الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 89، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يوضح الشارح أن حفظ اللحظات، والخطوات، واللفظات، والخطرات هو السبيل للوقاية من الزنا، ويبدأ بتفصيل "اللحظات" كرائد للشهوة مستنداً إلى حديث "لا تتبع النظرة النظرة". ويشير إلى أن ابن القيم سيعقد لكل باب فصلاً مستقلاً لبيان آثاره وعلاجاته.
يصف النظرة بأنها سهم مسموم من سهام إبليس، ويستعرض أحاديث غض البصر وحفظ الفروج مع تصنيف درجات صحتها. ويبين التدرج النفسي من النظرة إلى الخطرة فالشهوة فالإرادة فالعزيمة فالهمة ثم الفعل ما لم يمنعه مانع كمراقبة الله.
يسرد قصة الرجل الذي كاد يزني فامتنع بتقوى الله عند قول المرأة: اتق الله، ويذكر حديث النبي عن زنا الجوارح. ويحذر من أن إطلاق البصر يورث الحسرات والشهوات ويوقع في المهالك، وأن غض الطرف أيسر من تحمل عذاب الندم.
يختتم المتحدث بالصلاة على النبي محمد وآله والحمد لله رب العالمين، مع التذكير بأن الله أعلم. ويدعو المشاهدين للاشتراك في القناة ومتابعة الدروس القادمة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع الداء والدواء، وهو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لشيخ الإسلام الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي، رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. كنا آخر ما تكلمنا عنه هو فصل يتعلق بالزنا، وعظم هذه المعصية، وكبير المفسدة المترتبة على الوقوع في هذه الكبيرة من كبائر الذنوب. وقد ذكر رحمه الله تعالى أن مفسدة الزنا من أعظم المفاسد، وأنها منافية لمصلحة نظام العالم في حفظ الأنساب، وحماية الفروج، وهكذا صيانة الحرمات. وهكذا هي توقع أعظم العداوة والبغضاء بين الناس، وذلك أن فيها إفسادًا لامرأة قد تكون زوجة أو أما أو أختا أو بنتا. قال: وفي ذلك خراب العالم. وذكر أن هذه المفسدة تلي مفسدة القتل في الكبر، ولهذا قرنها ربنا عز وجل بها في كتابه، وهكذا نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سنته. وختم هذا الفصل الماتع المفيد بآه، ماذا؟ بأنه يجب على المسلم أن يحفظ دينه بحفظ أربعة أشياء. هذه الأربع إذا حفظت كانت سبيلًا لأن يجتنب الزنا، ألا وهي: اللحظات، والخطوات، واللفظات، والخطرات. قلنا: اللحظات جمع ماذا؟ لحظة. وما هي اللحظة؟ جمع لحظة. ها، إيش ما هي اللحظة؟ ما معناها؟ ما معناها؟ لحظة: نظرة. اللحظات: أي النظرات. والخطرات: ما مفردها يا صالح؟ ما مفردها عندنا؟ خطرات: هذا جمع، ما مفرده؟ خطرات جمع، مفرده طيب. أحسنت. نعم: خطرة. آه، مفرده خطرة. وما هي الخطرة يا حذيفة؟ تقول: خطر ببالي أمرا. خطر ببالي أمرا. فما هي الخطرة يا خاني يوسف؟ ما هي الخطرة؟ أقول: هل خطر ببالك أن تزور الفيوش؟ تقول: نعم أو لا. طيب، خطرة. تعال اقرؤه هنا عندنا آيا. طيب، أنتم الثلاثة أيضًا اقتربوا عندنا. نعم، آه، عندك فكرة؟ شيء يخطر ببالي وعقلي الإنسان. والأمر الثالث: قال واللفظات. اللفظات جمع، فما مفرده يا أبا أسامة؟ اللفظات. آه، لفظة. أحسنت. واللفظة يعني الكلمة التي يتلفظ بها الإنسان. والخطوات يا أبا عثمان: الخطوات جمع، ما مفرده؟ الخطوات جمع، ما مفرده؟ خطوات، مفرده ماذا؟ الواحد منه. نعم عندك يا أبا عثمان. واضح يا أبا عثمان؟ خطوات جمع، ما مفرده؟ الواحد منها ماذا يقال له؟ طيب، لا بأس. آه، عندك أنت: خطوات جمع، ما مفردها؟ الواحد منها. خطوات جمع، مفرده طيب. لا بأس، شامل يعينك. عندك يا أخانا شامل: خطوات إلى المطبخ. طيب، الواحد منها ماذا؟ أحسنت: خطوة. مفرده خطوة. ما هي الخطوة؟ ما هي الخطوة يا أبا سعيد؟ ما هي خطوة؟ خط؟ لا، ذاك جمعه خطوط. لكن هذه خطوة. نعم، نعم يا رافع: طريق؟ كيف طريق؟ طريق، جمعها طرق. نعم. الخطوات، الخطوات تحتاجها في الطريق. فما تعريفه؟ ما هو المقصود بالخطوة؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم في فضل المشي إلى المساجد: «لم يخطو خطوة إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة». خطيئة. طيب، أحسن يا أبا مريم. أحسن: ما بين القدمين هذا يسمى خطوة. ما بين القدمين هذا يسمى خطوة. فبحفظ هذه الأمور الأربعة؛ لأنها تعتبر أبوابًا. هذه الأربع أبوابًا توصل إلى إذا اخترقت توصل إلى الوقوع في الزنا. ولهذا أشار ابن القيم رحمه الله تعالى أنه ينبغي للعبد أن يكون بواب نفسه على هذه الأبواب الأربعة، يرابط، لا يجعل شيئًا منها يدخل عليه؛ لأنه سيضر به، وسيؤدي به في العاجل أو في الآجل إلى أن يقع في هذه آه، ماذا؟ في هذه الجريمة وهذه المعصية. ولهذا سبق معنا أن الله عز وجل حين أن حذرنا من الزنا قال: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ﴾ [الإسراء: 32]. لا تقربوا الزنا. فهذه ثغور، قال: فمنها يدخل عليه العدو فيجوس خلال الديار، الديار، ويتبر ما علوا تتبيرًا. أي أنه يهلك، يدمر، يفسد ما أمامه. ولأجل، أو لأهمية هذه الأربع، نجد أن ابن القيم رحمه الله تعالى سيعقد لكل واحدة منها فصلًا خاصًا مستقلًا بها. قال رحمه الله تعالى: قال: فصل. وأكثر ما يدخل، أو وأكثر ما تدخل المعاصي على العبد من هذه الأبواب الأربعة، ما هي؟ قلنا: اللحظات، وهكذا الخطرات، وأيضًا اللفظات والخطوات. قال: فنذكر في كل منها فصلًا يليق به، فصلًا يليق به. قال: فأما اللحظات، فأما اللحظات، قال: فهي رائد الشهوة ورسولها، وحفظها أصل حفظ الفرج. فمن أطلق بصره أورده موارد الهلكات. وسبق معنا يا إخوان مرارًا وتكرارًا التنبيه على خطورة البصر، والاتصال المباشر بين البصر وبين الفرج، وبين الفرج. قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تتبع النظرة النظرة». لا تتبع النظرة النظرة. قال: «فإنما لك الأولى، وليست لك الآخرة». الآخرة: أي الثانية. وهذا الحديث جاء من حديث، هذا الحديث جاء من حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، قال له النبي صلى الله عليه وسلم ذلك: «لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى، وليست لك الآخرة». أي الثانية. وهكذا جاء من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه، والحديث عند أبي داود والترمذي وغيرهما، وهو من طريق محمد بن إسحاق، وقد عن، لكن الحديث يحسن بمجموع الطريقين. ولهذا حسنه غير واحد من أهل العلم، منهم العلامة الألباني رحمه الله تعالى، كما في صحيح سنن أبي داود. قال: وفي المسند. وقوله هنا: «لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى». لماذا لك الأولى؟ لأن الشخص ينظر من غير قصد. أما إذا قيل لك: يا فلان، انظر هذه امرأة جميلة مقبلة، هذه امرأة جميلة مقبلة، فقل لي: ماذا؟ لي الأولى فرصة أدقق النظرة فيها. فإذا نظر بعد أن علم، فليست له الأولى. له الأولى التي تسمى نظر الفجأة. نظر، فماذا رأى؟ شيئًا لا يجوز النظر إليه، كالذي لربما يظهر في الجوال أحيانًا، في جوالك، فيظهر شيء، فلك ماذا؟ لك الأولى، وليست لك الآخرة. لكن الشخص هو الذي يبحث عن الشيء، هذا كتب كلمة يريد من هذه الكلمة أن تظهر له صورة معينة، فهل يقول بعد كتابته وبحثه: لي الأولى؟ الجواب: لا، عليك الأولى، وعليك الثانية. فعليك الأولى، وعليك الثانية. قال: وفي المسند. وإذا أطلق المسند، فمن مراد إذا أطلق المسند يا خان أبا خالد؟ فما المراد إذا أطلق المسند؟ نعم يا أبا خالد: مسند الإمام أحمد. فماذا يعنون بالمسند عندنا؟ وعندنا مسانيد، وعندنا سنن وجوامع. فماذا يعنون بالمسند؟ المصنف، ماذا يفعل؟ يذكر، نعم، أحاديث كل صحابي على حدة. يقول مثلًا: مسند أبي هريرة، ويذكر الأحاديث، ماذا؟ أحاديث أبي هريرة تحت هذا المسند. مسند ابن عمر، ويذكر أحاديث ابن عمر. وهذه الأحاديث لا تتقيد بباب معين، وإنما في أبواب متنوعة. وتلاحظون في درس الشيخ أبي همام حفظه الله تعالى الصحيح المسند، مثلًا: مسند ابن عمر، حديث في باب كذا، وحديث آخر في باب آخر. فيذكر أحاديث الصحابي الواردة في ماذا؟ في موضع معين. بخلاف الجوامع كجامع البخاري وهو الصحيح، وهكذا كتب السنن، فهذه طريقتها على الأبواب الفقهية: كتاب الطهارة، باب الوضوء، ويذكر الأحاديث المتعلقة بالوضوء عن مجموعة من الصحابة. قال: وفي المسند عنه صلى الله عليه وسلم: «النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، فمن غض بصره عن محاسن امرأة لله، أي غض بصره من أجل الله سبحانه وتعالى، أورث الله قلبه حلاوة، أورث الله قلبه حلاوة إلى يوم يلقاه، إلى يوم يلقاه». قال: هذا معنى الحديث. وهذا يا إخوان من ورع العلماء، أنه إذا لم يذكر لفظ الحديث بعينه، يحيل على المعنى، يقول: أو بما معناه، أو يقول: أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إشارة إلى أن الحديث مذكور بالمعنى لا باللفظ، لا باللفظ. وهذا الحديث الذي أورده هاهنا هو حديث ابن مسعود، ولا يصح، فهو من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، ضعيف، وقد اضطرب في الحديث، تارة يرويه من حديث ابن مسعود، وتارة يرويه من حديث حذيفة. والشيخ الألباني رحمه الله تعالى حكم عليه في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ على الأمة، وصفه بأنه ضعيف جدًا، بأنه ضعيف جدًا. وهكذا أيضًا جاء من حديث ابن عمر، ولا يصح. الشيخ الألباني في سلسلة الضعيفة وصفه بأنه موضوع، بأنه موضوع. والحديث جاء من حديث علي بن أبي طالب، وله طرق، كلها يا إخوان ضعفها شديد جدًا، فيها من المتروكين، ومن ضعفه شديد، فالحديث ضعفه شديد، لا يصح. قال: وقال، أي النبي صلى الله عليه وسلم: «غضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم». غضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم. وهذا الحديث حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، وهو من طريق المطلب بن عبد الله عن عبادة، وقد ذكر بعض العلماء أنه منقطع، وليس بمتصل. منقطع، وليس بمتصل. المنقطع، المنقطع يا أبا فواز، من قسمي الصحيح أم الحسن أم الضعيف؟ الضعيف. لماذا؟ نعم، سقط في سنده، ولا يعلم حال هذا الساقط، ولا يعلم حال هذا الساقط. حديث عبادة يا إخوان ورد بلفظ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اضمنوا لي ستًا من أنفسكم، أضمن لكم الجنة». اضمنوا لي ستًا من أنفسكم، أضمن لكم الجنة. قال: «أصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم». وجاء من حديث أبي أمامة الباهلي، ما اسمه يا إخوان؟ أبو أمامة الباهلي، ما اسمه يا أبا صالح؟ ما اسمه؟ أبو أمامة الباهلي يا أبا جعفر. أبو أمامة الباهلي، ما اسمه يا أبا خالد؟ يا أبا الفاروق؟ نعم، أبو أمامة الباهلي يا أبا عبد الرحمن. أبو أمامة الباهلي، طيب يا أبا زرعة. طيب، أبو أمامة الباهلي يا أبا عبد الله. طيب، أحسنتم يا إخوان. أبو أمامة الباهلي: صُدي بن عجلان رضي الله تعالى عنه، صحابي جليل. هذا الحديث جاء من طريق، أو جاء من حديث أبي أمامة صُدي بن عجلان، لكن الراوي عنه فضالة بن الزبير، فضالة بن الزبير الغداني، فضالة بن الزبير الغداني، وهو ضعيف أيضًا. وجاء من حديث أنس، له شاهد من حديث أنس، وسنده حسن، فالحديث، فالحديث صحيح بشواهده، كما في السلسلة الصحيحة للعلامة الألباني رحمه الله تعالى. الحديث صحيح: «غضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم». قال: وقال، أي النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم والجلوس على الطرقات». إياكم، على الطرقات. قالوا: يا رسول الله، مجالسنا، ما لنا منها بد، ما لنا منها بد. قال: «إن كنتم لا بد فاعلين، فأعطوا الطريق حقه». قالوا: وما حقه؟ قال: «غض البصر، وكفوا الأذى، وردوا السلام، وردوا السلام». وفي بعض الطرق في صحيح مسلم وغيره: قال: «والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والنهي عن المنكر». وشاهدنا قوله: غض البصر. وهذا الحديث يا إخوان في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري. أبو سعيد الخدري يا إخوان، تكرر معنا كثيرًا. يا أبا عبد الله، أبو سعيد الخدري، ما اسمه؟ أبو سعيد الخدري: سعد بن مالك بن سنان. أحسنت، لله درك يا عم سالم. قال: والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان. لاحظوا يا إخوان هذه عبارة متينة جدًا. قال: والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان. فإن النظرة تولد خطرة، ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة. إذا اشتهت النفس حرصت على تحقيق ما تشتهيه. قال: ثم تولد الشهوة إرادة، ثم تولد الإرادة عزيمة. أراد، فعزم على أن يتحصل ويفعل ما تشتهيه النفس. قال: فتصير همة حازمة، فتولد طلبًا، فيقع الفعل ولا بد. قال: ما لم يمنع منه مانع. ما لم يمنع، أي من وقوع الفعل، مانع. وهذه الموانع التي قد تحصل، ولا يتمكن الشخص من تحقيق ما يشتهيه، أو ما تشتهيه نفسه، ما تشتهيه نفسه. مثلًا من هذه الموانع: أن يستشعر، أن يستشعر، أن يستشعر خطورة المعصية، وعظمة المعصية التي، آما، التي سيقوم بها، وأن الله مطلع عليه. قد يعظم في نفسه. مرة معنا حديث ابن عمر في قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار، فدخلوه، فانحدرت عليهم صخرة، فسدت عليهم فتحة الغار. فقال بعضهم لبعض: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بخالص أعمالكم. وفي رواية: بصالح أعمالكم. الأول توسل إلى الله عز وجل بماذا؟ ببره بوالديه وإحسانه مع والديه. الثاني توسل إلى الله عز وجل بعفته، وبعده عن الزنا، وإقلاعه عن المعصية. وكان قاب قوسين أو أدنى أن يقع فيها. قال: اللهم إنه كانت لي ابنة عم، وكنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء. قال: فأردتها عن نفسها يومًا، فامتنعت. قال: حتى ألمت بها سنة من السنين، أي احتاجت حاجة شديدة جدًا. قال: فجاءتني، أي تستعين بي في قضاء حاجتها. قال: فأعطيتها عشرين ومئة دينار. الدينار ذهب، والدرهم فضة. دينار. لكن هناك شرط، ما هو؟ قال: على أن تخلي ما بيني وبين نفسها. قال: ففعلت. قال: فلما قعدت منها مقعد الرجل من أهله، يعني ماذا؟ يعني ما هي إلا لحظات ويقع في جريمة الزنا. هنا انبعثت كلمة من أعماق قلبها، فلم تستقر إلا في أعماق قلبه. قالت له: اتق الله. كلمة عظيمة يا إخوان، لو وضعت على جبل لتصدع، فما بال الإنسان لا يتأثر؟ قالت له: اتق الله. يعني: ما تستحي من الله أن يراك في هذا الحال، وعلى هذا المنظر؟ ما تخاف من الله عز وجل؟ كيف بك إذا أوقف الله نبض قلبك؟ هل ستزني؟ الجواب: لا. كيف لو حبس الهواء عن رئتك؟ هل ستزني؟ الجواب: لا. كيف لو جمد الله الدماء في عروقك؟ هل ستزني؟ الجواب: لا. أسئلة يا إخوان تدل على على جهل الإنسان، وعلى مدى ظلمه وغفلته، ليس في جريمة الزنا فحسب، ولكن عند أي معصية تحدث النفس صاحبها بها. يقول المرء لنفسه: اتق الله. قال: «ولا تفضن الخاتم إلا بحقه». كناية عن ماذا؟ كناية عن الزنا. قال: فقمت عنها، وهي من أحبي النساء إلي. انظر إلى الخوف والهيبة من الله. قال: وتركت الذهب الذي أعطيتها. ندمًا يا إخوان. ما طالب بالذهب، ما دام أن ما أراده قد ذهب. لا. قال: وتركت الذهب الذي أعطيتها. فهنا حصل المانع. وإلا فالأصل يا إخوان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين عن أبي هريرة: «كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا، مدرك ذلك لا محالة، لا محالة». قال: «فالعينان تزنيان، وزناهما النظر، والأذنان تزنيان، وزناهما الاستماع، واليدان تزنيان، وزناهما البطش، والرجلان تزنيان، وزناهما الخطى». قال: «والقلب». انظر هنا: مركز إصدار التعليمات، وانبعاث الأوامر والتوجيهات من القلب. قال: «والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه». يصدق ذلك الفرج أو يكذبه. قال رحمه الله تعالى: قال: وفي هذا قيل: ماذا؟ قيل. قال: قيل: «الصبر على غض الطرف، الطرف يعني البصر، العين، الصبر على غض الطرف أيسر من الصبر على ألم ما بعده، على ألم ما بعده». ومعنى هذا يا إخوان: كون الإنسان يمنع نفسه من النظر، هذا أهون من ماذا؟ مما لو نظر فأعجبه ما ينظر، وحرك مشاعره، وآثار حواسه. هنا سيتألم ويتوجع على عدم الحصول على ما نظر، على ما نظر. فكونك تغض بصرك، هذا أسهل، أيسر من كونك تبقى، كونه الشخص قد يبقى ليلًا كاملًا ما ينام، الذهن يشتغل. كم يا إخوان يعاني العشاق؟ كم يتعذب أهل العشق؟ ولهم المصارع الوخيمة، كما سبق معنا مرارًا وتكرارًا. قال رحمه الله تعالى: قال الشاعر. وهذه الأبيات تنسب إلى أبي الطيب المتنبي، وبعضهم ينسبها إلى الإمام الشافعي، وقيل غيرهما، وأكثر ما وقفت عليه أنها إلى أبي الطيب المتنبي. قال: قال الشاعر: كل الحوادث مبدأها من النظر كل الحوادث مبدأها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر كم نظرة بلغت من قلب صاحبها كمبلغ السهم بين القوس والوتر والعبد، والعبد ما دام ذا طرف يقلبه والعبد ما دام ذا طرف، أي ذا بصر، يقلبه في أعين الناس موقوف على الخطر يسر مقلت، يسر مقلته ما ضر مهجته. لاحظوا يا إخوان: يسر مقلته، ما هي المقلة يا أبا عبد الرحمن؟ العين. أحسن. ما ضر مهجته، ما هي المهجة؟ ما هي المهجة؟ ما هي المهجة؟ نعم يا محمد: ما هي المهجة؟ القلب. قال: يسر مقلته، العين تفرح، ترتاح، لكن القلب ماذا؟ القلب يتضرر. قال: والعبد، قال: يسر مقلته ما ضر مهجته. لا مرحبا بسرور عاد بالضرر. لا مرحبا بسرور عاد بالضرر. قال: ومن آفات النظر، آفات يعني أضرار النظر، قال: أنه يورث الحسرات، والزفرات، والحرقات، والحسد، والشهوات، وربما ألقى صاحبه في القتل وسفك الدم. فإن العبد إذا أطلق لحظاته، إذا أطلق لحظاته، دامت حسراته. فإنه يرى ما لا صبر له عليه، مما لا يقدر عليه، أو على بعضه. قال: وهذا من أعظم العذاب المعجل لمن أطلق لحظاته، أن يرى ما لا صبر له عن بعضه، ولا قدرة له على كله. كما قال الشاعر، كما قال الشاعر، وكما ذكر عندنا في التعليق، وذكره غير واحد أنه، ماذا؟ لأبي تمام في ديوانه المشهور بالحماسة، والحماسة باب، ونوع من أنواع الشعر كالهجاء والغزل ونحوها. قال: كما قال الشاعر: وكنت متى أرسلت طرفك رائدا لقلبك يوما أتعبتك المناظر وكنت متى أرسلت طرفك رائدا، أرسلت بصرك رائدا، يعني رسولًا مُنْدُوبًا، لقلبك يوما أتعبتك المناظر. رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه، ولا عن بعضه أنت صابر. قال: وهذا البيت يحتاج إلى شرح. ومراده أنك إذا أطلقت بصرك ترى ما لا تصبر عن شيء منه، ولا تقدر على شيء منه. قال: فإن قوله: «لا كله أنت قادر عليه»، نفي لقدرته على الكل، التي لا تنتفي إلا بنفي القدرة عن كل واحد واحد. والفصل ممتع ومفيد، وله تتمة مع ما بعده من الفصول المتعلقة بهذه الأمور الأربعة. يسر الله إتمامها، وأعاذنا على إكمالها، ونفعنا ربنا عز وجل بما نقول أو نسمع فيها، إنه ولي ذلك والقادر عليه. صلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. اشتركوا في القناة