الدرس في باب التوبة من رياض الصالحين 12، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
روت السنة قصة المرأة الجهنية الحامل التي اعترفت بالزنا وطلبت تطهيرها بالحد، فأمر النبي ﷺ بإمهالها حتى تضع حملها ثم رجمها وصلى عليها. دل ذلك على عظمة التوبة النصوح التي تغفر الكبائر إذا صادقت الانقياد لحكم الله تعالى.
يجب رجم الزاني المحصن ثبوتاً بالاعتراف أو البينة، وهو حكم ثابت بالسنة النبوية وإن نُسخ تلاوته من القرآن، وحكمته معاقبة العبد بنظير لذة الحرام. إن تطبيق هذا الحد الشرعي يحقق الردع العام وينشر الأمن والطمأنينة في المجتمع المسلم.
إقامة الحدود الشرعية تحقق الحياة والأمن للأمة كما دل عليه القرآن الكريم، ويجوز للزاني الإقرار على نفسه عند القاضي طلباً للتطهير بالحد لا للتشهير. فصل الشيخ ابن عثيمين في الأفضلية بين الإقرار والستر معتبراً قوة التوبة وخوف العودة للذنب.
إذا ستر المسلم على نفسه وتاب توبة نصوحاً صلح حاله وانقطع عن الفاحشة، فلا يلزمه رفع أمره إلى الحاكم للاعتراف. يبقى الأمر موكولاً إلى علم الله تعالى وقبول توبته سبحانه.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى أهله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين، باب التوبة، الحديث العاشر: وعن أبي نجيد عمران بن الحسين الخزاعي رضي الله عنهما أن امرأة من جهينة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا، فقالت: يا رسول الله، أصبت حدا فأقمه علي. فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليها، فقال: أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني. ففعل، فأمر بها نبي الله صلى الله عليه وسلم فشدت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها. فقال له عمر: تصلي عليها يا رسول الله وقد زنت؟ قال: لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل؟ رواه مسلم. ووجه الشاهد من هذا الحديث في آخره: «لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم». ومما يدل على صدق توبتها وإخلاصها في هذه التوبة أنها جادت بنفسها، أي قدمت نفسها مع أنها في سعة من أمرها لو سترت على نفسها، ومع هذا فإنها جادت بنفسها وأرادت أن تتطهر من هذا الذنب العظيم، ألا وهو الزنا. ومعنى الحديث أن هذه المرأة كانت محصنة، أي قد تزوجت من قبل، فازنت وحملت من هذا الزنا والعياذ بالله، فشعرت بالخطيئة والذنب، فتابت إلى الله عز وجل، ورأت أن من تمام توبتها أن تتطهر من هذا الذنب، فجاءت إلى ولي أمرها، أو إلى ولي أمر المسلمين الإمام العام الحاكم، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعترفت بذلك الزنا كي يطهرها منه. فالنبي صلى الله عليه وسلم سألها، فقالت أنها حامل، فدعا وليها، أي ولي أمرها، فأمره أن يحسن إليها حتى تضع حملها. فلما وضعت جاءت، وأقام عليها الحد. وهذا الحديث فيه فوائد كثيرة، نذكر ما تيسر منها. نذكر ما تيسر منها: أولا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «هل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها؟» أي: هل وجدت أفضل من هذه الحال، حال هذه المرأة إذ جاءت فجادت بنفسها، يعني سلمت نفسها من أجل التقرب إلى الله عز وجل والخلاص من إثم الزنا. أي المعنى: ما هناك أفضل من هذا، ما هناك أفضل من هذا. فهذا الحديث قلنا فيه فوائد عدة، منها: أن الزاني إذا زنى وهو محصن، بمعنى قد تزوج، فإنه يجب أن يرجم. ويكون ثبوت هذا الحكم عليه إما بالاعتراف كما فعلت هذه المرأة، وإما بإقامة الشهود على من دعي عليه الزنا، والشهود أربعة رأوا الميل في المكحلة. نعم، والرجم قد كان ثابتا في القرآن في كتاب الله، آية يقرأها المسلمون فحفظوها ووعوها ونفذوها، ورجم النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك رجم الخلفاء من بعده. ولكن بحكمته سبحانه وتعالى نسخها من القرآن لفظا، وأبقى حكمها في هذه الأمة، أبقى حكمها في هذه الأمة. فإذا زنى المحصن، وهو الذي قد تزوج، فإنه يرجم حتى يموت، أي يوقف في مكان واسع ويجتمع الناس، ويأخذون من الحصى المتوسط، ليس بالحصى الكبير الذي يهلكه سريعا، وليس بالحصى الصغير الذي يؤلمه ولا يقتله، وإنما يكون الرمي بحصى متوسط. وهذه من حكمة الله عز وجل أنه لم يأمر بضرب هذا الزاني بالسيف أو قتله بالرصاص أو غير ذلك، بل يرجم بهذه الحجارة. ما هي الحكمة؟ قالوا: حتى يتعذب ويذوق ألم العذاب في مقابل ما وجده من لذة الحرام. لما زنى لربما شعر بالنشوة في جميع جسده، فالجزاء من جنس العمل. طالما أنه تلذذ بهذا الحرام، فإنه يعذب بهذا القصاص أو بهذا الحد، والحكم الشرعي. فإذا قال قائل: ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة»؟ فهذا ليس إحسانا في القتلة، إذ أنه يرمى بالحجارة حتى يموت. والجواب: أن الإحسان في القتلة يكون بموافقة الشرع، فمن الذي يحكم أن هذه قتلة حسنة أو ليست حسنة؟ الشرع. فمن عمل عملا يحتاج مع قتله إلى يعني أخذ عبرة وعظة لغيره، فهذا الإحسان في قتله بما جاء في الشرع، بما جاء في الشرع. ولذلك ما هو حد الحرابة الذي يتقطع الناس ويقتل الناس في الطريق؟ قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. فهذا هذا من باب الزجر لهم ولأمثالهم، ولأمثالهم. فربنا عز وجل قد شرع وخلق وحكم، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ فهو يعلم ما يصلح العباد، فهو يعلم ما يصلح العباد. فوالله لو أن الدول الإسلامية نفذت هذه الأحكام الشرعية لما وجدت انتشار تلك الفواحش وتلك المنكرات العظيمة من القتل ومن الزنا. كم نسمع بين الفينة والأخرى أن امرأة رمت بجنينها في الشارع أو في الزبالة أو بجانب مستشفى؟ هذا ما ظهر، وما خفي أعظم والعياذ بالله. فهذا كله بسبب أن الأحكام الشرعية معطلة. فلو أن هذه الأحكام الشرعية نُفذت، رأى الناس. ولذلك من حكمة الله عز وجل أن أمر بشهادة الناس لهذا الحكم الشرعي، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، حتى تأخذ العبرة والعظة من هذه الأحكام الشرعية. فهذا ليس بوحشية كما يزعم أعداء الإسلام، بل هذا في حياة للمجتمعات. وقد قال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾. فالأحكام الشرعية حياة للمجتمعات، بها تختفي مظاهر الجريمة والفواحش ونحو ذلك. نعم. ومن فوائد هذا الحديث أيضا: فيه دليل على جواز إقرار الإنسان على نفسه بالزنا من أجل تطهيره بالحد، لا من أجل فضحه. فالإنسان الذي يتحدث عن نفسه أنه زنى عند الإمام وعند نائبه من أجل إقامة الحد عليه، هذا لا يلام ولا يذم. ومن الذي يلام ويذم؟ هو ذاك الإنسان الذي يخبر عن نفسه أنه زنى فيخبر أمام عامة الناس ويتبجح بذلك، فهذا من المجاهرين الذين قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين». قالوا: من المجاهرون يا رسول الله؟ قال: «الذي يفعل الذنب ثم يستره الله عليه، ثم يصبح يتحدث به: فعلت البارحة كذا وكذا، وفعلت كذا وكذا بفلان، وذهبت بها هنا وكذا»، من هذه الأخبار. فهذا والعياذ بالله من المجاهرين الذين يستحقون الزجر، ويستحقون كذلك العقوبة من ولي أمر المسلمين. وهكذا من فوائد هذا الحديث ما ذكره العلماء في مسألة التفصيل في من زنى: أيهما الأفضل له أن يذهب إلى القاضي ليقر عنده فيقام عليه الحد، أو الأفضل أن يستر نفسه؟ فالشيخ ابن عثيمين فصل في هذه المسألة، فقال: قد يكون الإنسان تاب توبة نصوحة وندمة، وعرف عن نفسه من نفسه لأنه لن يعود، فهذا قال: الأفضل أنه لا يذهب ولا يخبر عن نفسه، بل يستر على نفسه، لأنه قد طهر الله عز وجل قلبه من الميل إلى هذه الفاحشة. وأما من خاف أن لا تكون توبته نصوحا، وخاف أن يعود إلى الزنا وأن يرجع إلى الذنب مرة أخرى، فهذا الأفضل في حقه أن يذهب إلى ولي الأمر، أي القاضي أو من يقوم مقامه، ليقر عنده فيقام عليه الحد، وعلى هذا يحمى الفعل. هذه المرأة لعلها تخشى على نفسها أن تعاود هذا الفعل، وقد تابت توبة نصوحة، فجادت بنفسها كي تتطهر في هذه الدنيا. وأما من إذا ستر نفسه صلح حاله وابتعد عن معاودة هذه الفاحشة، فلا يلزمه أن يذهب إلى الحاكم وأن يقر على نفسه. والله تعالى أعلم. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والحمد لله. ترجمة نانسي قنقر