الدرس في قصة يعقوب عليه السلام 1، يعقوب - عليه السلام - مولده ونشأته وزواجه . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن سيرة نبي الله يعقوب عليه السلام ونشأته وفضائله. يشير إلى ورود اسمه في القرآن الكريم وتلقيبه بإسرائيل.
يفسر معنى اسم إسرائيل في اللغة العبرية وأصله. يبين أن إسرائيل لقب ليعقوب عليه السلام ويشير إلى بعض القصص المتعلقة به.
يروي قصة سفر يعقوب إلى خاله وتزوجيه من لي وراحيل بعد عمل سبع سنين لكل واحدة. يشير إلى جواز الجمع بين الأختين في شريعتهم.
يشير إلى انتهاء الحديث والصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه. يظهر احترام وتقدير للنبي وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في هذا المقام إخواني في الله، نتطرق إلى سيرة نبي من أنبياء الله، وإن كان المقام يقتضي أننا نراعي التسلسل، وتسلسل على العائل، كما جاء في حديث نبينا عليه الصلاة والسلام حين قال: «إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم»، ويعني به يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. وقد كان الحديث في درس أمس عما يتعلق بنبي الله إسحاق عليه السلام، وأشرنا إلى مجمل حياته من ولادته إلى وفاته، وهنا نتطرق إلى سيرة يعقوب عليه السلام، وهو من أنبياء الله الكرام، فهو الكريم كما وصفه نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، ذرية بعضها من بعض، ولا يوجد هذا التكاثر أو التناسل النبوي إلا في هذه السلسلة المباركة. ومما يذكر عن يعقوب عليه السلام أن اسمه ذكر في القرآن ستة عشرة مرة، موزعة في سور القرآن، وأكثر ما جاء ذكره في سورة يوسف، ذكر عليه السلام ثلاث مرات، وإلا فمجمل ذكره في القرآن ستة عشرة مرة. وإن أردنا أن نتحدث عن مولده، قد مضى معنا لو تذكرون في درس أمس، حين أن ختمنا الحديث عن نبي الله إسحاق عليه السلام، أن الله عز وجل رزقه بولدين، أولهما العيص ويعقوب، فهذا أوان بيان مولد يعقوب عليه السلام. نعم، الكتب تؤكد على أن إسحاق عليه السلام ولد له ولدان، العيص ويعقوب، وأيضا الروايات تشير إلى أنهما كانا توأمين، حتى قيل: إن خرج العيص من بطن أمه وخرج على إثره يعقوب، وكان آخذ بعقب أخيه، فسمي يعقوب على هذا، فالله تعالى أعلم. أما ما يتعلق بنشأة يعقوب عليه السلام، فليست عندنا، وأعني في القرآن أو في السنة، مزيد حديث عن يعقوب وعما وقعت في حياته من أحداث أو من حوادث، وإنما أكثر ما يذكر يعقوب عليه السلام في معرض كلامي قصة يوسف، وهذا سيأتي معنا إذا تطرقنا إلى يوسف، سنتطرق كذلك إلى بعض ما يتعلق بيعقوب عليه السلام. إلا أن يعقوب بشكل خاص جاءت عنه الفضائل والمآثر، وأنه من الأنبياء الكرام، وصفه ربنا جل وعلا بخيرة الأوصاف، كما قال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾. ومما نلفت له الانتباه أن يعقوب عليه السلام جاء اسمه أو قل لقبه في القرآن بإسرائيل، هذا لقبه إسرائيل، وجاء ذلك في موطنين من كتاب الله سبحانه وتعالى، الأول في قول ربنا عز وجل: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾، إسرائيل هنا يعقوب. والموطن الثاني ما جاء في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ﴾، من إسرائيل هنا هو يعقوب يعقوب عليه السلام، وهذا بالإجمع. يقول الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى، كما في تفسيره «فتح القدير»: «اتفق المفسرون على أن إسرائيل هو يعقوب ابن إسحاق». طيب، ما معنى إسرائيل؟ إسرائيل معناها عبد الله، هذه في اللغة العبرية، لأن إسر أو إسراء معناها عبد، وإيل معناها الله، هذه على لغتهم، فإسرائيل أي عبد الله. ومن هنا تأتي الأسماء جبريل وإسرافيل وميكائيل، إيل بمعنى الله، وتلك الأسماء التي أضيفت بمعنى حبيب الله، بمعنى خادم الله، وهكذا، لكن إيل في اللغة العبرية بمعنى الله، فلقب يعقوب عليه السلام إسرائيل. وحينها إذا جئت إلى لفظة بني إسرائيل، إذن بني إسرائيل أي من تناسل من صلب يعقوب، يعقوب عليه السلام، كما سيأتي معنا أن الله عز وجل قد بارك له في ذريته. فعندما نقول بني إسرائيل، بمعنى بنو يعقوب عليه السلام، هنا تأتي مسألة أحب أن أذكرها لغفلة الناس عنها، إذا علمنا أن إسرائيل هو يعقوب، هل يجوز للواحد منا أن يسب إسرائيل؟ أن يسب إسرائيل، لعنة الله على إسرائيل، لماذا؟ لأننا الآن في هذه الأزمان، الناس يقصدون بإسرائيل هو هذا الكيان المحتل، وما يعبر عنه بدولة إسرائيل، وهم بنو صهيون. فبعض الناس يسترسل في ذمه لهذه الدولة اليهودية، فيقول: يسب إسرائيل، هل هذا يجوز؟ الذي عليه جماعة من أهل العلم على أنه لا يجوز أن تسب إسرائيل، ولو أردت أو قصدت أو أردت أو بغيت دولة اليهود، فلا تقول: لعنة الله على إسرائيل. فإذا أنكر عليه، قل: لا والله، أنا ما قصدت نبي الله حاشا، إنما أقصد هذه الدولة اليهودية، إذن إذا أردت أن تسب هذه الدولة اليهودية، سب اليهود، قل: لعنة الله على اليهود، قل: لعنة الله على الدولة اليهودية، قل: لعنة الله على بني صهيون، أما تقول: لعنة الله على إسرائيل لا. وقد صرح العلامة الفوزان حفظه الله بأن هذا لا يجوز، لا يجوز أنك تسب إسرائيل تحت أي عذر كان، وقد قال بهذه الفتوى أيضا جماعة من أهل العلم في هذا الزمن المعاصر. فالشاهد إخواني في الله أننا نستفيد فائدة على أن من ألقاب قيل أنه اسم ليعقوب اسم ثاني، لكن الأشهر على أنه لقب، هذا لقب يعقوب عليه السلام، أن لقبه إسرائيل. لكن في ذكر مراحل يعقوب عليه السلام، جاءت بعض الحكايات والحوادث والأحداث من أهل الكتاب، ومن الكتب الإسرائيلية، وهذه القصص والحكايات قد تناولها علماء الإسلام، تناولوها بالقبول والرضا، ولهذا سطروها في كتبهم، إما لأنها فيها تأكيد لما بين أيدينا، أو أن فيها تفصيل لشيء لم تأتي الشريعة بتفصيل فيه، وهي سواء كانت مسألة التأكيد أو التفصيل لا تخالف شيئا من شرع الله، فلهذا تساهل العلماء في روايات بني إسرائيل. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج». مما يذكر في قصة يعقوب عليه السلام، قصة ما يتعلق بزواجه من ابنة خاله، وهذه القصة في داخلها قصص وعبر، كان ليعقوب عليه السلام خال اسمه لابان، وهذا لابان كان في أرض حران في جهة سوريا. أراد يعقوب أن يذهب إلى خاله في هذه المنطقة، بينما هو ذاهب إليه ودخل عليه الليل، أراد أن ينام في الطريق، فنام فوضع حجرا فنام ووضع رأسه عليه، في أثناء نومه جاءته رؤيا، وهذه الرؤية فيها أن الله عز وجل يخاطبه ويقوله: يا يعقوب، قد باركت عليك وسأكثر ذريتك وأجعل لك هذه الأرض. هذا هو الخطاب، وكان وحي من الله ليعقوب عليه السلام بأني قد باركت عليك وسأكثر من ذريتك وسأجعل هذه الأرض لك، استيقظ يعقوب عليه السلام على هذه الرؤية، وعلم أنها تحمل بشارات، فسارع إلى وضع علامة على هذا الحجر الذي نام عليه، وعزم على أن الله إذا أطال له في الأعمار أنه سيبني في هذا المكان ماذا؟ إيل أو بيت إيل، سيبني بيت إيل، ما معنى بيت إيل؟ بيت الله، سيبني هنا بيت الله إذا طال الله في الأعمار لهذا جعل علامة على هذا الحجر. أنه إن عاد إليه بعد فترة، وخاص في صغره ما يستطيع أن يفعل شيئا، في شبته لن يفعل شيئا، فعلى أن هذه الرؤية، وخاص أنه نبي وقد عاش وتربى في سلالة الأنبياء، ويعلم مسألة الوحي، فشاهد أنه واصل المسير بعد هذه الرؤية حتى وصل إلى حران إلى خاله. بدأ مكثه عند خاله، أنه عرض على خاله أن يتزوج إحدى بناته وتدعى راحيل، تدعى راحيل، فوافق الخال على هذا بشرط، بشرط أنك تعمل عندي سبع سنين، تمكث عندي تشتغل عندي، إذا أتممت هذه المدة فحينها زوجتك. فمكث يعقوب عليه السلام هذه الفترة إلى أن انقضت، فلما انتهت، قال: يا خال زوجني راحيل، فقال: أفعل، لكن المفاجأة أنها لما زفت المرأة إلى يعقوب عليه السلام اتضحت أنها ليست هي، ليست راحيل وإنما أختها لي، أختها لي، فتفاجأ يعقوب من هذا. فذهب إلى خاله، قال: يا خال، ما على هذا اتفقنا، كان الذي بيني وبينك على أن تزوج راحيل، وراحيل تعتبر الصغرى، ولا أريد لي، فقال له الخال: أنت أخبرتني بهذا، لكن ليس من سنتنا أن نزوج الصغرى دون الكبرى، وهذه أعراف قديمة، ولا زالت توجد في بعض البلدان، أنهم يمسكون عن زواج الكبرى أو يمسكون زواج الصغرى حتى تمرر الكبرى. فقال: هذه من سنتنا، أنه ما نزوج الصغرى على حساب الكبرى، فقال: فإذا أنت بالخيار، يعني هذه لك، قال: نعم، أنا وافقت ثم غيرت رأيي، فعندك لي هذه زوجتك الآن. إلا أن يعقوب عليه السلام صمم على ابنة خاله راحيل، قال: أريدها تلك، لا زلت أريدها، قال: فإن أردتها فاجلس عندي سبع سنوات تشتغل معي، فوافق يعقوب عليه السلام أن يمكث هذه المدة، فجلس حتى أتمها، فتزوج راحيل. إذن أخذ يعقوب عليه السلام من خاله لي وراحيل، وهم أختان، وهم زوجتان ليعقوب عليه السلام، طبعا هذه في شريعتهم، في شريعتهم زواج جواز الجمع بين الأختين، أما في شريعتنا فإن هذا منهي عنه. إذن مكث بعد هذه المدة، بعد الزواج من الثانية، مكث يعقوب عليه السلام ست سنوات، وبهذا أتم عشرين سنة، جلس عند خاله سبع الأولى انتظارا للزواج من الأولى، ثم سبع الثانية للزواج من الثانية، ثم جلس ستة سنوات، وهي بهذا أتم عشرين سنة قضاها عند خاله. وفي هذه الفترة اشتغل وعمل في رعي الغنم، حتى أن الله عز وجل بارك له في ماله، وبارك الله له في ذريته، نقف إلى هذا الحد، وإن شاء الله في درس غد بإذن الله نواصل الحديث عما يتعلق بقضية يعقوب، وما كان من أولاده وذريته، وما كان من بيته من بنائه لبيت الله جل وعلا. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.