الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 87، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشرح ابن القيم أن تشبيه القرآن لقتل نفس واحدة بقتل الناس جميعاً يقصد به استباحة أصل الحرمة وزوال الموانع لا تساوي مقدار الإثم، ويؤيد ذلك بأمثلة من السنة كصلاة الجماعة وصيام ست من شوال. ويبين أن التشبيه في هذه النصوص وارد في أصل الثواب أو العقوبة لا في صفتهما أو كميتهما الدقيقة.
يوضح المقطع أن ثواب الأعمال يتفاوت ولا يستوي، فقراءة أجزاء من القرآن تضاعف أجرها على قراءة سورة الإخلاص فقط، بينما قتل نفس واحدة يعدل قتل الناس جميعا في الإثم والاستخفاف بالدم الحرام. ويختم بالتأكيد على أهمية الفقه والفهم الصحيح عن الله ورسوله.
يبيّن المقطع أن أول من سن القتل يتحمل وزر كل نفس تقتل بعده، ويؤكد حرمة دم المؤمن وعظم عقوبة قاتله عمداً مستدلاً بآيات وأحاديث. ومنها أن المؤمن أعظم حرمة عند الله من الكعبة، وأن زوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق.
يختتم المؤلف فصله حول خطورة جريمة القتل وعظمها، مشيراً إلى أنه سيتناول في فصول قادمة كبائر أخرى كالزنا. ويختم بالدعاء بحفظ الدين والخاتمة الحسنة والصلاة على النبي.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، البشير النذير والسراج المنير، الذي هدى الله به من الضلالة وبصر به من العماية، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد ابن أبي بكر الزرعي المشهور بابن القيم رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين، في كتابه الماتع القيم المفيد الموسوم بـ «الداء والدواء» وهو «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي» قال رحمه الله تعالى: فصل: ولما كانت مفسدة القتل هذه المفسدة -أي من حيث عظم الجرم وكبير الخطأ- قال الله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: وقد أشكل فهم هذا على كثير من الناس، وقالوا: معلوم أن إثم قاتل مئة أعظم عند الله من إثم قاتل نفس واحدة. وإنما أتوا من سوء فهم وظنهم أن التشبيه إنما هو في مقدار الإثم والعقوبة، واللفظ لم يدل على هذا، ولا يلزم من تشبيه الشيء بالشيء أخذه بجميع أحكامه. وهنا رحمه الله تعالى يبين هذا الإشكال، ويبين أن المشابهة الحاصلة بين الأمرين إنما هي في أصل العقوبة لا في الصفة التي تقع بها العقوبة. وكما ذكر: معلوم أن صفة عقوبة من قتل مئة نفس لا شك ولا ريب أنها أعظم من صفة عقوبة من قتل نفسا واحدة، فكان قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ لأن الذي قتل نفسا واحدة فهو بقتله لهذه النفس تعتبر قد استباح القتل المعصوم -يعني أنواع وأشكال وأجناس القتل المعصوم- وليس عنده مانع يمنعه بعد ذلك من أن يقتل أي نفس كانت. بل كما ذكر أهل العلم: أن من تمادى في القتل أصبح القتل بالنسبة له أمرا عاديا سهلا، بل قد يشتهي ذلك، يشتهي أنه يقتل دائما. وفي حديث الرجل الذي قتل تسعا وتسعين نفسا وسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على عابد فسأله، وأخبره أنه قتل تسعة وتسعين نفسا، فهل له من توبة؟ قال: لا. ماذا فعل؟ قتلهم مباشرة. لماذا؟ لأنه قد اعتاد على القتل وأصبح القتل بالنسبة له أمرا سهلا، بل أمرا مشتهيا، أي تشتهيه النفس، تشتهيه النفس. قال رحمه الله تعالى: وقال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾. كأنهم يوم يرونها أي يروا الآخرة، فعندها يشعرون أنهم لم يلبثوا في هذه الدنيا إلا سويعات قليلة، إلا عشية أو ضحاها. العشية: من بعد العصر إلى المغرب، والضحى: من بعد طلوع الشمس إلى قبل زوالها. وقال: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ﴾. قال: وهذا التشبيه لا يوجب أن لبثهم في الدنيا إنما كان هذا المقدار، عاشوا كثيرا سنين عديدة، وماذا؟ لكن شبه الله عز وجل سرعة مرور هذه السنين بماذا؟ بسرعة مرور الساعة أو العشية أو ضحاها. وهكذا التشبيه بالنسبة لمن قتل نفسا وكأنما قتل الناس جميعا، فهنا المشابه في أصل الشيء لا في صفته، لا في صفته. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله». وهذا حديث عثمان بن عفان في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى: «من صلى العشاء في جماعة فكأن...» فكأن هنا تشبيه، «فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الفجر في جماعة» أي مع العشاء، مع العشاء، قال: «فكأنما قام الليل كله». قال رحمه الله تعالى: قال: أي مع العشاء، كما جاء في لفظ آخر، كما جاء في لفظ آخر. وهنا يشير إلى ما أخرجه أصحاب السنن وهو في مسند أحمد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى صلاة العشاء والصبح، صلاة العشاء والصبح في جماعة فكأنما قام ليلة، فكأنما قيام ليلة». فهذا يوضح ما سبق في رواية الإمام مسلم رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: قال: وأصرح من هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر، فكأنما صام الدهر». وهذا حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه في صحيح الإمام مسلم رحمة الله تعالى عليه. قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال، ستة أيام من شوال، فكأنما صام الدهر»، أي كأنما صام السنة كلها، كأنما صام السنة كلها. وهذا يرجع إلى أصل المضاعفة، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وثلاثون يوما التي هي رمضان بثلاثمئة، وستة أيام من شوال بستين، فكأنما صام ثلاثمئة وستين يوما التي هي عدد أيام السنة. قال: وقوله أيضا من المشابهة في أصل الشيء لا في صفته. قال: وقوله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ قل هو الله أحد فكأنما قرأ ثلث القرآن، فكأنما قرأ ثلث القرآن». وهذا كما جاء في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى من حديث أبي أيوب، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: أخبر، أخبر عليه الصلاة والسلام أن قراءة سورة الإخلاص «قل هو الله أحد» أنها تعدل ثلث القرآن. قال: قال في حديث أبي سعيد: «والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن، ثلث القرآن». وجاء في حديث أبي الدرداء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى قال عليه الصلاة والسلام: «أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن؟» لاحظ الأسلوب الذي يحصل به التشويق والحث إلى هذا العمل. قال: «أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن؟» قالوا: كيف يقرأ ثلث القرآن؟ كيف يقرأ ثلث القرآن؟ قال عليه الصلاة والسلام: «قل هو الله أحد»، ماذا تعدل؟ ثلث القرآن، تعدل ثلث القرآن. وجاء في حديث أبي أيوب خارج الصحيح عند الإمام أحمد والنسائي والترمذي وغيرهم، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في «صحيح الترغيب والترهيب». فجعل قراءة سورة الإخلاص تعدل قراءة ثلث القرآن، وثلث القرآن يعني عشرة أجزاء، عشرة أجزاء، أجزاء. طيب، من قرأ سورة الإخلاص وآخر قرأ عشرة أجزاء، أهم في الأجر سواء؟ شخص جالس من بعد الفجر إلى قبيل الظهر قال: الحمد لله أكملت عشر أجزاء قراءة. قال صاحبه: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. أهما سواء؟ أم أن بينهما فرق؟ يا أبا حذيفة، أهما سواء؟ أيهما أفضل؟ الذي قرأ عشر أجزاء هو أفضل. فهذا تعدل، تعدل، لكن كما ذكر بعض العلماء أنه من غير المضاعفة، أما الذي قرأ عشرة أجزاء فإنه يضاعف، من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ألف لام ميم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف. فالذي قرأ الأجزاء العشرة هذا أفضل ممن قرأ سورة الإخلاص فقط. لكن ماذا؟ هنا المشابه في أصل الشيء لا في صفته. قال رحمه الله تعالى: قال: ومعلوم أن ثواب فاعل هذه الأشياء لا يبلغ ثواب المشبه به. لاحظوا: قال: ومعلوم أن ثواب فاعل هذه الأشياء لا يبلغ ثواب المشبه به، يعني: من صلى صلاة العشاء في جماعة وآخر قام نصف الليل، أهما سواء في الأجر؟ الجواب: لا، الذي قام نصف الليل أجره أعظم، أجره أعظم. وهكذا فيما يتعلق بغيرها من الأمثلة السابقة. قال: فيكون قدرهما سواء. قال: ومعلوم أن ثواب فاعل هذه الأشياء لا يبلغ ثواب المشبه به، فيكون قدرهما سواء، أي لا يكون كذلك. ولو كان قدر الثواب سواء لم يكن لمصلي العشاء والفجر جماعة منفعة في قيام الليل غير التعب والنصب. قال: وما أوتي عبد بعد الإيمان أفضل من الفهم عن الله ورسوله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وهنا يشير إلى أهمية الفهم والفقه، والتوفيق في ذلك، ويشير أن ما وقع له هاهنا هو من هذا الباب، من باب ما منّ الله به عليه من الفهم والفقه في ذلك. قال رحمه الله تعالى: قال: فإن قيل، رجع إلى مسألة القتل، قال: فإن قيل: ففي أي شيء وقع التشبيه بين قاتل نفس واحدة وبين قاتل الناس جميعا؟ قيل: في وجوه متعددة. أحدها: أن كلا منهما عاص لله ورسوله، مخالف لأمره، متعرض لعقوبته، وكل منهما قد باء بغضب من الله ولعنته، واستحقاق الخلود في نار جهنم. ويأتي الخلود يا إخوان بمعنى الإقامة الطويلة، خالدين فيها إقامة طويلة، ويأتي بمعنى التأبيد أبدا، أي أنهم لا يخرجون منها أبدا. فالإقامة الطويلة هذه تكون في حق بعض الذنوب التي... أما يموت العبد ولا يتب إلى الله عز وجل منها، واختار عدله سبحانه وتعالى أن يدخله النار، فيدخل ويمكث فيها ما شاء الله له أن يمكث، ثم يخرج بسبب حسنة التوحيد، بسبب أصل الإيمان والإسلام الذي عنده. وأما من كان كافرا كفرا أكبر، مشركا شركا أكبر، فهؤلاء يكونون خالدين فيها أبدا. ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ﴾، ﴿إِنَّكُم مَّاكِثُونَ﴾. وبعد خروج الموحدين من النار يذبح الموت بين الجنة والنار، فينادى: يا أهل الجنة، فيشرئبون ينظرون، وينادى: يا أهل النار، فيشرئبون، أي ينظرون، فيقال لأهل الجنة: خلود فلا موت، ويقال لأهل النار: خلود فلا موت. قال رحمه الله تعالى: قال: واستحقاق الخلود في نار جهنم، وعد له عذابا عظيما كما سبق معنا في آية النساء. قال: وإن تفاوتت دركات العذاب، فليس إثم من قتل نبيا أو إماما عادلا أو عالما يأمر الناس بالقسط كإثم من قتل من لا مزية له ولا يعتد به من آحاد الناس. وهذا سبق معنا. الثاني: أنهما سواء في الاستخفاف في إزهاق النفس. استخفاف يا إخوان، استهانة بقتل النفس المحرم قتلها، سواء قتل نفسا واحدة أو قتل أنفسا عديدة. ويا لله يا إخوان، كم حصل التساهل والاستخفاف بدماء المسلمين، بدماء المسلمين. لا أقول من قبل أعداء الإسلام من اليهود والنصارى وغيرهم، بل ربما ممن ينتسب إلى الإسلام. قبل أيام شاهد العالم وسمع ما حصل في أرض السودان وفي مدينة الفاشر، يقتل مئات من الأبرياء والمدنيين بغير حق، على مرأى ومسمع من العالم كله، ويصور ذلك، ويتبجح من يفعل ذلك بجرائمه، بجرائمه. ولا ننسى أيضا ما حصل قبل أشهر في غزة، تدك بيوت بمن بداخلها، بل قرى ومن فيها، بل مستشفيات ومن يرقد فيها، وملاجئ ومن يأوي إليها يبحث عن الأمن فيها. فاستخفاف بإزهاق الأنفس، نسأل الله العافية والسلامة. الثالث: أنهما سواء في الجراءة على سفك الدم الحرام. جراءة على سفك الدم الحرام. قال: فإن من قتل نفسا بغير استحقاق، بل لمجرد الفساد في الأرض أو لأخذ ماله، فإنه يتجرأ على قتل كل من ظفر به وأمكنه قتله، فهو معاد للنوع الإنساني، معاد، أي عدو للنوع والجنس الإنساني. ومنها: أنه يسمى قاتلا أو فاسقا أو ظالما أو عاصيا بقتله واحدا، كما يسمى كذلك بقتله الناس جميعا. ومنها: أن الله سبحانه جعل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم كالجسد الواحد، الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر. وهذا كما جاء في حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو...» عضو يا إخوان، كاليد أصابها جرح، قال: «إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». هكذا إذا أصيب الجسد بصداع في الرأس أو ألم في السن أو وجع في طرف القدم، انظر كيف يشترك الجسم كاملا ويعاني هذا الألم، ويعاني هذا الألم. وهكذا المجتمع المسلم، وهكذا المجتمع المسلم. قال: فإذا أتلف القاتل من هذا الجسد عضوا واحدا، عضوا واحدا، فكأنما آذى جميع المؤمنين، ومن آذى جميع المؤمنين آذى جميع الناس، فإن الله إنما يدفع عن الناس بالمؤمنين، الذين... الذين بيّنهم. فإيذاء الخفير، إيذاء المخفر، إيذاء المخفر، وفي بعض النسخ: إيذاء الحقير. وهنا عندنا الخفير، يعني آذى، آذى، آذى، إيذاء من كان معصوم الدم، وهكذا آذى عزيز النفس إلى غير ذلك. قال رحمه الله تعالى: وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقتل نفس ظلما بغير حق إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه أول من سن القتل، أول من سن القتل». والحديث في الصحيحين عن ابن مسعود، في الصحيحين عن ابن مسعود، يقول: «لا تقتل نفس ظلما بغير حق إلا كان على ابن آدم الأول...» من هو ابن آدم الأول؟ من هو ابن آدم الأول يا أبا معاوية؟ قابيل، قتل هابيل، والذي جاء في القرآن: ابني آدم. وهكذا في السنة: قابيل وهابيل. الذي يظهر أنه لم يأت إلا في أخبار بني إسرائيل، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج». فالذي قتل أخاه أول من سن جريمة القتل، جريمة القتل، فأي نفس تقتل بعد ذلك فله نصيب وكفل من دمها، لأنه أول من سن القتل. قال رحمه الله: ولم يأت هذا الوعيد في أول زان، ولا في أول سارق، ولا أول شارب مسكر، وإن كان أول المشركين قد يكون أولى بذلك من أول قاتل. أول من أتى بالشرك كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلها على التوحيد، وأول ما دخل الشرك هو في قوم نوح، كما جاء في حديث ابن عباس في صحيح البخاري، في صحيح البخاري، يقول: وإن كان أول من سن الشرك أولى بأن ينال من... من الذنب، أولى ممن سن القتل، لأن الشرك أعظم من القتل. قال: لأنه أول من سن الشرك. قال: ولهذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن لحي بن خندف، وهو الخزاعي، وهو الخزاعي الذي أول من أدخل الشرك وعبادة الأصنام إلى جزيرة العرب، في أيام ولاية خزاعة على مكة، قبل أن يحصل بينها وبين قريش معارك، وتطرد قريش خزاعة من الحرم، وتحل قريش في الحرم. أيام خزاعة ذهب عمرو بن لحي الخزاعي إلى الشام، فرأى الناس يعبدون الأصنام، فأعجب بذلك، فأتى بأصنام من الشام إلى مكة، ونصبها في الحرم وفي مكة. وكلكم يعلم ماذا تأثر الناس بما يقع في مكة وفي حرم الله، فمكة كانت قبلة العرب ووجهتهم الدينية إلى يومنا هذا، إذا حصل شيء في الحرم يقول القائل: هكذا رأيتهم في مكة، ويفعل ذلك في مكة. فلما أتي بالأصنام إلى مكة وعبدت، انتشرت عبادتها في أنحاء وربوع الجزيرة العربية. قال: يعذب أعظم العذاب في النار، رآه يجر قصبه، أي مصارينه في النار. قصبه يعني الأمعاء، يجرها في النار. قال: لأنه أول من غير دين إبراهيم عليه السلام، ودين إبراهيم يا إخوان الحنيفية، الإسلام، التوحيد، عدم الشرك بالله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: قال: وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾. قال: أي فيقتدي بكم من بعدكم، فيكون إثم كفره عليكم، وكذلك حكم من سن سنة سيئة فاتبع عليها. قال: وفي جامع الترمذي، يقال: جامع الترمذي، ويقال: سنن الترمذي، وبعض العلماء أطلق على كتاب الترمذي «الجامع» كجامع البخاري، وبعضهم يطلق عليه «سنن» كسنن أبي داود والنسائي وابن ماجه وغيرها. قال: عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة، ناصيته ورأسه بيده». ما هي الناصية؟ ما هي الناصية يا أخانا علي؟ قبل، قبل أن ترحل، فأبو خالد: الناصية، أحسنة، أحسنت، مقدمة الرأس، الناصية هذه، جبهة، أعلى منها ناصية، عند منبت الشعر. قال: «ناصيته ورأسه ورأسه ورأسه بيده، وأوداجه تشخب دما». ما هي الأوداج؟ ما هي الأوداج يا أخانا محمد بن زكي؟ ما هي الأوداج؟ عند ذبح الأضحية أو الهدي أو الذبيحة، يقطع الذابح بسكينه المريء والبلعوم والودجين، اثنان من الأوداج، أين الأوداج؟ أعد، أنت معك سكين، فلتذبح شاه، ستقطع أربعة أشياء: مجرى الطعام، ومجرى النفس، واثنان مجرى الدم، أوداج. آه، نعم، في العنق، هنا في الحلق عند الذبح. قال: «وأوداجه»، أي عروقه، «تشخب»، ما معنى تشخب يا حذيفة؟ تسيل بشدة، نعم، «دما»، يقول: «يا رب، سل هذا فيما قتلني، سل هذا فيما قتلني». قال: فذكروا لابن عباس رضي الله عنهما التوبة، فتلى هذه الآية: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. يعني يشير إلى عدم صحة توبة القاتل، وسبق معنا أنه جاء عن ابن عباس أنه رجع عن هذا القول، وقال بصحة توبة القاتل، كما جاء في «الأدب المفرد» للإمام البخاري رحمه الله تعالى. ثم قال: ما نسخت هذه الآية ولا بدلت، وأن له التوبة، وأن له التوبة. قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقد حسنه، صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. قال: وفيه أيضا عن نافع، أي مولى ابن عمر، قال: نظر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يوما إلى الكعبة، فقال: «ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم عند الله حرمة منك». قال الترمذي: هذا حديث حسن، هذا حديث حسن، وأيضا صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. قال: وفي صحيح البخاري عن جندب رضي الله عنه: «أول ما ينتن من الإنسان بطنه». أول ما ينتن، ما معنى ينتن؟ يعني يتلف بعد أن يموت، سواء في قبره أو إذا رمي في واد أو مات في صحراء أو غير ذلك. قال: «بطنه، فمن استطاع منكم ألا يأكل إلا طيبا فليفعل، ومن استطاع منكم ألا يحول بينه وبين الجنة ملء كف من دم أهراقه، أو أهراقه، فليفعل». يعني أنه لا يسفك دما، ولو كان قليلا، ولو كان قليلا. قال: وفي صحيحه، أي صحيح البخاري، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما، ما لم يصب دما حراما». قال: وذكر البخاري في صحيحه أيضا عن ابن عمر قال: «من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله». قال: وفي الصحيحين عن أبي هريرة يرفعه، أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر، وقتاله كفر». قال: وفيهما أيضا عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض». وفي صحيح البخاري عنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل معاهدا...» المعاهد يكون من أهل الكتاب، يهودي أو نصراني، يسكن في بلاد المسلمين، ويعطى الأمان، فيأتي شخص ويقتله. قال: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما». قال: فإذا كان قد قال هذا في عقوبة قاتل المعاهد وهو عدو لله ولرسوله، يعني كافر، قال: إذا كان في عهده وأمانه، فكيف عقوبة قاتل عبده المؤمن؟ قال: وإذا كانت امرأة قد دخلت النار في هرة حبستها حتى ماتت جوعا وعطشا، فرآها النبي صلى الله عليه وسلم في النار، والهرة تخدشها في وجهها وصدرها، فكيف عقوبة من حبس مؤمنا حتى مات بغير جرم؟ وما الظن بمن قتله؟ قال رحمه الله تعالى: قال: وفي بعض السنن عنه صلى الله عليه وسلم، يعني عند الترمذي والنسائي وغيرهما، قال: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق». وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الفصل المتعلق بخطورة وعظم جريمة القتل، وسيذكر رحمه الله تعالى في فصول أخرى ما يتعلق بغيرها من الكبائر كالزنا ونحوها. نسأل المولى تبارك وتعالى أن يحفظ علينا ديننا، وأن يتوفانا مسلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.