الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 115، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الدرس صفة الغيرة لله سبحانه كما وردت في السنة النبوية، مبيناً أنها غيرة كمال تليق بجلاله وأن غيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله. كما يوضح واجب المؤمن تجاه المنكرات بمراتب ثلاث: التغيير باليد، ثم باللسان، ثم بالقلب، مستشهداً بأقوال السلف في شدة الغيظ عند العجز عن الإنكار.
يستعرض الدرس صور الغيرة المحمودة على دين الله ومحارمه وعلى أعراض النساء والأقارب، مسوقاً قصة نقض بني قينقاع للعهد بسبب اعتداء على عرض مسلمة وقصة المعتصم التي حرك فيها الجيش لغيرة على امرأة. كما يبين أن الدياثة من الكبائر المانعة من الجنة، وأن المخدرات والخمر ولحم الخنزير تميت الغيرة في القلب فتقع الدياثة.
يختتم المتحدث الدرس الحالي معلناً الاكتفاء بالقدر الذي تم طرحه حول الغيرة وأنواعها. ويؤجل استكمال بقية الموضوع إلى درس قادم، مختتماً كلامه بقوله: والله تعالى أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في الحديث الذي ذكره في باب الغيرة: قال حدثنا موسى بن إسماعيل، وأبو سلمة التبوذكي، كلاهما من قريب، قال حدثنا همام بن يحيى العوذي، عن يحيى وهو ابن أبي كثير، أبو النضر، قال عن أبي سلمة أو أبي نصر - يقصد يحيى بن أبي كثير اليمامي - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن عروة بن الزبير حدثه عن أمه أسماء أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «لا شيء أغير من الله، لا شيء أغير من الله، مثل ما تقدم: أحد أغير من الله». فغيرة الله جل وعلا غيرة عظيمة تليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى. قالوا: حدثنا أبو نعيم، قال حدثنا شيبان، عن يحيى - أي ابن أبي كثير - عن أبي سلمة، أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إن الله يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله». فربنا جل وعز يغار ويغضب إذا أتى المؤمن ما حرم الله. والغيرة كما قلنا هي إثارة من إثارات الغضب، تثير غضبًا فيحصل هذا، وهذه الغيرة منها - كما ذكرنا - ما هو محمود، ومنها ما هو مذموم. فالغيرة لله جل وعلا وعلى محارم الله فهذه محمودة، بل هي أعلى الغيرة، أو الغيرة أعلى الغيرة أن يغار على محارم الله، فإذا انتهكت محارم الله غار من ذلك، أي أنه لا يرتضي الحرام بل ينكر هذا الحرام، فيغار أن تنتهك محارم الله جل وعلا. وهذه صفة العبد المؤمن التي اتصف بها الرب جل وعلا، لكن صفة الله جل وعلا صفة كمال ليس فيها نقص بوجه من الوجوه. فلذا المؤمن إذا غار، فإن استطاع أن يغير ذلك المنكر وجب عليه بيده، فإن لم يستطع بيده فبلسانه ينكر ذلك المنكر، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان، وذلك أضعف الإيمان. أي إذا رأى منكرًا ولا يستطيع أن يغيره. ولهذا كان بعض السلف يقول: إذا رأيت منكرًا ولم أستطع أن أغيره أبول الدم، أبول الدم. لماذا؟ من شدة غيظه أنه كيف لا يغير هذا المنكر الذي رآه. ولهذا تجد أن العلماء، السلف خاصة وغيرهم، أنهم كانوا يغارون على محارم الله، أنه إذا ابتدع في دين الله جل وعلا، أو فعل المعاصي، وغير هذا من الأمور التي ينبغي للمؤمن أن يغار على دينه، على دين الله سبحانه وتعالى. وكذلك أيضًا من الغيرة المحمودة أن يغار الإنسان على نسائه، وعلى أهله، وعلى أقاربه، وعلى جيرانه. هذه أيضًا من الغيرة، بل يغار على كل مسلمة أن تنتهك حرمتها. ولهذا ذكر ابن إسحاق في السيرة أن سبب نقض بني قينقاع - وإن كان الإسناد فيه إعضال - لكن أيضًا ذكره أبو نعيم والبيهقي بإسناد لا بأس به في الشواهد: أن امرأة مسلمة كانت في سوق بني قينقاع من اليهود في المدينة، وبنو قينقاع لهم سوق هناك في المدينة، فكانت هذه المرأة المسلمة تريد أن تشتري شيئًا عند هؤلاء اليهود، فقام بعض اليهود - وكانت النساء غالبًا في أثوابهن تجدها من الخيوط - فقام أخذ شيئًا من خيط ثوبها دون أن تعلم، وربط هذا الخيط في شيء من الدكان أو الحديد، فلما مشت المرأة فما دريت إلا والثوب ينتشر منها حتى كادت أن تنكشف عورتها، فكان هناك رجل مسلم فغار، فضرب هذا اليهودي حتى قتله، فقام هؤلاء اليهود وقتلوه، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، فأخرجهم من المدينة لأنهم نقضوا العهد، لأنه كان قد صالحهم أول ما جاء النبي صلى الله عليه وسلم، آخى بين المهاجرين والأنصار، وكذلك عقد الصلح مع اليهود حتى يستقر في المدينة، فلما نقضت بنو قينقاع - وهي أول قبيلة من قبائل اليهود تنقض الصلح، وبنو قينقاعهم قبيلة الصحابي الجليل عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه - أجلاهم النبي عليه الصلاة والسلام وأخرجهم من المدينة. وتشبهها قصة المعتصم التي حصلت وهي مشهورة في التاريخ، لما قالت المرأة: «واعتصماه»، فحرك المعتصم جيشًا من بغداد إلى عمورية - أو إلى الأندلس - حتى يدافع غيرة على عرض هذه المرأة. فلذا قال العلماء، قال الفقهاء: إذا رأى الرجل أن عرض امرأة ينتهك أمامه فواجب عليه أن يغار على عرض هذه المرأة، إذا رأى عرض امرأة ينتهك أمامه فواجب عليه أن يدافع عن هذه المرأة، إلا إن كان لا يستطيع، ليس عنده قوة، مثل ما يحصل من بعض الكفار في بلاد المسلمين، يأتي هذا الرجل ويغتصب المرأة أمام مرأى من زوجها أو من أخيها وهو لا يستطيع أن يفعل شيئًا. وقد حصل هذا لما دخلت التتار إلى العراق، حصل اغتصاب للنساء كثيرًا، حتى أن الرجل يغتصب المرأة أمام أهلها، أمام زوجها، ولا يستطيع أن يحرك ساكنًا. وإذا مثلًا دافع عن نفسه ودافع عن عرضه فإنه يموت شهيدًا، هذا إذا كان زوجًا لها أو أخًا لها أو قريبًا لها فإنه يموت شهيدًا. وأما غيرهم فإن دافع فهو داخل في هذا المعنى، دافع وهو يعرف أنه لا يستطيع أن يقاوم هؤلاء، فيفدي نفسه لأجل عرض هذه المرأة، فهذا لا شك أنه يؤجر، لكن هل هو واجب عليه؟ قالوا: لا، ليس واجبًا عليه، إذا كان يعرف أنه لا يستطيع، لا يستطيع أن يدفعهم عن هذا الأمر، لكن إن حاول وقتل فهو شهيد، فإن قتل فهو شهيد، لماذا؟ لأنه دافع عن عرض امرأة مسلمة وقتلوه هؤلاء الكفار. فلذا فالمؤمن يجب عليه أن يغار على عرض أهل الإسلام، سواء كان امرأة أو ولدًا أو غير ذلك. وكذلك أيضًا الرجل أكثر ما يغار أيضًا على زوجته وعلى أهله، فإن ذهبت تلك الغيرة فهي دياثة. جاء في الحديث الذي يخرجه أهل السنن قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل الجنة ديوث، ولا مدمن خمر، ولا صاحب مكس». فالديوث هو الذي يقر الخبث في أهله. الدياثة هي قرار الخبث في أهله. والآن تجد تنتشر هذه المخدرات، وهذا أيضًا القات وغير ذلك من هذه الأمور التي تفتك بالجسم، فلا يجد بعد ذلك الغيرة. وبعض أيضًا الموبقات، وأيضًا مما ذكره العلماء أن أكل الخنزير أيضًا يميت الغيرة، أكل لحم الخنزير يميت الغيرة، وأيضًا أكل هذه المخدرات والخمر وغيرها أيضًا تميت الغيرة من قلب الشخص، فلا يغار بعد ذلك، يجد من ينتهك ويزني - والعياذ بالله - بأهله وهو لا يبالي بذلك. وسبحان الله تجد أن هذا يحصل لبعض المسلمين، إما بسبب بعدهم عن الشرع واتباعهم للكفار، وإما لاستعماله لبعض هذه المخدرات والسكر وغير ذلك من الأسباب التي تؤديه إلى مثل هذه الأمور التي يقع فيها في هذه الديوثة. فلذا فالواجب على المسلم أنه يغار على مثل هذه الأمور، وهذا أيضًا من الغيرة المحمودة. وهناك أيضًا عدة معانٍ، أو هناك أيضًا من الغيرة المحمودة أشياء كثيرة، ومنها أيضًا رؤية المنكر، فيغار لأجل هذا المنكر. وإن شاء الله نكمل في درس لاحق، نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.