الدرس في كتاب الجنايات من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 4، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المقطع شرطين لاستيفاء القصاص بعد ثبوت وجوبه: أولهما اتفاق جميع الأولياء على القصاص دون عفو أحد منهم، فإن عفا واحد انتقل الحق إلى الدية. ثانيهما التكليف، أي أن يكون الوارث بالغاً عاقلاً، فيُنتظر بلوغ الصبي ويُحبس القاتل، أما المجنون غير المرتجى برؤه فلا عبرة به.
بيّن المقطع خلاف العلماء في جواز استيفاء الأب أو الجد القصاص عن الولي القاصر، والراجح انتظار بلوغه لاختياره بين القصاص والدية. ثم شرَط الأمن من التعدي في الاستيفاء كعدم قتل الحامل قبل الوضع وعدم التمثيل بالقاتل، وختم بمسألة قتل الجماعة بالواحد مستدلاً بالآية وحديث عمر بن الخطاب.
يشترط الجمهور للقصاص من جميع المشتركين في القتل أن يكون فعل كل واحد منهم كافياً للقتل لو انفرد، كما يُراعى في القصاص المساواة دون تعدٍ. وتناول المقطع أحكام القصاص بين المسلم والكافر، والعبد والحر، والرجل والمرأة مستدلاً بالسنة النبوية.
يذكر المتحدث أن المرأة إذا قتلت الرجل يُقتل القاتل قصاصاً، ويؤكد أن الحكم يسري على المرأة بالدرجة الأولى. ويشير إلى تأجيل بقية المسائل المتعلقة بهذا الباب إلى وقت لاحق.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: "ولا بد من اتفاق الأولياء المكلفين". شرع المؤلف رحمه الله تعالى في شروط استيفاء القصاص. عندنا شروط وجوب القصاص، وعندنا شروط استيفاء القصاص. شروط استيفاء القصاص معناه أن شروط وجوب القصاص قد تحققت، خلاص حُكم على هذا الشخص بالقصاص، بقي الآن تنفيذ القصاص. فهذا التنفيذ لا بد فيه من شروط استيفاء هذا القصاص حتى يتم القصاص، هذا معنى استيفاء القصاص. فالشرط الأول من شروط استيفاء القصاص: اتفاق الأولياء. ومعنى اتفاق الأولياء: أن يعفو جميعهم، أو أن يمتنع جميع الأولياء من الدية ولا يرضون إلا بالقصاص، لا يعفو أحد منهم. اتفقوا جميعاً على القصاص، لا بد من اتفاقهم. فإذا عفى أحد الأولياء سقط القصاص، وانتقل الأمر إلى إيش؟ إلى الدية. انتقل الأمر إلى الدية. هذا معنى لا بد من اتفاق الأولياء. لا بد من اتفاق الأولياء. فإن كان فيهم غائب انتظر قدومه حتى يأتي، وإن كان فيهم صغير كذلك انتظر بلوغه، وسُجن الجاني حتى يبلغ هذا الصبي. والذين لهم حق في استيفاء القصاص هم الوارثة، لحديث: «من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين»، والمراد بالأهل هنا الوارثة. مثال ذلك: لو قُتل هذا المقتول من قبل زيد من الناس، وهذا المقتول ورثته أبوه وأمه وأولاده، إذن لا بد أن يتفق هؤلاء جميعاً على القصاص حتى يستوفي القصاص. إذا قال الأب: لا، أنا أريد الدية، إذن خلاص هنا انتقل الأمر من القصاص إلى الدية؛ لأنه لم يتم الاتفاق من قبل الوارثة. فلا بد حتى يتم القصاص أن يتفق جميع الوارثة: الأب والأم والأبناء، كل وارث لا بد أن يرضى بالقصاص ولا يرضى بما هو دونه من الدية. هذا معنى قولهم: "ولا بد من اتفاق الأولياء". وقولهم هنا "المكلفين": هذا شرط ثانٍ. الشرط الثاني من شروط استيفاء القصاص كما ذكرها هنا: التكليف. التكليف، والمراد بالتكليف هنا: أن يكون هذا الوارث بالغاً عاقلاً، أن يكون بالغاً عاقلاً. هذا هو معنى التكليف. هذا هو معنى التكليف. فإن كان غير مكلف بأن كان صبياً أو مجنوناً، فإنه لا يستوفى، ويُحبس القاتل. لكن إذا كان المجنون لا يرجى برؤه، بمعنى أن الجنون مستمر به، فهنا لا عبرة به؛ أنه غير مكلف. أما الصبي فينتظر حتى يبلغ، حتى يبلغ. لماذا قال العلماء؟ لأن القصاص ثبت لما فيه من التشفي والانتقام، ولا يحصل ذلك باستيفاء غير مستحقه. وهذا قول الحنابلة والشافعية. يعني: لماذا شرع القصاص؟ من أجل أن يبرد قلب ولي المقتول. وهذا الصبي ما يفهم: قتل من قتل أبوه أو لم يقتل، ما يهمه، ما عنده إحساس. فإذا كبر وبلغ وعقل، وقيل له: انظر، هذا قتل أباك، الآن عندك هل تريد الدية أو تريد القصاص؟ فبالتالي يريد أن يتشفي من هذا القاتل، فلا يرضى إلا بالقصاص: كيف قتل أبي وتركني يتيماً صغيراً؟ فإذا هذا هو العبرة من شرعية القصاص: حتى يثبت التشفي والانتقام من هذا القاتل. وهذا هو قول الحنابلة والشافعية. وذهب بعض العلماء إلى أنه يجوز للأب والجد أن يستوفيا القصاص نيابة عن وليهما الصغير. فمثلا: لو أن زيداً من الناس قتل عمراً، وهذا عمر له أب وابن صغير، سنه خمس سنوات أو ست سنوات. فعند الشافعية والحنابلة: لا بد من الانتظار حتى يبلغ هذا الصغير، وما يكفي أن يقضي الجد أو الأب في الحكم بالقصاص أو الدية، ينتظر حتى يكبر الصغير. لكن عند بعض العلماء، وهم قول للحنفية، يقولون: للأب أن يقضي وأن يستوفي به إما القصاص وإما الدية، لأنه يرى الأصلح لابنه ابنه، هكذا يقولون. ولكن القول الأول وهو الأقرب، لماذا؟ لأن هذا الصبي إذا كبر ربما لا يرضى بحكم جده، خصوصاً إذا كان جده رضي بالدية دون القصاص، أو رضي بالقصاص وهو يحتاج إلى مال كثير، يحتاج إلى مال طيب. فإذا لا بد من انتظار هذا الصبي على قول الحنابلة والشافعية. في سجن سبع سنوات، عشر سنوات، ما في مشكلة. إذا بلغ الطفل يؤتى إليه ويقال له: هل تريد القصاص أو تريد الدية؟ فاختار أيهما. هذا هو القول الأقرب، والله تعالى أعلم. إذن هذا الشرط الثاني من شروط استيفاء القصاص. الشرط الثالث: الأمن من التعدي في الاستيفاء. ومعنى الأمن من التعدي في الاستيفاء: يعني لا يتعدى في قتل القاتل بأكثر من القتل. كيف في شيء هناك يكون أكثر من القتل؟ نعم، كأن يكون القاتل امرأة، وهذه المرأة حامل. واش ذا حملة هذا؟ ها. فهنا ينتظر حتى تضع المرأة هذه حملها، فإذا انفصل منها هذا الطفل حينئذ يقتص منها. فهذا معنى الأمن من التعدي في الاستيفاء. كذلك من التعدي: التمثيل. يعني مثلاً: زيد من الناس قتل عمراً برصاص، ضرب ومات. فجاء الأولياء وقتلوا عمراً، وأخرجوا أذنيه، وقطعوا رأسه، ومثلوا به. هذا تعدي في الاستيفاء، هذا تعدي في الاستيفاء. هذا معنى التعدي في الاستيفاء. نعم، بقيت مسألة في هذا. وهي: طيب، ننتقل للمسألة التي بعدها. قال: "وتقتل الجماعة بالواحد، ويقاد كل عضو بمثله إذا أمكن بدون تعد". لقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. معنى "تقتل الجماعة بالواحد": يعني إذا اشترك جماعة في قتل واحد، اثنين أو ثلاثة، فهل هؤلاء الثلاثة كلهم يُقتص منهم؟ هم قتلوا واحداً فقط، لكن منهم ثلاثة. فهذه المسألة اختلف فيها العلماء. جمهور أهل العلم على ما ذكره المؤلف هنا: أن الجماعة تقتل بالواحد، أن الجماعة تقتل بالواحد. والدليل على هذا: عموم الأدلة، كهذه الآية التي ذكرها: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. فطالما أنهم اشتركوا في قتله، فإذا يشتركون في القصاص. ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما عند البخاري: أن غلاماً قتل غيلة، ومعنى غيلة: يعني غدراً، قتل غدراً. فقال عمر: «لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم به، لقتلتهم». أو: «نعم، لقتلتهم به». لو كل أهل صنعاء، كم مليون، قتلوا هذا الشخص، لقتلهم عمر. فهذا استدل به الجمهور على هذه المسألة: تقتل الجماعة بالواحد، تقتل الجماعة بالواحد. وقالوا: سداً للذريعة. كيف سداً للذريعة؟ لو قلنا مثلاً: إن الجماعة لا تقتل بالواحد، إذا واحد يريد أن يقتل أحداً، ينادي إلى ثلاثة أربعة من أصحابه، يقول لهم: نشترك جميعاً في قتل عدو هذا. وإذا أمسكنا قلنا لهم: نحن اشتركنا جميعاً، والذين يشتركون ما عليهم قصاص، إذن ندفع لهم الدية ونخلص وننتهي. فهمتم؟ هذا سيكون تلاعباً في مسألة الدماء. فسداً للذريعة ومنعاً لهذه الحيلة، ذهب الجمهور إلى هذا القول، إلى هذا القول. واشترطوا القصاص منهم جميعاً. أن يكون هذا الضابط: ما هو ضابط اشتراكهم في القتل حتى يُقتلوا جميعاً بالقصاص؟ ضابط ذلك: أن يكون فعل كل واحد منهم يصلح لقتله لو انفرد. مثلاً: منهم ثلاثة، كل واحد معه آلي، رأوا هذا العدو، كلهم ضربوا عليه، جاءته رصاصة من هنا ورصاصة من هنا، ومات. إذن لو واحد منهم فقط ضربه، هل سيموت؟ سيموت. كيف لا؟ لو واحد منهم ضربه بالرصاص، بيموت أو ما بيموت؟ سيموت. صح. هذا معنى قولهم: أن يكون فعل كل واحد منهم يصلح لقتله لو انفرد، لو انفرد. وكذلك مثله بالسيوف، أو بالنبال، أو بالدفع. كان على جبل، جاءوا جميعاً لأنه قوي، اجتمعوا عليه ودفعوه من أعلى الجبل حتى سقط ومات. ففعل كل واحد منهم: إذا دفعه وسقط، سيموت. إذن اشتركوا جميعاً في هذا، فيُقتلون به جميعاً، يُقتلون به جميعاً. هذا معنى كلام المؤلف رحمه الله تعالى. وقوله: "ويقاد كل عضو بمثله إذا أمكن بدون تعد". هذا سيأتي معنا في الديات: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾. فمن قطع أذن إنسان، فهذا الإنسان بالخيار: إما أن يعفو عنه ويقبل بالدية، وإما أن يقص أذنه. شافتم هذا الآن؟ الأذن بالأذن، السن بالسن. إنسان ضرب إنساناً فأخرج سنه، خلاص، فأفسد عليه سنه. فيؤتى إلى المجني عليه ويقال له: أنت بالخيار، إما أن تخرج سنه، وإما أن تأخذ لك... يعني سيأتي معنا دية هذا السن، أو تعفو. تبين ثلاثة خيارات. فهمتم هذا الآن؟ لكن بشرط، قال: "إذا أمكن بدون تعد". يعني: إذا كان هذا السن سيخرج وحده دون أن يخرج معه أسنان أخرى. فهمتم هذا الآن؟ لا بد أن يكون القصاص متساوياً، ما يكون فيه تعدي، ما يكون فيه تعدي وزيادة على ما فعله الجاني. لا، بنفسه نفسه الذي فعله يفعل به. طيب، هنا مسائل فرعية يذكرها العلماء وهي مهمة. من ذلك: هل يُقتل الكافر بالمسلم؟ نعم، وهذا بالاتفاق. والعبد، هل يُقتل بالحر؟ نعم، وهذا بالاتفاق. لو أن كافراً قتل مسلماً، فهنا يُقتص من هذا الكافر. والعكس ليس بصحيح، كما مر معنا: أن المسلم لا يُقتل بالكافر. المسلم لا يُقتل بالكافر. أما الكافر فيُقتل بالمسلم. مسألة أخرى: يُقتل الرجل بالمرأة، والمرأة بالرجل. وهذا قول عامة أهل العلم. يعني: لو أن امرأة قتلت رجلاً، أو رجل قتل امرأة، فهذا كل واحد يُقتص منه من الآخر. وهذا قول عامة أهل العلم. واستدل بحديث أنس بن مالك رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل يهودياً بجارية». يعني: أن هذا اليهودي قتل الجارية، قتلها على أوضاح لها. متفق عليه. أوضاح: يعني ذهب أو نحو. أراد أن يأخذه منها فقتلها، فالنبي صلى الله عليه وسلم قتل هذا اليهودي بهذه المرأة. فهذا دليل على أن الرجل يُقتل بالمرأة. وكذلك من باب أولى: المرأة تُقتل بالرجل. يعني: إذا المرأة قتلت الرجل، فإن هذا الرجل يُقتل، أو المرأة قتلت الرجل، هذه المرأة تُقتل من باب أولى. طيب، بقية المسائل نأتي لها إن شاء الله.