تفسير سورة البروج من تفسير الجلالين 3

تفسير سورة البروج من تفسير الجلالين 3

الدرس في تفسير سورة البروج من تفسير الجلالين 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تفسير سورة البروج وجزاء المؤمنين والكفار

تناول المقطع تفسير الآيات القرآنية في سورة البروج، وشرح معنى الآيات التي تتحدث عن جزاء المؤمنين والكفار. وأوضح أن الجنة لا تنال إلا بالعمل الصالح والتسابق في الأعمال الصالحة.

تفسير الآيات وشرح أسماء الله الحسنى

المقطع يتناول تفسير الآيات القرآنية خاصة قوله تعالى: ﴿إنه هو يبدئ ويعيد﴾، وقوله: ﴿وهو الغفور الودود﴾، مع شرح معاني أسماء الله الحسنى. وأوضح دلالاتها اللغوية والشرعية.

معنى اسم الله الودود وجمعه مع الغفور

اسم الله الودود يحمل معنيين: المودود والفاعل. جمع الله بين اسمين الغفور الودود إشارة إلى مغفرته للتائبين ومحبته لهم. وهذا الجمع يدل على عظمة الله تعالى ورحمته ومحبته لعباده.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى عند قول الله جل في علاه: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير﴾. لازلنا مع المؤلف رحمه الله تعالى في تفسير سورة البروج، وبعد ما فسر لنا ما مضى من قوله سبحانه وتعالى: ﴿إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق﴾، ذكر رحمه الله تعالى ما يتعلق بهذه الآية الكريمة: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾. وفي هذه الآية إشارة، إخواني، إلى أسلوب قرآني، وأن القرآن إذا ذكر شيئًا يذكر ضده، يذكر ما يقابله. فإذا ذكر ربنا عز وجل أحوال الكفار ذكر ما يقابله من أحوال أهل الإيمان. وهاهنا لما ذكر ربنا عز وجل أحوال وحال وجزاء الكفار، ذكر هاهنا جزاء أهل الإيمان. فلما كان الذين تصلطوا على المؤمنين بالتنكيل والتعذيب حقهم التحريق، ﴿فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق﴾، بين ربنا عز وجل ما يقابل ذلك، أن المؤمن جزاه آخر، وهو أن الله عز وجل يمتعه بالنعيم المقيم: ﴿لهم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾. ففرق يا عبد الله بين هذا وبين ذاك. وفي هذه الآية كذلك إشارة إلى حال هؤلاء الذين فازوا، أنهم آمنوا بقلوبهم وعملوا بجوارحهم، فلابد من العمل. فالجنة يا عبد الله لا تنال بالأماني والأمنيات، وإنما تنال بالضفر والعمل والتسابق والتنافس على الأعمال الصالحات، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات. وقال سبحانه وتعالى: ﴿ذلك الفوز الكبير﴾، هذا فوز ما بعده فوز. والفوز في لغة العرب كما قال العلماء هو النجاة من كل مطلوب والحصول على كل مطلوب، النجاة من كل مرهوب والحصول على كل مطلوب، هذا هو الفوز. وفي يوم القيامة يا عبد الله إذا رأيت أن الله عز وجل أبعدك عن النار وأدخلك الجنة، فاعلم أنك فزت فوزًا عظيمًا، كما قال سبحانه: «فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز». فنسأل الله عز وجل أن يجعلنا من عباده الفائزين. ثم قال سبحانه: ﴿إن بطش ربك لشديد﴾، قال: «إن بطش ربك بالكفار لشديد بحسب إيرادته»، ﴿إن بطش ربك لشديد﴾، أي البطش هنا بمعنى العقوبة والانتقام، بمعنى العقوبة والانتقام. إذا أراد الله عز وجل أن ينتقم من الكفار وأن يسلط عليهم عذابًا، فإن هذا العذاب أليم مؤلم قوي شديد عنيف. صحيح أن الله عز وجل قد يعاقب أهل الإسلام، ينزل عليهم ربنا عز وجل دلالات على غضبه عليهم، لكن كما قال العلماء كابن القيم رحمه الله تعالى: أن ما ينزله الله على أهل الإسلام والإيمان من العقوبات ليست كالذي ينزلها الله على الكفار. حتى قال بعد ذلك: «والواقع خير شاهد»، «والواقع خير شاهد». صحيح نبتلى نبتلى بفيضانات، نبتلى بأمراض، نبتلى بأعاصير تضرب علينا بين الفينة والأخرى. صحيح يبتلينا الله عز وجل بالعقوبات بما كسبت أيدينا، لكن قارنها قارنها يا عبد الله بما يصاب به الكافر، انظر إلى أعاصيرنا مع أعاصيرهم، وتأمل في فيضاناتنا مع فيضاناتهم، وهكذا قس في سائر الكوارث والعقوبات، تجد لا فرق أو كما قال، لا تجد هناك شبه، فالبون شاسع. وكما قال ابن القيم: «والواقع خير شاهد»، فربنا عز وجل إذا بطش بالكافر، إن بطشه شديد، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد﴾. لنا عبرة بالأمم السابقة، ولازلنا نعتبر بأحوال الكفار بمن يبتليهم الله بعقوبات في هذه الدنيا. ثم قال سبحانه: ﴿إنه هو يبدئ ويعيد﴾، قال: «إنه هو يبدئ الخلق ويعيد»، فلا يعجزه ما يريد، هذا الذي يذهب إليه الكثير من المفسرين في أن هذه الآية تبين ما عليه فعل الرب عز وجل، أنه يبدئ الخلق سبحانه ابتداء، وهو القادر على إعادته وعلى بعثه. يوضح ذلك ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده﴾، هذا تفسير وهو الشهير في هذا الباب. وهناك تفسير آخر للعلماء لهذه الآية: ﴿إنه هو يبدئ ويعيد﴾، إذ أنهم جعلوا هذه الآية تتعلق بالتي قبلها: ﴿إن بطش ربك لشديد إنه هو يبدئ ويعيد﴾، فجعلوا أن البداءة والإعادة لا تتعلق بالخلق وإنما تتعلق بالعذاب المذكور بالبطش، فيكون معنى الآية: «إن بطش ربك لشديد إنه يبدئ أي أنه قادر على أنه يبتدئ هذا البطش في الدنيا وأن يعيده يوم القيامة»، أي أن الكافر يبطش به في الدنيا وفي الآخرة. وهذا ثبت عن ابن عباس، وأيضًا رجحه الإمام الطبري رحمه الله، وجماع من العلماء على أن الضمير: «إنه هو يبدئ أي يبدئ العذاب». ومنهم من ذهب إلى القول الأول: «يبدئ الخلق». وكلا المعنيين صحيح. وقد وقفت على بعض المعاصرين من المفسرين جمع بين القولين، قال: «إنه يبدئ العذاب والخلق ويعيدهما»، جمع بين الخلق وجمع بين العذاب. وكذلك هذا المعنى صواب. قال: ﴿إنه يبدئ ويعيد﴾، قال: ﴿وهو الغفور الودود﴾، قال: «وهو الغفور للمذنبين المؤمنين، الودود المتودد إلى أوليائه بالكرامة». وهو الغفور، الغفور اسم أو في اسم بالغة، أي أن الله عز وجل من صفته أنه يغفر ويغفر ويغفر، فهو كثير المغفرة، فهو غفار وهو غفور سبحانه وتعالى. وإني لغفار لمن تاب. وما معنى الغفور؟ وما معنى المغفرة؟ المغفرة مأخوذة من الغفر، والغفر في اللغة بمعنى الستر، الستر، لكن ينبغي أن يضاف معنى زائد عن الستر، الستر مع الحماية. المغفرة فيها معنى الستر والحماية. فنطلق مثلًا على الخوذة القوذة التي يجعلها المحارب على رأسه تسمى مغفر، مغفر من أصل هذه المادة من الغفر. المغفر لو تلاحظ فيها معنيين، المعنى الأول ستر، أنا سترة الرأس، وفيها المعنى الثاني وهي الحماية. فإذا جاءت مثلًا ضربت رمية السهم في هذا المكان الأعلى لربما تستد أو تنحرف لما تضرب الخوذة الحديدية، فهذا المغفر هو في الحقيقة ستر وحماية. ولا يطلق مثلًا لا يطلق على العمامة مغفر، مع أن العمامة سترة الرأس هي نعم أقامت بالبند الأول وهو الستر، لكن ما يسمى ما تسمى مغفر في اللغة لأنه لم تقي، لأنه ما حمتني ولا تحمين، ما عسى العمامة أن تحمي من ضربات، ما تحمين. فقال العلماء: إذن المغفرة فيها معنى الستر والحماية. فأنت عندما تسأل ربك عز وجل المغفرة، رب اغفر لي، تأمل في دعائك لما تقول: «رب اغفر لي»، أنت تطلب من الله عز وجل أن يستر ذنبك، فقط لا يستر الذنب ويحميك من أثره، يحميك من أثره. الذنوب لا آثار، لا آثار في الحال وفي المآل ولو بعد حين. تأتيك آثار كحال رجل عق والديه في صغره أو في شبته، سيجني معضلة العقوق متى؟ إذا كبر، إذا كبر وشب وتزوج وخلف، حين سيجد مغبة عقوقه بعد سنوات، هذا من أثر الذنب. الذنوب لها آثار تأتي ولو بعد حين. فأنت لما تسأل ربك: «رب اغفر لي»، تسأل أولًا أن الله يستر عنك الذنب، وأيضًا أن الله يكفيك شر هذا الذنب. «رب اغفر لي» أي استر لي من هذا الذنب، وأن لا يعود عليه، يمحى يمحى يمحى عني تمامًا. فالإنسان عندما يلج ويلح على الله بالمغفرة، فليتصور هذا المعنى في دعائه: «رب اغفر لي» أو «أستغفر الله»، «أستغفر الله»، «أستغفر الله»، تتأمل هذين المعنيين يا عبد الله. فقال سبحانه: ﴿وهو الغفور﴾، قال: «للمذنبين المؤمنين، الودود المتودد إلى أوليائه بالكرامة». الودود من أسماء الرب العظيم، فهو الودود سبحانه وتعالى. والودود مأخوذ من الود، والود في اللغة هو خالص المحبة، هو خالص المحبة. والودود عند العلماء تحمل على معنيين اثنين، وزن فعول يحمل على معنيين اثنين، يحمل على معنى المفعولية أو يحمل على معنى الفاعلية. المعنى الأول أن الله عز وجل الودود، أي أنه سبحانه وتعالى المودود، أي أنه والذي يحب، فأولياؤه وأصفياؤه والأتقياء والعباد من عباد الله الصالحين يحبون الله عز وجل محبة ما جعلوها لأحد قط إلا لله، فهو الودود أي المودود سبحانه وتعالى. نعم، فعباد الله يحبون الأهل والأولاد والأزواج والمال، لكن لا نظير لمحبتهم لله عز وجل، فخالص المحبة جعلوها لله. وعلى هذا هم يتزاحمون، وعلى هذه هم يتنافسون، كما قال سبحانه: ﴿والذين آمنوا أشد حبًا لله﴾، أشد حبًا لله، يحاولون أن يصلوا إلى أعلى وإلى قمة أنواع المحبة إلى الله عز وجل، هذا من معاني الودود أي المودود. والمعنى الثاني: ودود على معنى الفاعلية، بأن الله واد، أي بأن الله يحب، يحب خلقه، بأن الله يحب. فالله عز وجل يحب من يشاء، فالله عز وجل يحب الأشخاص والأعيان، كما قال عليه الصلاة والسلام: «أحب العباد إلى الله أنفعهم». بل إن الله عز وجل كذلك يحب الأماكن، قال عليه الصلاة والسلام: «أحب البقاع إلى الله مساجدها». وهكذا يحب ربنا عز وجل كلمات نأتي بها: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان، خفيفتان على اللسان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». فالله يحب سبحانه وتعالى يحب خلقه من عبيده، يحب أزمان وأماكن وأعيان وأشخاص وأماكن وهكذا. فهذه من عقيدة أهل السنة والجماعة بأن الله عز وجل يحب ويحب. فسوف يأتي بقوم يحبهم ويحبونه، يحبهم ويحبونه، فالمحبة متبادلة. فهؤلاء العباد يحبون الله والله يحبهم، وكل هذا يدخل في الودود، في الودود سبحانه وتعالى. هنا مسألة وهي في قوله تعالى: ﴿وهو الغفور الودود﴾، جمع ربنا عز وجل بين هذين الاسمين: الغفور الودود. الغفور فيه صفة المغفرة، والودود فيه صفة المحبة، إشارة إلى أن من كان في هذه الأمة الإسلامية لا يقنط من رحمة الله. فمن كان معرضًا مدبرًا عن الله عز وجل فليقبل على ربه، فالله غفور، فليستمر في عبوديته حتى يصل إلى مقام المحبة: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». فالغفور الودود، وشام لهذه الأمة لمن قصر ولمن تقدم. وأيضًا من فوائد هذه الآية كما حكاها جماعة من العلماء: أن الله جمع بين هذين الاسمين إشارة إلى أن من دخل إلى مقام المغفرة، هو من كان مذنبًا، من كان معرضًا، أسرف على نفسه بالذنوب والمعاصي، يقبل على الله بتوبة وإنابة، فإن الله عز وجل سيغفر له. فقط هل سيقف المقام إلى التائب إلى أن الله عز وجل يعامله بالمغفرة؟ لا، بل قال ربنا عن نفسه: ﴿وهو الغفور الودود﴾، بل يغفر الله لك ويحبك الله، وهذا من عظيم رحمة الله بعباده، يغفر ويحب. فلا تظن يا عبد الله أن ما كنت عليه من إسراف ومن بعد وإعراض عن الله عز وجل أن حبك من ربك أن يغفر الله لك، لا، بل إن الله عز وجل ربما تقبل منك حتى جعلك من عباده المقربين. ويدل على ذلك ما جاء في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «لله أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم ضيع راحلته في فلاة». الحديث بطوله، حديث بطوله. وأحد منا لو كان في فلاة وعنده راحلة وفيها زاده وطعامه، ثم هربت عليه في صحراء، يستسلم للموت وتوسد التراب ينتظر الموت أن يأتيه من شدة الجوع والظمأ، مرت عليه الأيام والليالي كاد أن يهلك، فإذا بالراحلة فوق رأسه تعود إليه راحلته وفيها الطعام والزاد والماء، كيف فرحته عظيمة لا توصف، سيتنفس السعادة، سيجد الحياة. أتدري هذا الوصف ماذا قال عنه نبينا؟ «لله أشد فرحًا من هذا»، «لله أشد فرحًا من هذا». فاعلم يا عبد الله، يا من أذنبت ومهما أذنبت، فأقبل على الله، فالله عز وجل لن يكتفي فقط معك بأن يغفر ذنبك، بل إن الله عز وجل لربما أحبك. ولهذا جمع الله بين هذين الاسمين العظيمين: ﴿وهو الغفور الودود﴾. جل جلاله، نقف إلى هذا الحد، وفي غد بإذن الله نواصل ما بقي من آيات كريمات. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.