الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 28، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي المتحدث موقف النبي صلى الله عليه وسلم برفض مال المغيرة بن شعبة الذي أخذه بالغدر قبل إسلامه، مؤكداً تحريم الغدر ووجوب الوفاء بالعهود. ويبين أن الكفار أربعة أصناف، وأن العهود مع المعاهدين والمستأمنين والذميين يجب احترامها والوفاء بها امتثالاً لأمر الله.
يشرح المقطع أحكام ثلاثة أنواع من غير المسلمين: المعاهد الذي له عهد وصلح، والذمي الذي يدفع الجزية، والمستأمن الذي دخل بأمان، مع تأكيد حرمة دمائهم وأموالهم وحمايتها. كما يبين نواقض العهد كسب الدين أو النبي، والاستهزاء بالشرائع، والجهر بالكبائر، مستدلاً بأحاديث النبوية في تحريم قتل المعاهد وبراءة الذمة من المال المأخوذ بغير حق.
يختتم المتحدث الجلسة بالدعاء إلى الله عز وجل بالتوفيق للخير والصواب، ويختم بالحمد لله رب العالمين خاتمة للحديث.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فَلَزِلْنَا في موقف النبي عليه الصلاة والسلام، وعنده عروة بن مسعود، وفوقه حارسًا عليه عليه الصلاة والسلام المغيرة بن شعبة. فلما عرف عروة بن مسعود الذي فوقه هو ابن أخيه المغيرة، قال: «يا لكع، قد كنتَ تسعى في غَدْرَتِك». فقال راوي الحديث: إن عروة، أو أن المغيرة، صحب قومًا في الجاهلية، أي قبل أن يسلم، صحب قومًا وآمنهم ثم غدر بهم وقتلهم وأخذ أموالهم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أما الإسلام فنقبل، وأما المال فنحن منه براء». وهذه العبارة فيها فائدتان، أو فيها فائدتان عظيمتان: الفائدة الأولى: أن الإسلام ليس فيه غدر، وليس فيه خيانة. النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد الله أن يوصي أمير جيش أمره، فكان يوصيه أن لا يغدر، أن لا يغدر أبدًا. والغدر هو نقض الاتفاقية، نقض العهد. فهذا الغدر كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يغدر، ويوصي أيضًا أمراءه أنه لا يغدرون. ولهذا، من نظر إلى الاتفاقيات التي حصلت من النبي عليه الصلاة والسلام، سواء كان مع اليهود أو مع المشركين أو مع غيرهم، فالنبي عليه الصلاة والسلام لم ينقض ولم يغدر أبدًا، بل كان يفي بهذه الاتفاقيات والعهود. وهذا هو الذي أوصى الله عز وجل به: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، وأيضًا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾، ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾. فلهذا، العهود والعقود لا بد أن يفي بها المسلم. ومن ذلك العقود التي تكون مع الكفار، سواء كان هدنة أو أمان. الكفار أربعة أصناف: كافر حربي، وكافر معاهد، وكافر ذمي، وكافر مستأمن. الكافر الحربي: هذا الذي يحارب المسلمين، ليس بينه وبين أهل الإسلام عهد، فهذا يسمى كافرًا حربيًّا. وأما الذي يكون بينه وبين المسلمين، أو بين قومه، أو بين دولته وبين المسلمين عهد، فهذا يسمى كافرًا معاهدًا. وهذا الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ». والمعاهد هذا الذي يكون يعاهد أهل الإسلام بالصلح، أن تكون بينهم وبين أهل الإسلام هدنة وصلح، ولو كان كافرًا، ولو كان مشركًا. لهذا النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الصلح جعل الهدن بينه وبين كفار قريش، مع أنهم من المشركين. فلهذا هذا الكافر الذي هو المعاهد. والكافر الذمي: هو الكافر الذي يدفع الجزية للمسلمين. الكافر، سواء كان وحده أو مع قومه، كان الصحابة رضي الله عنهم إذا فتحوا بلدًا: إما أن يفتحوها عنوة وبالحرب فتكون تبعًا للمسلمين، وإما أن تكون صلحًا، فيكونون تبعًا في حكمهم للمسلمين، لكن هم الذين يحكمون، ويكونون أهل ذمة، فيدفعون الجزية لأهل الإسلام. وهؤلاء الذين قال الله عز وجل فيهم: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. إما أن يرجعوا للإسلام، فإذا لم يرجعوا للإسلام يدفعوا الجزية، يكونون تحت حكم أهل الإسلام. فهذا الذي يسمى الكافر الذمي الذي يدفع الجزية للمسلمين. والرابع: هو المستأمن، الذي دخل بأمان، إما أمان من الدولة، وإما أمان من بعض المسلمين. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ». ذمة المسلمين، أي ما يؤمن به المسلم، يؤمن الكفار، فإنه لا يجوز أن تخفر ذمة المسلم. ولهذا لما دخل النبي عليه الصلاة والسلام مكة، أمنت أم هاني بعض المشركين، يعني بعض المشركين الذين مثلًا كانت لهم جوارها أو لها شيء معهم، فأراد أخوها أن يقتلهم، أراد علي بن أبي طالب أن يقتلهم. فقالت: يا رسول الله، إني أمنت هؤلاء، وأراد ابن أمي، ابن أمها يعني عليًا لأنه شقيق لها، أن يقتلهم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ، قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ». ما دام أنك أجرتهم، يعني من القتل، فهم تحت ذمتك، وأيضًا يكونون تحت ذمتنا. فذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم. أي أحد من المسلمين أمن إنسانًا، فيكون هذا كافرًا مستأمنًا. فهؤلاء مثلًا الذين يأتون بهم، مثلًا من الكفار، يأتون بهم مثلًا أطباء، مهندسون، غيرها من هذه الأعمال. مثلًا يأتي بهم إنسان يأمنهم، يدخل بهم، مثلًا صاحب شركة، صاحب مصنع، صاحب كذا، صاحب مستشفى يأتي له بأطباء وغيرهم. هؤلاء يسمون، يسميهم العلماء: مستأمنون. فهؤلاء غير الكافر الحربي، هؤلاء تكون دماؤهم وأموالهم حرامًا، يعصم دمه ويعصم ماله حتى يغدر، حتى يغدر. إذا غدر، معناه خلاص يذهب ذلك الصلح الذي به. ولهذا، أهل الذمة الذين يكونون مع المسلمين، ذكر العلماء فيهم أنهم يغدرون هذه الذمة حتى ببعض الأشياء، مثلًا: سب الدين، سب النبي عليه الصلاة والسلام، أو الكلام على النبي عليه الصلاة والسلام، أو الاستهزاء بشرائع الإسلام، أو كذلك غيرها من هذه الأمور، أو الجهر، حتى بعضها. العلم وهو قول جمهورهم: العلم، حتى لو جهروا ببعض الكبائر، مثلًا شرب الخمر، لو جهر بها فهو خافر للذمة وناقض للعهد. فمعنى هذا يعتبر غدرًا منه، وغيرها من هذه الأمور التي تنقض العهود بين المسلمين وبين هؤلاء الكفار. أيضًا كذلك حتى المستأمن، إذا كان يجاهر بشرب الخمر، وجاهر بالزنا، جاهر بكذا، فهذا خفر للذمة، لا يجوز أن يفعل ذلك، ولا يمكن الحاكم من فعل مثل هذه الأمور، ولو كان كافرًا. لكن لأنه دخل تحت ذمة المسلمين، فلهذا هؤلاء الثلاثة كما قلنا: المعاهد، والمستأمن، والذمي، لا يجوز قتلهم ولا أخذ أموالهم. لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ»، مع أنه كافر، لكنه لما كان معاهدًا، ويدخل في ذلك الذمي والمستأمن، لما كانوا كذلك قد عصم دمهم، وكذلك تعصم أموالهم. لهذا النبي صلى الله عليه وسلم تبرأ من هذه الأموال التي أخذها المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه. فهذا شيء ما يذكر في هذا المقام. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا للخير، والحمد لله رب العالمين.