الدرس في باب الإخلاص وإحضار النية من رياض الصالحين 18، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
افتتح الشيخ الدرس بشرح حديث الثلاثة النفر الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار، مبيناً أن القصص النبوي وحي إلهي يعلم المسلم اللجوء إلى الله بصالح الأعمال الخالصة عند الشدائد، كما فعل أولئك النفر حين توسلوا بأعمالهم ففرج الله عنهم.
تناول المقطع قصة أول الثلاثة الذين اتفقوا على التوسل بأعمالهم الصالحة، فدعا الأول متوسلاً ببر والديه الشيخين حيث كان يقدمهما على أهله وماله في الشرب، وامتنع عن إيقاظهما ليلاً حتى استيقظا فجراً، فتحركت الصخرة قليلاً بفضل إخلاصه.
أعلن المعلم انتهاء وقت الدرس الحالي بسبب ضيق الوقت، وقرر تأجيل شرح باقي قصص أصحاب الغار وما يترتب عليها من فوائد إلى الدرس القادم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قول الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين"، وفي باب الإخلاص وإحضار النية، والحديث الثاني عشر: وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار، فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار. فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم». قال رجل منهم: «اللهم، كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً. فنأبي طلب الشجر يوماً فلم أرح عليهما حتى ناما. فحلبت لهما غبوقهما، فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما، وأن أغبق قبلهما أهلاً أو مالاً. فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما، حتى برق الفجر، والصبية يتضاغون عند قدمي. فاستيقظا فشربا غبوقهما. اللهم، إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة». فانفرجت شيئاً لا يستطيعون الخروج منه. والحديث طويل كما هو معلوم، ففي مثل هذه الدروس، ولضيق الوقت، نأخذ منه فقرة فقرة. ففي أول هذا الحديث، ومن القصص النبوي الذي ينبغي أن يعتني به المسلم، لما فيه من العلم، ولما فيه من الإيمان، ولما فيه من العبرة والعظة، ينبغي للمسلم أن يعتني بالقصص النبوي. فها هو النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث يحكي لنا قصة ثلاثة نفر ممن كانوا قبلنا. ولا شك أن مثل هذه الأخبار مما أوحاها ربنا سبحانه وتعالى إلى نبيه، فهي أمور سابقة على النبي صلى الله عليه وسلم قبل زمنه وقبل وقته، فلا مجال لعلمها إلا عن طريق الوحي. ففي هذا الحديث يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن ثلاثة نفر كانوا في سفر، فبينما هم في الطريق إذ آواهم المبيت إلى غار، يعني أدركهم وقت الليل ووقت النوم في مكان فيه جبل، وهذا الجبل فيه غار، والغار هو الفتحة التي تكون في الجبل، فيدخل فيه الناس يبيتون ويتظللون فيه من الشمس ونحو ذلك. فدخل هؤلاء الثلاثة في هذا الغار، فشاء الله سبحانه وتعالى أن انحدرت صخرة من أعلى الجبل، يعني سقطت صخرة من أعلى الجبل، فسدت باب الغار، سدت فتحة الغار. وهذه الصخرة كبيرة لم يستطيعوا أن يزحزحوها وأن يميلوها من فتحة الغار. فانظر وتصور معي هذا المشهد العظيم: ثلاثة نفر في مكان بعيد من الناس، ما يعلم بهم أحد، وهم في هذا الغار، وانطبقت عليهم هذه الصخرة الكبيرة. مهما كان معهم من ماء، ومهما كان معهم من طعام، سينفذ إذا لم تتزحزح هذه الصخرة، فإذا هو الموت المحقق، لولا عناية الله عز وجل بهم، ولولا تفريج الله سبحانه وتعالى عنهم. فلما علموا بهذه الكربة وهذه الشدة، وهذه كربة عظيمة، تشاوروا فيما بينهم، فقال أحدهم: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم. وفي رواية: «بخالص أعمالكم»، ولا تعارض بين الروايتين، لأن صالح الأعمال من شرطها أن تكون بإخلاص. فمعلوم أن قبول العمل الصالح بشرطين: الإخلاص والمتابعة. فعلموا أنه لا نجاة لهم من هذه الكربة إلا أن يلتجئوا إلى الله، وأن يتضرعوا إلى الله، فهو الذي خلق هذه الصخرة، وهو الذي جعلها تنحدر على فتحة هذا الغار، وهو سبحانه وتعالى قادر أن يزحزحها من على فتحة هذا الغار، كما زحزحها من أعلى الجبل حتى سدت عليهم فتحة الغار. فعلموا أنه لا نجاة لهم من هذه الكربة إلا أن يلجأوا إلى الله، وأن يدعوا الله، وأن يتوسلوا بأعمالهم الصالحة في دعائهم إلى الله سبحانه وتعالى. فقالوا: كل واحد يدعو الله، ويتوسل إلى الله بعمل صالح يرى أنه قد أخلص فيه، يرى أنه قد أخلص فيه، وأن هذا العمل لله عز وجل وحده. فبدأ الأول فقال: «اللهم». وهذا فيه توسل بعدة أنواع من أنواع التوسل، منها بأسماء الله الحسنى، فـ «اللهم» هذا اسم الله الذي سماه بعض أهل العلم الاسم الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب سبحانه وتعالى. وكذلك توسلوا بأعمالهم الصالحة. فقال الأول: «اللهم، كان لي أبوان شيخان كبيران»، يعني أب وأم، أب وأم شيخان كبيران، لأن الأب قد يطلق تغليباً على الأب والأم، وعلى الأب والأم، فقوله «أبوان» يعني أب وأم. وقال: «وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً». الغبوق هو شرب العشي، يعني ما يشربه الإنسان في العشي في الليل يسمى غبوقاً، يسمى غبوقاً. فهذا الرجل من بره بوالديه والإحسان إليهما وتقديمهما على غيرهما، كان إذا حلب الشياه لا يقدم على والديه أحداً، لا أهل ولا مال. المراد بالأهل مثل الزوجة، مثل الأولاد، والمراد بالمال مثل الرقيق، لأن الرقيق مال، العبيد يعدون مالاً، وواجب عليه، واجب على سيده أن يطعمه وأن يسقيه. فهذا الرجل ما كان يقدم على أبويه أحداً في شرب الغبوق. قال: «فنأبي طلب الشجر يوماً فلم أرح عليهما حتى ناما». ومعنى «نأبي» أي أبعد بي، يعني ذهب يرعى بأغنامه، فما وجد رعياً في مكان قريب من محلته وبيته، فاضطر أن يبحث عن الرعي، وهذا البحث يحتاج منه إلى أن يبعد، فتتبع الرعي، بعد عن محل أو عن مكان مقامه ومحله. فقال: «فنأبي طلب الشجر، فلم أرح عليهما حتى ناما»، يعني لم أرجع إلى البيت في تلك الليلة لأنني تأخرت عنهما، لم آتِ في الوقت المعتاد، وهو يعني الوقت المبكر. فبسبب بعده تأخر في هذه الليلة، فجاء ووجد أبويه قد ناما. هذا معنى قوله: «فنأبي طلب الشجر يوماً فلم أرح»، يعني لم أرجع إليهما حتى ناما. قال: «فحلبت لهما غبوقهما»، حلب اللبن كالمعتاد، فوجدتهما نائمين. قال: «فكرهت أن أوقظهما»، وهذا أيضاً من بره بوالديه، لأنه معلوم أن الإنسان إذا نام فالأريح له والأرفق به أن يترك نائماً، أن يترك نائماً، فهذا أحب إليه مما أحب إليه من الأكل والشرب، نعم، لأنه في هذه الحال لا يحتاج الآن إلا إلى النوم. فمن بره بوالديه كره أن يوقظهما، وكره أيضاً أن يقدم عليهما الأهل أو المال، فيعطي أهله هذا الغبوق. فإيش يفعل؟ ما يريد أن يوقظ والديه، ولا يريد أن يقدم عليهما أهلاً ولا مالاً. ماذا فعل؟ قال: «فلبثت والقدح على يدي»، انتظر، انتظر والقدح في يده، في تلك الليلة ينتظر استيقاظهما. ما نام، منتظر، واقف عند رأسي والديه وهما نائمان، ما له، يا له من بر، وكذلك إحسان. قال: «حتى برق الفجر»، يعني حتى طلع الفجر، طول الليل وهو معه الغبوق في يده، وواقف عند رأسي والديه. قال: «والصبية يتضاغون»، يعني يصيحون، يريدون شرب اللبن، يريدون العشاء، وهو من بره بوالديه ما يريد أن يقدم عليهما أولاده وأهله. قال: «والصبية يتضاغون عند قدمي، فاستيقظا»، أي من الصباح، خلاص بزغ الفجر، «فشربا غبوقهما»، خلاص أعطاهم اللبن، بعد ما شربوا أعطى الأهل والمال. ثم قال: «اللهم، إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك»، يعني خالصاً لك. ولا شك أن هذا الفعل فيه قرائن تدل على إخلاصه، فلم يطلع أحد على هذا الفعل منه، نعم، فلا شك أنه أراد بذلك وجه الله. قال: «فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة»، اجعل لنا فرجاً من هذه الصخرة. قال: «فانفرجت شيئاً»، يعني تزحزحت قليلاً، لا يستطيعون الخروج منه، يعني لو أراد أحد أن يخرج من هذه الفرجة ما يستطيع، فرجة صغيرة. ومن حكمة الله عز وجل أنه لم يجعل هذه الصخرة في أول دعوة أن تنفرج كاملة، حتى يدعو كل واحد منهم بدعوته، فدعا كل واحد بدعوته. الشاهد من هذا الحديث، ومن هذا القول، من هذا الرجل، أن فيه دليل على الإخلاص لله عز وجل في العمل، وأن الإخلاص سبب من أسباب النجاة من الشدائد والمحن، من الشدائد والمحن. فسيأتي معنا أيضاً في دعوة الثاني والثالث، وكيف أن الله عز وجل بعد أن دعا الثالث انفرجت الصخرة وخرجوا يمشون. لكن لضيق الوقت نترك ذلك إلى الدرس القادم. نكتفي بهذا، وإلى هنا.