم يخبر عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: «إن الله كتب الحسنات والسيئات». والكتابة المراد بها في اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ [القمر: 49]، ﴿ كُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ ﴾ [القمر: 53]. وكذلك يراد كتابتها إذا عملها العبد، فإن الله يكتبها حسب ما تقتضيه حكمته، وحسب ما تقتضيه عدله وفضله سبحانه وتعالى. فهما كتابتان: كتابة سابقة، وكتابة لاحقة. فالكتابة السابقة لا يعلمها إلا الله، والكتابة اللاحقة: إذا عمل الإنسان العمل كتب الله له حسب ما تقتضيه الحكمة والعدل والفضل. ثم بيّن كيفية هذه الكتابة للحسنات والسيئات، وكيف تكتب على العبد الحسنات، وكيف تكتب على العبد السيئات. فقال: «فبين ذلك»، أي ربنا عز وجل. فقال: «فمن همّ بحسنة فلم يعملها». ومعنى «همّ بحسنة»: أي عزم على فعلها، لكن ما تيسر له العمل بها، انصرف عنها ولم يعملها. مثال ذلك: رجل أهمّ بأن يتصدق بألف ريال، ثم انصرف عن ذلك، أمسك ولم يتصدق، فيكتب له بهمه ذلك وبإرادته تلك حسنة، فضل من الله. لم يعمل، وإنما نوى وهمّ بذلك، لكنه لم يعملها، فكتب له بذلك حسنة. همّ أن يصلي ركعتين، توضأ، ثم صرفه صارف، ناداه مناد، أو طرأ عليه طار، فلم يصلّ هاتين الركعتين، تكتب له حسنة. تكتب له حسنة. فإذا قال قائل: كيف يكتب له حسنة وهو لم يفعلها؟ فالجواب: إن فضل الله عز وجل واسع، فهذه الإرادة وهذا الهمّ يعتبر حسنة؛ لأن القلب همّام، إما إلى خير وإما إلى شر. فطالما أن هذا القلب أهمّه إلى الحسنات والخير، يجازيه الرب الكريم الشكور سبحانه وتعالى بأن يكتب له بهذا الهمّ حسنة، وفضل الله واسع سبحانه وتعالى. وهذا هو وجه الشاهد من إيراد هذا الحديث في باب الإخلاص وإحضار النية. فلما نوى هذا الشخص عمل الخير، جوزي بالخير، جوزي بالحسنة، جوزي بالحسنة. وهذا فيه أهمية الهمّ بالخير وإرادة عمل الخير. «فمن همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله تعالى عنده حسنة كاملة، وإن همّ بها فعملها كتبها الله عشر حسنات»، ثم تتضاعف إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله أن يضاعفها له، وفضل الله واسع، وهو الكريم الجواد سبحانه وتعالى. قال: «وإن همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة». رجل همّ أن يسرق، همّ أن ينظر إلى مقطع إباحي، ثم ذكر الله فأدركه خوف الله عز وجل، فترك السرقة، وترك هذا النظر، والدخول في هذا الموقع الذي فيه هذا المقطع الإباحي، فله بهذا الهمّ وهذا الترك حسنة. سبحان الله! انظروا إلى فضل الله وإلى كرم الله! أهمّ بسيئة، وأوشك أن يفعل هذه السيئة، لكنه تذكر خوف الله عز وجل، وأن الله عز وجل ربما عاقبه على هذه المعصية، فتركها خوفًا من الله سبحانه وتعالى، فتُكتب له حسنة. تُكتب له حسنة. سبحان الله! لماذا؟ لأنه ترك فعل المعصية لله، من أجل الله، ففيه معنى الإخلاص. وهذا أيضًا موضع آخر من مواضع الشاهد من هذا الحديث في إرادته، في باب الإخلاص، في باب الإخلاص. وجاء في لفظ آخر يفسر معنى هذا الترك: «فلم يعملها قال: فتُكتب له حسنة لأنه تركها من جرائي»، أي من أجلي. لأنه تركها من جرائي، أي من أجلي. وقوله: «من جرائي»، من همّي. خرج بذلك قوله: «لأنه تركها من جرائي». خرج بذلك من ترك المعصية ليس من أجل الله، وإنما لأنه لم يستطع فعلها، فهذا تُكتب له سيئة. لماذا؟ لأنه ما تركها من أجل الله. مثال ذلك: شخص يريد أن يسرق بيتًا، فأتى بالسلم يريد أن يصعد عليه ويدخل من النافذة، فبينما يأتي بالسلم ويضعه على الجدار سمع أصوات أناس في الطريق، فخاف، فأخذ سلمه وهرب. هذا ما ترك هذه المعصية من أجل الله، وإنما تركها خوفًا من الناس أن يكشفوه وأن يفضحوه، فهذا لا تُكتب له حسنة. لا تُكتب له حسنة لأنه ما تركها من أجل الله. مثال آخر: شخص أهمّ أن ينظر إلى مقطع إباحي، ففتح النت، فحاول أن يدخل هذا الموقع، لكن لضعف الشبكة ما تحمل له هذا الموقع، حاول وحاول، همّ بأن ينظر إلى هذا، ما فتحت له الشبكة لضعفها، فلم يفعل هذا الأمر. لا تُكتب له حسنة. لماذا؟ لأنه ما ترك هذه المعصية من أجل الله، وإنما لأنها لم تتيسر له، لم تتيسر له. وقس على هذا، وقس على هذا. قال: «وإن همّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة». انظروا: الحسنة إذا همّ بها وعملها تُكتب له عشرًا إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وأما السيئة وإن عملها تُكتب له سيئة واحدة. انظروا يا عباد الله إلى فضل الله وإلى كرم الله عز وجل! لا تتضاعف السيئات، لا تتضاعف السيئات، فضل من الله عز وجل. فهذا يدعونا جميعًا إلى أن نعتني بالنيات الحسنة، وأن نحذر من النيات السيئة، أن نحرص على أن نهمّ بالخير وأن نعمل الخير، فإذا صرفنا عنه كتبت لنا بهذا الهمّ والإرادة الحسنات. وأما من همّ بالسيئة فيحذر أن يصرف عنها لا من أجل الله، فتُكتب له السيئات، والعياذ بالله. فهذا الحديث فيه دليل على اعتبار النية، وأن النية قد توصل صاحبها إلى الخير وإن لم يعمل هذا العمل، فيه فضل الإخلاص وإحضار النية الطيبة، والحذر من إحضار النية السيئة. هذا هو موطن الشاهد من هذا الحديث. وبهذا نكتفي، وإلى هنا. والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر