تفسير سورة الانشقاق من تفسير الجلالين 1

تفسير سورة الانشقاق من تفسير الجلالين 1

الدرس في تفسير سورة الانشقاق من تفسير الجلالين 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة وتفسير سورة الإنشقاق

المقطع الأول يقدم تفسير سورة الإنشقاق ويبين علاقتها بسورة المطففين. يشرح أن سورة الإنشقاق مكية وتتناول كيفية استلام الكتب يوم القيامة.

تفسير أحداث يوم القيامة وانشقاق السماء ومد الأرض

يفسر المقطع الثاني الآيات المتعلقة بيوم القيامة، حيث يشرح انشقاق السماء ومد الأرض وتغير صفات الأرض لتصبح ساحة للحشر.

تتمة الكلام عن أحداث يوم القيامة وتفسير آية وإذا الأرض مدت

المقطع الثالث يفسر آية وإذا الأرض مدت ويشرح أحداث يوم القيامة حيث تتغير الأرض وتتمدد وتخرج ما في جوفها.

ختام الدرس والدعاء

المقطع الأخير يشير إلى انتهاء الدرس مع الدعاء لله تعالى بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

  • 21 جمادى الأولى 1447هـ - 11/11/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد، ففي هذا اليوم بإذن الله ندخل في سورة من سور القرآن ومن جزء عم، ألا وهي سورة الإنشقاق. نقرأ ما ذكره الإمام جلال الدين رحمه الله تعالى في تفسيره. قال رحمه الله تعالى: سورة الإنشقاق مكية، وآياتها ثلاث أو خمس وعشرون آية. في قوله رحمه الله تعالى: سورة الإنشقاق، هذا اسمها في المصاحف، وجرى التعبير عنه عند المفسرين بسورة الإنشقاق. وأيضا لها تسمية أخرى، أنها تسمى بسورة «إذا السماء انشقت»، بسورة «إذا السماء انشقت». وهذه التسمية هي المعهودة في أيام الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كما قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: قال سجدنا مع النبي صلى الله عليه وسلم «إذا السماء انشقت». وقال: وفي قوله وقرأ باسم ربك الذي خلق، الشاهد أن أبو هريرة عبر عن هذه السورة بأولها «إذا السماء انشقت»، بل هذه التسمية قد جاءت منه عليه الصلاة والسلام. قد مضى معنا، لو تذكرون، حديثا لابن عمر رضي الله تعالى عنه، أنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: من أراد أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه يراها، فليقرأ «إذا الشمس كورت» و«إذا السماء انفطرت» و«إذا السماء انشقت». هذا قوله عليه الصلاة والسلام: من أراد أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه يراها، فليقرأ «إذا الشمس كورت» و«إذا السماء انفطرت» و«إذا السماء انشقت». وهذه السورة التي بين أيدينا. وقوله رحمه الله تعالى: مكية، مر معنا ما معناه مكي، وهو الذي نزل قبل الهجرة، وهذا أمر متفق عليه لا خلاف. قالوا: آياتها ثلاث أو خمس وعشرون آية. قد أشرنا إلى هذا الخلاف الحاصل في تعداد آي القرآن، وأن هذا ليس بمستنكر كما يزعم أهل الكفر وأهل الإلحاد ومن يزعم بتصحيف القرآن. وأن هذا فيه إشارة إلى أن من الآيات ما سقط من القرآن، لا ما عندي سقط، ما عندي سقط. سورة الإنشقاق هي هي بكلماتها وحروفها متفق عليه. وإنما أشرنا إلى مسألة الخلاف في تعداد الآية، إنما يدور حول مسألة الوقف فقط، حول مسألة الوقف. فمثلا تجد عندنا في المصحف المكي والمصحف الكوفي أن عدد سورة الإنشقاق خمس وعشرين آية، وهذا الذي نحن نقرأ به، خمس وعشرين آية. بينما في المصحف الشامي والمصري ثلاث وعشرين آية. فهذا التفاوت في عدد الآية ليس معناه، كما أشرت، إسقاط بعض الآيات، لا، وإنما الخلاف بين العلماء في مسألة الوقف على الآية. أحيانا الآية الطويلة تكون في بعض المصاحف آية، وفي بعض المصاحف لا يقسمونها إلى آيتين، فتزيد العدد فقط، لا غيره. وبعض الآيات التي لربما هي على وجه آيتين، آية وآية، لكن في بعض المصاحف يعتبرونها آية واحدة، فهنا يختلف التعداد فقط. هذا، فما عندي ضغط الآيات أو إضافة آيات كما يزعم بهذا أهل الاستشراق، وإنما هي اجتهاد بين القراء وبين المقرئين في كتابة المصحف من حيث الوقف. فقالوا: آياتها ثلاث أو خمس وعشرون آية. ومما يناسب ذكره أيضا في سورة الإنشقاق أن هذه السورة نحن الآن ندخل فيها بعد انتهائنا من سورة المطففين. وبعض العلماء يحرص على أن يذكر العلاقات بين سور القرآن، بما قبله وبما بعده. فهل هناك ترابط مثلا بين ما مضى ذكره من سورة المطففين وبين ما نحن فيه من قراءتنا في سورة الإنشقاق؟ نعم، أشار بعض العلماء. قال: أن سورة المطففين قد مضى فيها ذكر الكتب، أن كتاب الفجار في سجين، وهي فيها الأعمال السيئة والمخازي التي عملوها. وأن كتاب الأبرار لفي عليين، وهي الكتب التي كتبت فيها الحسنات والثواب والأجور. إذن في المطففين فيها بيان لوجود هذه الكتب، وأن منها ما هو في العلو، وهو في عليين، ومنها ما هو في الدون، وهو سجين. فلكن تأتي سورة الإنشقاق، ستجد أنها تبين ما في هذه الصحف، وكيف أن أصحابها كيف يتناولونها. هذا سيأتي معنا في سورة الإنشقاق. أي يربط بعضهم أن في المطففين فيه بيان لما هي الكتب، لكن في سورة الإنشقاق التي بعدها فيها إشارة إلى كيفية استلام هذه الكتب. هذا من المباحث أو المواضيع التي سميت بالتفسير الموضوعي، وعلاقة القرآن سوره بعضه ببعض. قال رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إذا السماء انشقت﴾ انشقت بمعنى انفطرت، كما مضى، وهي تصدعت وتتصدع السماء وتنشق السماء يوم القيامة. وهو هذا الكون، لا أتكلم عن السحب والغيوم، لا، لا أتكلم عن السماء الطبق العليا، وهي كالسقف لهذه المعمورة، هذه تتشقق وتتصدع وتنفطر. ومن خلالها ستنزل الملائكة، كما جاء لذلك وصف القرآن. قال: ﴿إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت﴾. ما معنى أذنت؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: سمعت وأطاعت. إذ معنى أذنت وأذنت بمعنى استمعت واستمعت، هذا معنى الإذن. الإذن هنا بمعنى الاستماع، وهذا معروف في اللغة العربية، بل جاء بها السنة. فقد جاء في البخاري ومسلم قال عليه الصلاة والسلام: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن». في البخاري ومسلم. ما معنى هذا الحديث؟ ما أذن الله لشيء، ما أذن، أي ما استمع، بمعنى ما استمع الله لشيء بمثل استماعه لنبي حسن الصوت يجهر بالقرآن يتغنى به، هذا والصحيح. فأذنت بمعنى استمعت هنا في قول ربنا وأذنت، أي استمعت. فالسماء استمعت لأمر ربها. قال: وأذنت، قال: سمعت وأطاعت في الإنشقاق، لأن الله أمرها أن الأوان لنصدعك وأنت تفطري. فماذا كان؟ قال: لربها وحقت. ما معنى حقت؟ قال: وحق لها أن تسمع وأن تطيع. حق لها، أي وجب عليها أن تسمع وأن تطيع حق عليها، لأنها مخلوق مسخر لطاعة ربه جل وعلا. والسماوات والأرض من قبل في بداية خلقها وهي على هذا الخلق، على السمع والطاعة لله جل في علاه. كما قال سبحانه: ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين﴾. هذه السماء بما فيها من أكوان، من كواكب وأجرام وأفلاك ومنظومات ومجرات، تخضع لله عز وجل. وهكذا الأرض بما حوت، بحار، جبال، قفار، وديان، وكل ما يدب فيها، كل ذلك خاضع لله. ففي قول ربنا عز وجل: ﴿وأذنت لربها وحقت﴾، أي أن الله عندما يأمر السماء بالانشقاق، فإنها تسمع لكلام ربها، وبعد ذلك السماء التنفيذ لأمر ربه عز وجل. وحق لها، ينبغي لها، أنها تسمع وتطيع لربها جل في علاه. قال: ﴿وإذا الأرض مدت﴾. قال: زيد في سعتها كما يمد الأديم، ولم يبق عليها بناء ولا جبل. وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿وإذا الأرض مدت﴾، سأتي من كلام المؤلف، هذا يتعلق بيوم القيامة. السماء تتصدع، تتفطر، وأما الأرض فإنها تمتد. هنا قال المؤلف: قال زيد في سعتها كما يمد الأديم. الأديم بمعنى الجلد، بمعنى الجلد. طيب الجلد إذا كان جلدا يابسا، هذا المعروف في الأديم، يكون جلد يابس. تجده لو وضعته على مكان، نظرت فاحصة، تجد أنه مترهل، عجاج فوق تحت، فوق تحت. طيب هذا الأديم إذا وجد شد، شد، شد، بمعنى الكلمة، يشد. مثل الآن لو ضربنا المثال بالدفوف، الدف الآن عبارة عن أديم، عبارة عن جلد مشدود، كما يقال. شد ماذا يصبح له؟ الأديم أرض مستوية مستقيمة، مستقيمة، ما ترى فيها عوجا ولا ارتفاعا. هذا سيكون للأرض يوم القيامة. قد ذكر ربنا عز وجل هذا الوصف. ﴿ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا﴾. ما فيها شيء. الأرض الآن، الأرض ماذا نراها؟ أنتم ترون الأرض عبارة عن جبال مرتفعة، سهول، هضاب ارتفاع، وديان انخفاض، هكذا الأرض بحسب التضاريس. يوم القيامة الأرض تمتد، تمتد كما يمتد هذا الأديم، كالجلد يمده. طبعا هذا سيكون متى؟ يوم القيامة. وهذا كله في يوم القيامة. ما المراد من ذلكم؟ هذا تمهيد للأرض يوم القيامة لأن تكون ساحة للحشر. الحشر هنا الحشر في الأرض. طبعا وقع الخلاف بين العلماء في مسألة لما ستؤول إليها، وهي في قول تعالى: ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات﴾، هل الأرض في وقت المحشر تتغير أم لا تتغير؟ هل تتغير ذاتها أم تتغير صفاتها؟ والراجح، والله تعالى أعلم، أن الصفات تتغير. صفة الأرض، بمعنى أن كما مر معنا، البحار ستجف، والجبال تنسف، والأرض تمتد، تمطط، تتغير مناخ الأرض. وإلا أرض هي هي. وبعد ذلك يؤتى بجهنم، ويتسحب، يؤتى بالنار. أرض المحشر في هذه الأرض. الآن الأرض في هذه الآية يشير ربنا عز وجل إلى شيء مما سيقع في هذه الأرض، وهي الامتداد. يقول بعض العلماء، كما أشار إلى ذلك الشيخ عثيمين رحمه الله: قال: الأرض الآن ماذا؟ مستديرة، يقول: كروية، ما هي كروية كرة كالكرة المعروفة المستديرة، لأنها فيها اعوجاج من جهة الشمال إلى الجنوب. لكن يقول: مستديرة بشكل عام، هذا حالها الآن. بدليل أنت الآن، نحن كمطقة ساحلية مثلا، ما عندنا جبال، ما عندنا لا سهول ولا جبال، عندنا أفق. فتجد مثلا السفينة تمشي، تمشي، ثم تختفي. هل خفيت لأنها بعدت مسافة بعيدة؟ لا، أنت لو جلبت حتى تلسكوب، منظار، يعني أقوى منظار، وركزت وتنظر إلى السفينة، ستختفي عليك. أين اختفت؟ إذن لو كان بعدا لكان هذا المجهر والمنظار سيأتي ببعد. لكن تختفي، لماذا؟ الانحناء الأرضي. الأرض فيها انحناءات، هذا طبيعة الأرض. فالحاصل أن هذه حال الأرض الآن. لكن يوم القيامة تتغير، كما قلنا. يوم تبدل الأرض غير الأرض، الصحيح أن صفة الأرض، لأن من العلماء من يقول: لا، الأرض ثانية ستأتي، ستأتي أرض أخرى، يجعل الله فيها الحساب والعقاب، هذا قول. نعم، قال به جماعة من السلف. والقول الآخر، وهو الأقوى والوجيه، وما نحتاج إلى التكلف، هي هذه الأرض، أن الله يهيئها، يهيئها للاستدارة، تعود ماذا؟ استدامة. فالله عز وجل يجعل الأرض تمتد، وذلك لكي تهيأ لجمع الخلائق. ما الذي أعنيه؟ من لدن آدم عليه السلام إلى أن تقوم الساعة، كل من عاش ودب على وجه الأرض، من الأمم والحضارات والأجيال والقرون، وعوالم علمنا بها وما لم نعلم، من الإنس والجن والدواب والكائنات والحيوانات، سيجمعهم ربنا عز وجل في هذه الساحة، وهي الساهرة. سماها ربنا بالساهرة، فإنما هي زجرة واحدة، فإذا هم بالساهرة. هي ساحة العرض، ساحة الحشر. ولهذا ثبت في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام، مبينا هذه الساحة، أو مبينا هذا الجمع: «يجمع الله الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد». والصعيد هو يطلق على الأرض الواسعة المستوية، هذا معنى الصعيد في اللغة العربية. الصعيد هي الأرض الواسعة المستوية. قال عليه الصلاة والسلام: «يجمع الله الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر». يسمعهم الداعي، أي أن الداعي إذا تكلم يسمع الجميع، لأن الكل أمامك. وينفذهم البصر، ما أحد يغيب، ما أحد يغيب، ما عندي حواجز يختبئون، ولا عندي انخفاضات يضيعون، ولا عندي استدارة يغيبون. الكل يكون ظاهر في هذه الساحة. حين أن يجمع الله عز وجل الخلائق. إذن في قول ربنا عز وجل: ﴿وإذا الأرض مدت﴾، قال: زيد في سعتها كما يمد الأديم، ولم يبق عليها بناء ولا جبل. جاء ذلك في بعض الأحاديث. نعم، أن أرض الحشر هي أرض بيضاء عفراء، ليس فيها معلم لأحد. ستتحول هذه الأرض بأمر أراده الله عز وجل. قال: ﴿وألقت ما فيها وتخلت عنه﴾. قال: من الموتى إلى ظهرها، أي الأرض، بعدما تمتد تخرج ما في جوفها. هنا أشار إلى شيء من جوفها، الأموات والجثث، وهكذا. ما هو أعم؟ ما هو أعم؟ الكنوز تخرج من بطونها، فلا تبقى منها شيء، لا حاجة لإبقاء الكنوز في داخل أرضها، في بطنها. قال: ﴿وألقت ما فيها﴾ من الموتى إلى ظهرها وتخلت، أي عنه، تخلت عن هذا الذي لفظته من بطنها. قال: ﴿وأذنت لربها وحقت﴾، أي وحق لها. حق لها أن تفعل ذلك. فما هي والكون كله عند ربنا عز وجل إلا خلق من خلقه، إلا من شذ. كحالين نحن البشر، نسأل الله السلامة والعافية، مع ضعفنا ومع هواننا، وفينا ما فينا من الاستكبار. لهذا قال ربنا: ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم﴾. نسأل الله السلامة والعافية. قال رحمه الله تعالى: وذلك كله يكون يوم القيامة. وجواب إذا وما عطف عليها محذوف، أي هذه الأمور من التغيرات الكونية في السماء والتغيرات الأرضية، ما المقصود بذلك؟ وأين جوابه؟ قال: دل عليه ما بعده، تقديره: لقي الإنسان عمله. أي هذا كله تمهيد لما سيكون من حساب العباد على أعمالهم. وسأتي هذا معنا بإذن الله في درس قادم. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.