الدرس في كتاب الجنايات من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع تعريف الجناية لغةً واصطلاحًا، مبينًا أنها مختصة بالاعتداء على البدن، ثم يستعرض تقسيم القتل بغير حق إلى ثلاثة أقسام: العمد، وشبه العمد، والخطأ، مستدلًا بالقرآن والسنة، ويرد على قول الإمام مالك بجعل القتل قسمين فقط، مع ذكر ضابط قتل العمد وشروطه.
يبيّن المقطع شروط تحقق القتل العمد ومنها قصد الإنسان المعصوم بآلة تقتل غالباً، ويستثني من ذلك قتل غير الآدمي خطأً، وقتل غير المعصوم كالمحارب، والقتل بآلة لا تقتل غالباً ما لم يقصد الموضع القاتل، كما يُخرج الصبي والمجنون من العمد. ويوضح أن حكم القاتل العمد مخير فيه الولي بين القصاص والدية، والدية مقدرة بمائة من الإبل يجوز الصلح فيها.
يبيّن المقطع حق أولياء الدم في العمد بالاختيار بين القصاص والدية، وجواز الزيادة على الدية الشرعية أو النقص منها بالصلح، مع مراعاة حال القاتل وتوبته. ثم يفصل في شبه العمد بتعمد الجناية بآلة لا تقتل غالباً، وحكمه بأنه لا قصاص فيه بل دية مغلظة، ويميزه عن القتل خطأ الذي لا تعمد فيه أصلاً.
أعلن المحاضر انتهاء حصة اليوم، وقرر تأجيل استكمال مسائل الباب إلى الدرس القادم إن شاء الله.
وعلى آله وصحبه ومن والاه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في كتابه «منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين»، كتاب الجنايات: الجنايات لغة جمع جناية، وهي التعدي على مال أو عرض أو بدن. بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم». هذا في اللغة، وأما في الاصطلاح فكما ذكر الشارح هنا: الجناية هي التعدي على البدن بما يوجب قصاصًا أو مالًا أو كفارة، هذا يسمى جناية، فهو خاص بالبدن. أما ما يكون في المال فلا يسمى جناية، يسمى سرقة. كذلك ما يتعلق بالعرض قد يسمى مثلاً قذفًا. طيب، فالجناية خاص بما يوجب القصاص، بما يوجب القصاص. وقد ذكر هنا أنها تنقسم إلى قسمين: جناية على النفس بمعنى قتل هذه النفس، قتل هذه النفس. وثانيًا: جناية على ما دون النفس، يعني يجني الشخص على البدن لكن لا يؤدي إلى القتل، فقد يؤدي إلى الجرح مثل الشجة على الوجه والرأس. إنسان ضرب إنسانًا في وجهه فشجه، شجه بمعنى جعل فيه شجة، يعني فتحة في رأسه، لكن لم يمت. أو جرحه في يده، طعنه في يده فجرح هذه اليد. أو بقطع طرف، يعني قطع يده أو أصبعه، هذا من الجنايات. أو أبطل منفعة عضو، ما قطعه لكنه مثلاً كان سببًا في شلل هذا العضو، شلل هذا العضو بسبب جناية آخر، فهذا إبطال منفعة هذا العضو، فهذا العضو لا يستطيع أن ينتفع به، أن ينتفع به، تتعطل منافع هذا العضو. قال هنا: القتل بغير حق ينقسم إلى ثلاثة أقسام، وهذا دليله قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن دية الخطأ وشبه العمد ما كان بالعصا والسوط مائة من الإبل»، فدل ذلك على أن القتل ثلاثة أنواع: قتل العمد، وهذا دليله في القرآن. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾، هذا دليل قتل أي: الخطأ. ودليل من القرآن قتل العمد: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا﴾، فالقرآن ذكر قتل العمد وقتل الخطأ، قتل العمد وقتل الخطأ. والسنة ذكرت قتل شبه العمد كما في الحديث المتقدم، فإذا القتل ثلاثة أقسام، وهذا قول جمهور العلماء. جمهور العلماء يرون أن القتل على ثلاثة أقسام: قتل العمد، وشبه العمد، والخطأ. وخالف الإمام مالك فجعل القتل قتل العمد والخطأ، وقال: هذا الذي ذكر في القرآن. فيقال: نعم ذكر في القرآن، والسنة مبينة للقرآن، فطالما أن السنة قد ذكرت شبه العمد فيقال به، مثل هذا الحديث، ومثل أيضًا حديث أبي هريرة: «اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هَذِيلٍ فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَمَاتَتْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ وَمَاتَ الَّذِي فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَضَى أَنْ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةُ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا». فالآن هذه المرأة لما قتلت تلك المرأة، هل هو خطأ أو عمد، شبه عمد؟ لأن لو كان عمد لحكم بأي: لحكم بقتلها، صح. وهذا ليس خطأ، الخطأ يكون بغير قصد، هذه الآن قصدت رمي هذه المرأة، فالنبي صلى الله عليه وسلم ما حكم به القصاص، فدل ذلك على أن هذا القتل شبه خطأ، شبه خطأ. وسيأتي معنا التفصيل في ذلك. في الخلاصة: أن القتل بغير حق ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قتل العمد، وقتل شبه العمد، وقتل الخطأ، وسنعرف الفرق بينها. قال: أحدها العمد العدوان، وهو أن يقصده بجناية تقتل غالبًا. هذا هو ضابط قتل العمد، قتل العمد. وهناك تعريف أشمل من هذا التعريف وهو جامع، حيث عرفه بعضهم: بأن يقصد من يعلمه آدميًا معصومًا فيقتل بما يغلب على الظن موته به. هذا التعريف قالوا أشمل: أن يقصد من يعلمه آدميًا. إذن شرط قتل العمد: أولاً القصد، لا بد أن يكون قاصدًا لقتله، أن يكون قاصدًا لقتله، هذا الأمر الأول. الأمر الثاني: من يعلمه آدميًا، فقوله «من يعلمه آدميًا» خرج بهذا لو ظن أن الذي أمامه ليس بآدمي، كان يكون بعيد خصوصًا مع وجود الأسلحة بعيدة المدى. هو الآن مثلاً يصطاد، طيب، فوجه السلاح إلى شاخص من بعيد ظن أنه صيد فضربه فوقعت فيه الرصاص فمات، فقرب منه فإذا هو آدمي، هذا ما يسمى خطأ، لماذا؟ لأنه قصد قصد القتل، صح، لكن هذا القصد، هذا القصد نقص شرط ماذا؟ أنه ما يعلم أنه آدمي، ظن أنه أي: أنه يعني حيوان ليس بآدمي، فهذا يخرج. وقوله «معصومًا» خرج غير المعصوم كالكافر المحارب، الكافر المحارب، لأن الأنفس المعصومة في الإسلام أربع أنفس: آمن يذكرها: المسلم، المعاهد، الذمي، والمستأمن. طيب، وقد يكون المعاهد والذمي والمستأمن من الكفار، لكنهم دخلوا بلاد الإسلام بعهد، وجلسوا في بلاد الإسلام بذمة، كان يعطي الجزية هذا الذمي، ومعاهد دخل بعهد، ومستأمن دخل كذلك باستئمان من ولي الأمر، فهذا لا يجوز قتلهم، لا يجوز قتلهم. ثم يأتي مسألة الدية، ما الدية؟ وهذه يفرق بين المسلم والكافر، لكن الكلام هنا على عدم جواز القتل. قال: «بما يغلب على الظن موته به»، وهنا عبر بـ «جناية تقتل غالبًا»، كشيء يكون له حد مثل السكين، مثل الخنجر الذي يخترق الجسد، مثل كذلك الجنبية، مثل الرصاص، مثل السيف، مثل الحجر الكبير، هذا الغالب إذا رمي به إنسان مات، إذا رمي به إنسان مات. مثل كذلك الحرق، مثل الغرق، يتعمد غرق إنسان أو حرق إنسان أو أن يرمي به من شاهق، كل هذا من قتل العمد، لأن هذه الأشياء الغالب أن يموت من استخدمت معه، من استخدمت معه. فخرج بهذا القتل بما لا يقتل غالبًا: إنسان مثلاً تضارب مع شخص فرماه بحجر صغير، هذا الحجر مثلاً جاء في موضع خطير في عرق أو في قلب أو في كذا، هو ما يريد قتله ويريد فقط رميه، لأن هذا ما تقتل غالبًا، لكن بالخطأ وقعت في مكان خطير فمات، هذا المحذوف، هذا لا يسمى قتل عمد، هذا هو أقرب إلى شبه العمد أو الخطأ على حسب القرائن، فهكذا ذكر أهل العلم: «بما يغلب على الظن موته به»، موته به، إلا إذا قال العلم: إلا إذا قصد رمي هذا الإنسان في موضع يموت فيه غالبًا، تعمد هذا، كان قريب منه، طيب، فرماه بحجر مثلاً في موضع قلبه، حجر صغير لكنه بشدة، فعلم أن هذا الحجر ربما يقتله، فهنا يلحق بموت العمد لأن القدر بالقصد. لكن إذا كان لم يقصد موته، لم يقصد موته وإنما يقصد المضاربة معه أو بعده وزجره أو نحو ذلك فمات، فهذا لا يعد موت ماذا؟ موت عمد، موت عمد. وأخرجوا بقولهم «أن يقصد» أخرجوا بذلك الصبي والمجنون، الصبي والمجنون. فالصبي كما ذكر أهل العلم أن عمده خطأ، عمده خطأ، لو أن صبي رمى برصاص وقتل شخصًا قالوا: هذا لا يعد عمدًا طالما أنه دون البلوغ، طالما أنه دون البلوغ، وكذلك المجنون، وكذلك المجنون، وهذا بإجماع العلماء، بإجماع العلماء جعلوا عمد الصبي وكذلك المجنون خطأ، حكم حكم الموت خطأ، فعمدهما يكون خطأ لا يكون حكم حكم الكبير البالغ، فلذلك هنا قيد هذا: أن يقصده بجناية. قال: فهذا يخير الولي فيه بين القتل أو الدية. يعني إنسان قتل إنسانًا عمدًا، هكذا ضربه بسكين، طعنه بسكين، أو ضربه برصاص عمدًا، أو شنقه، أو خنقه، أو رمي به من مكان عال، أو أغرقه في ماء حتى مات، أو أحرقه، أو نحو ذلك، فهنا الأمر يكون بيد أولياء الدم، أولياء الدم، فهم مخيرون: إما أن يقتل القاتل، النفس بالنفس، وإما أن يتنازلوا عن القتل ويقبلوا بالدية، ويقبلوا بالدية. بعدين روح، والدية جاءت كما في الحديث المتقدم عند أبي داود: مائة من الإبل، منها أربعون في بطون أولادها، فهذا معنى قوله: فهذا يخير الولي فيه بين القتل أو الدية. ويجوز في الدية، يجوز فيها الصلح، فإذا لم يصطلح على دية فيرجع فيها إلى، يرجع فيها إلى ما حكم النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الدية هي ملك لأولياء الدم، فلهم أن يتنازلوا عن حقهم. وأيضًا القاتل، إن لم يرضَ، إن لم يرضَ أولياء الدم إلا بدية أكثر من مائة أو يموت يقتل، فوافق على الزيادة، فيجوز ذلك، هذا من باب الصلح ومن باب كذلك عدم قتل هذا القاتل. مثال ذلك: إنسان قتل إنسانًا عمدًا، ف جاءوا عند أولياء الدم، قالوا: نحن سنوافق على الدية لكن نريد مائتين من الإبل، قالوا: كيف كثير؟ قالوا: خلاص كثير، ننتقل إلى القتل، قال العلماء: يجوز ذلك لأن هذا حق لهم، والزيادة على المائة هذا فيه سلام لهذه النفس من الإزهاق والموت فيجوز لهم أن يزيدوا. والعكس، والعكس: قالوا لأولياء: نحن نريد الدية، جاءوا ناس قال لهم: هذا إنسان مسكين فقير وأهله ما عندهم، ما رأيكم تنزلون إلى خمسين؟ قالوا: هيا رضينا، فيجوز لهم ذلك. لكن إذا اختلفوا، هذا يقول: لا ما نريد، الذي لنا فلهم ذلك، لهم ذلك. ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَقْتُلَ وَإِمَّا أَنْ يَفْتَدِيَ»، يعني إما أن يقتل هذا القاتل وإما أن يفتدى بالدية، بالدية، فأمره عند أولياء الدم. بل يجوز للأولياء، يجوز للأولياء أن يتنازلوا عن الأمرين، لو قالوا مثلاً: ما نريده يقتل، سامحنا، وما نريد دية، فلهم ذلك. لكن قال العلماء: هذا ينظر فيه إلى حال القاتل، فإذا كان القاتل لم يرَ عليه أثر الندم والتوبة والإصلاح، فهذا ما ينبغي أن يعفى، لأنه سيزداد إجرامًا، سيزداد ماذا؟ إجرامًا. لكن إذا علم أن العقوبة هو القتل، وربما يقتل، وأنه يراد منه مال كذا وكذا، فإنه سينزجر ويرتدع، صح. خصوص في هذا الزمان، ربما الآن القاتل يجلس سنوات طويلة في السجن، ما يحكمون عليه مباشرة حتى يذهب الغضب عند الأولياء، فربما تجد من هذا القاتل إصلاح حال، ربما حفظ القرآن وأطلق لحيته وصار من أهل الخير والاستقامة، فهنا لا بأس أن يعفى عنه لظهور هذا الصلاح عليه. قال: الثاني شبه العمد، وهو أن يتعمد الجناية عليه بما لا يقتل غالبًا. يتعمد الجناية بمعنى يرميه عمدًا ويضربه عمدًا، لكنه ما يريد قتله، يريد مضاربته فقط بشيء لا يقتل في الغالب، معه عصا، ضربه بالعصا، لكن العصا جاء في عرق خطير، في عرق خطير، فمات هذا المضروب، فهذا يسمى شبه عمد، لأنه تعمد الجناية، تعمد هذا الضرب، لكن بشيء لا يقتل في الغالب، لا يقتل في الغالب. رأيت ما مشهد عجيب: اثنين أطفال يتضاربون، فأحدهم مسك الآخر في رقبته، حق، يعني مثل ما يقول عندنا مزاح، ففجأة هذا الولد الممسوك سقط على الأرض، جاء الناس فإذا هو ميت، مات هذا الولد بسبب الشدة، الخنقى، كأنه خنقه خنقًا شديدًا، وما يريد قتله، لكن حق مزاح، وهكذا يعني مضاربة أو نحو ذلك، فهذا هو شبه العمد، هو جنى عليه، تعمد الجناية عليه، ما أخطأ، لأن الخطأ أن تقع الجناية منه بغير قصد، بغير قصد، كما سيأتي معنا. يعني مثلاً: تريد أن ترمي هذا الصيد، فرميت الصيد، فذهبت الرصاص ووقعت في شخص بعيد من هذا الصيد فمات، ما قصدت هذا، قصدت هذا الصيد، واضح. أو في الأعراس تضرب للفرح، راحت طائشة هذه الرصاص ووقعت في إنسان، هذا يسمى قتل خطأ. أو في سيارة وقع لك حادث ومات في السيارة اثنان أو ثلاثة، هذا خطأ، ما قصدت موتهم، وما قصدت الحادث، وماذا يفيدك هذا الحادث وقد ذهب مالك وما تدري هل تعيش أو لا تعيش؟ فهذا خطأ. فإذا هذا ما فيه تعمد جناية، موت الخطأ أو قتل الخطأ، ما فيه تعمد جناية، لكن هذا تتعمد جناية، لكن هذه الجناية بشيء لا يقتل غالبًا، لا يقتل، فهنا يسمى شبه العمد. وما الفرق بينه وبين العمد؟ الفرق بينه وبين العمد من حيث الحكم: أولاً أن العمد لا بد فيه من القتل، للأولياء أن لا يرضوا إلا بالقتل، لكن شبه العمد ما فيه قتل، لا يجوز للأولياء، أولياء الدم، أن يطالب القاتل في قتل شبه العمد بالقصاص، بالقتل، لأنه لم يتعمد قتله، لم يتعمد قتله. نعم، هكذا ذكر أهل العلم، وهذا معنى قوله: وهو أن يتعمد الجناية بما لا يقتل غالبًا. طيب، نكتفي اليوم بهذا إن شاء الله، وبقية مسائل هذا الباب نؤجلها إن شاء الله إلى الدرس القادم. إلى هنا، وما ترجمة نانسي قنقر