التعليق على كتاب الداء والدواء 104

التعليق على كتاب الداء والدواء 104

الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 104، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

بيان عظم فاحشة اللواط وخلاف العلماء في عقوبتها

يستعرض المقطع قول ابن القيم في «الداء والدواء» حول فاحشة اللواط موضحاً ثلاثة أقوال للعلماء في عقوبتها بالنسبة للزنا وراجحاً قول الجمهور بأنها أغلظ عقوبة. ويستدل بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تبرز شناعة هذه الفاحشة وانفرادها بالفساد ومخالفتها للفطرة والغاية من النكاح الشرعي.

مقارنة مصالح النكاح بمفاسد اللواط وعاقبة القوم

يبيّن المقطع فضائل النكاح ومسؤولية الرجل فيه ويوضح كيف أن اللواط يعارض فطرة الله ويقاوم مصالح الزواج بل ويزيد عليها فساداً. يستعرض عواقبه الدنيوية من الوحدة والموت وحيداً والأخروية من العقوبات الشديدة التي نزلت بقوم لوط جزاءً وفاقاً لانقلابهم للفطرة.

قصة قوم لوط وعقوبة اللواط في الوحيين

يستعرض المقطع قصة النبي لوط مع قومه الذين أصروا على الفاحشة ورفضوا النصح فأنزل الله بهم عذاباً شديداً بقلب ديارهم وإمطارهم حجارة من سجيل. يبين أن عقوبة اللواط من أعظم العقوبات وأخزاها وأنها عبرة للمتقين وإنذار لمن يسلك طريقهم مع الإشارة إلى الخلاف الفقهي القادم.

الخاتمة والدعاء والشكر للحضور

يختتم المتحدث المجلس بالصلاة على النبي محمد وآله والحمد لله رب العالمين مع الإقرار بأن العلم لله وحده. ثم يشكر الحضور على الاستماع والمشاركة في هذا المجلس العلمي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي، المعروف بابن القيم، ويقال ابن قيم الجوزية، رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين، وذلك في كتابه الفذ القيم «الداء والدواء»، وهو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي. وقد عقد فصلاً ماتعاً في بيان عظم فاحشة اللواط وشدة فحشها، وذكر خلافاً بين العلماء في أيهما أغلظ عقوبة: الزنا أم اللواط؟ وذكر رحمه الله تعالى ثلاثة أقوال: أولها، وهو أصحها، وهو قول جمهور الأمة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم: أن اللواط أغلظ عقوبة من الزنا. وذكر القول الثاني: الذي يقول أنهما سواء، وأن عقوبة الزاني هي نفسها عقوبة من فعل وارتكب جريمة اللواط. وقول ثالث: يقول أن عقوبة الزاني أغلظ وأشد، وأما اللواط ففيه التعزير، ففيه التعزير. وذكر رحمه الله تعالى محتجاً به أصحاب القول الثالث الذين يقولون بالتعزير في اللواط. وهكذا ذكر رحمه الله تعالى ذكر أدلة أصحاب القول الأول، وهم جمهور الأمة. قال: وحكاه غير واحد إجماعاً للصحابة. ليس في المعاصي مفسدة أعظم من مفسدة اللواط، وهي تلي مفسدة الكفر، وربما كانت أعظم من مفسدة القتل، كما بينه رحمه الله تعالى. وذكر مجموعة من الأدلة التي استدل بها على عظم جرم هذه الفاحشة، وعظيم الإجرام الذي يقع فيه فاعلها. ومما آماد، ومما ذكره رحمه الله تعالى: ذكر أحاديث في بيان عقوبة من فعل اللواط، كأحاديث ابن عباس: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به». وهذا عند أصحاب السنن من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، وصححه جماعة من أهل العلم، منهم العلامة الألباني رحمه الله تعالى، كما في «إرواء الغليل»، وهكذا في غيره من كتبه. وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «لعن الله من عمل عمل قوم لوط»، وأعادها عليه الصلاة والسلام ثلاث مرات: «لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط». وهذا حديث ابن عباس الآخر، وهو عند أحمد والنسائي، وصححه الألباني. وهكذا غيرها مما استدل به أصحاب هذا القول. ثم قال رحمه الله تعالى في تتمة أقوال أصحاب القول الأول، القائلين بأن عقوبة اللواط أغلب، وهكذا أعظم من عقوبة الزنا: قال رحمه الله تعالى: قالوا، أي أصحاب القول الأول: ومن تأمل قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾، وقوله في اللواط: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ﴾، هناك في الزنا قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾، فاحشة، فآ ماذا؟ منكر. وهنا في اللواط قال: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾. قال: تبين له تفاوت ما بين الفاحشتين، فإنه سبحانه نكر الفاحشة في الزنا، نكر الفاحشة في الزنا، أي: هي فاحشة من الفواحش. وعرف فاحشة اللواط بالألف واللام، وذلك يفيد أنه جامع لمعاني اسم الفاحشة، كما تقول: زيد الرجل، ونعم الرجل زيد. «زيد الرجل» يعني جمع خصال الرجولة، وهكذا «نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ». أي: أتأتون الخصلة الشنعاء التي استقر فحشها عند كل أحد، عند كل أحد؟ قال: فهي لظهور فحشها وكماله غنية عن ذكرها، بحيث لا ينصرف الاسم إلى غيرها. إذن ماذا عرفت؟ لكونها أعظم وأجمع لمعاني الفحشة، لمعاني الفحشة. قال رحمه الله تعالى: قال: وهذا نظير قول فرعون لموسى: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾، أي: الفعلة الشنعاء الظاهرة المعلومة لكل أحد. قال: ثم أكد سبحانه شأن فحشها بأنها لم تصدر عن أحد من العالمين قبلهم، فقال: ﴿مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ﴾. وقوله: ﴿سَبَقَكُم﴾، الضمير هنا يعود إلى من؟ الضمير يعود إلى من، يا أبا ناظم؟ ﴿مَا سَبَقَكُم بِهَا﴾، منهم؟ نعم، قوم لوط. ﴿مَا سَبَقَكُم﴾، إذن قوم لوط هم أول من عمل هذه الفاحشة، لم يفعلها أحد قبلهم من العالمين، أي من الخلق، لا إنس ولا جن ولا بهيمة ولا غيرها. قال: ثم زاد في التأكيد بأن صرح بما تشمئز منه القلوب، وتنبو عنه الأسماع، وتنفـر منه أشد النفرة الطباع، وهو إتيان الرجل رجلا مثله، ينكحه أو يُنكح، كما ينكح الأنثى. فقال: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾، ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾. وهذا كما سبق، حتى السباع، السباع والدواب والطيور وغيرها تأبى، وأيضا ماذا تستقبح هذا الأمر؟ والإنسان إذا خرج عن فطرته، وعن استقامته على شرع ربه، ولم يستخدم عقله استخداماً صحيحاً، فإنه ينزل في مرتبة أشد من مرتبة البهائم: ﴿أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾. قال رحمه الله تعالى: قال: ثم نبه على استغنائهم عن ذلك، وأن الحامل لهم عليه ليس إلا مجرد الشهوة، لا لحاجة إليه، لا لحاجة إليه، مثل الحاجة التي لأجلها مال الذكر إلى الأنثى، من قضاء الوطر، ولذة الاستمتاع، وحصول المودة والرحمة التي تنسى المرأة لها أبويها وتذكر بعلها، وحصول المودة والرحمة التي تنسى المرأة لها أبويها وتذكر بعلها. فما هو المقصود بالبعل، يا حذيفة؟ نعم، أحسنت: زوجها. لاحظوا إلى هذه الآية العظيمة: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾، ماذا؟ ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾. يعني المرأة تعيش بين كنفي والديها سنين عديدة، فتنتقل إلى زوج، فيحصل من المودة والرحمة بين الزوجين ما ينسيها العيش بين أبويها، بين أبويها، وذلك مع بعلها، أي مع زوجها. قال: وحصول النسل، أي الذرية، الذي هو حفظ هذا النوع، الذي هو أشرف المخلوقات، وهو ابن آدم، بنو آدم. واللواط، ماذا فيه، يا إخوان؟ أل فيه شيء من هذه المصالح؟ أل فيه ذرية؟ ليس فيه ذرية. وهل يحصل من المودة والرحمة أبداً؟ وإنما هي أغراض شيطانية، وهكذا أماني إبليسية، وغيرها من المفاسد الأخرى، وغيرها من المفاسد الأخرى. قال رحمه الله تعالى: قال: وتحصين المرأة، وقضاء وطرها، يعني من مصالح النكاح أن المرأة تحصن وتقضي حاجتها، ماذا؟ حاجتها الجنسية. قال: وحصول علاقة المصاهرة، التي هي أخت النسب، المصاهرة، علاقة من العلاقات الاجتماعية، وربنا عز وجل يقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾. لاحظوا عظم هذه الرابطة: بزواج الرجل في بيت أو قبيلة، يحصل من الروابط والتواصل، آه، ماذا بين الناس، بين الناس. قال: وقيام الرجال على النساء، كما قال الله عز وجل: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾، وبما أنفقوا من أموالهم. فعبر النكاح والزواج تكون، أو يكون قيام ومسؤولية الرجل على المرأة. قال: وخروج أحب الخلق إلى الله من جماعهن، كالأنبياء والأولياء والمؤمنين. قال: ومكاثرتي النبي صلى الله عليه وسلم الأنبياء بأمته، كما قال عليه الصلاة والسلام: «تزوجوا الودود الولود، تزوجوا الودود». ماذا معنى الودود؟ أي: كثيرة التودد والتحبب إلى بعلها وزوجها. الودود الولود: أي كثيرة الولادة. قال: «فَإِني مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». قال: إلى غير ذلك من مصالح النكاح. قال: والمفسدة التي في اللواط تقاوم ذلك كله، تقاوم، أي: تصادم تلك المصالح الموجودة في النكاح. قال: وتزيد عليه بما لا يمكن حصر فساده، ولا يعلم تفصيله إلا الله. ما معنى قوله: «وتربي عليه بما لا يمكن حصر فساده»، يا أبا معاوية؟ قال: «وتربي عليه»، ما معنى «وتربي عليه»؟ ما معنى «وتربي عليه»؟ قال: «والمفسدة التي في اللواط تقاوم ذلك كله»، أي: تصادمه وتضاده. قال: «وتربي عليه»، ما معنى «وتربي عليه»؟ يمحق الله الربا ويربي الصدقات. الربا، الربا من ماذا؟ اهتزت وربت، أي: من بلغوا عن العبار؟ نعم، نعم، نعم: نقصان أو زيادة؟ نقصان أو زيادة؟ زيادة، أحسن. إذن: «وتربي عليه»، أي: تزيد عليه. ولاحظوا يا إخوان، كيف أن من ابتلي بجريمة وفاحشة اللواط قد يرغب عن الزواج. يا فلان، تزوج، قال: لا، ليس لي حاجة في الزواج. يا فلان، تأتي بامرأة، آه، تطبخ، تكنس، تغسل، تعمر بيتك، قال: لا، ليس لي حاجة. طيب، الأولاد؟ أنت اليوم نشيط، فغداً تكون كبيراً ضعيفاً، تحتاج إلى أولاد يقوموا بك، أين الأولاد؟ إلى غيرها، يا إخوان. كل ذلك بسبب ماذا؟ بسبب اللواط. يرى أن هذه الفاحشة قد أغنته وسدت حاجته. من الذي زين له ذلك؟ الشيطان. زين لهم وأملى لهم: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾. يقولون: تزوج، يعني بعدها مشاكل في البيت، بعدها مصاريف فلوس في الزوجة والأولاد، وهذا يمرض، وهذا يحتاج دراسة، وهذا، ومشاكل في البيت. انظر الشيطان كيف يزين له الحرام، وماذا؟ ويقبح له الحلال، ويقبح في عينيه الحلال. وهذا من عقوبات هذه الفاحشة، وهذه الجريمة، وهذه الجريمة. وكم من أمثال هؤلاء يختم لهم بخاتمة السوء، أعاذني الله وإياكم من ذلك. وهكذا يندمون، لكن لربما حين لا ينفع الندم. إذا شاب رأسه، وانحنى، واحدودب ظهره، وضعف، ضعف بصره، وثقل سمعه، بعدها يقول: يا ليتني، يا ليتني، لكن ماذا؟ لا ينفعه ذلك، لا ينفعه ذلك. يبقى عالة على الآخرين، يقوم من يقوم من الناس من المحسنين، إن قام به أحد، بخدمته وتنظيفه وإطعامه. وكم، يا إخوان، يوجد من أمثال هؤلاء في بيته ميتاً، ولا يدري الناس بموته، إلا بعد أن تنبعث الروائح القبيحة الكريهة من بيته، بعد أن مات، ولا يعلم بموته أحد. ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾، ﴿فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾. ضحايا هذه الفاحشة كثر، وعواقبها عليهم شديدة في الدنيا قبل الآخرة. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يهدينا وإياهم. قال رحمه الله تعالى: قال: ثم أكد سبحانه قبح ذلك، بأن اللوطية عكسوا فطرة الله التي فطر الله عليها الرجال، عكسوا فطرة الله التي، التي فطر الله عليها الرجال، وقلبوا الطبيعة، أو وقلبوا الطبيعة التي ركبها الله في الذكور، وهي شهوة النساء دون شهوة الذكور، فقلبوا الأمر وعكسوا الفطرة والطبيعة، فأتوا الرجال شهوة من دون النساء، شهوة من دون النساء، النساء. قال: ولهذا قلب الله سبحانه عليهم ديارهم، كان الجزاء من جنس، من جنس العمل. يا إخوان، كما قلبوا، قلب الله عز وجل عليهم ديارهم، قال: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾، وقلبهم، أو وقلبهم، ونكس رؤوسهم في العذاب، فجعل عاليهم سافلهم، جزاء وفاقاً، أي: الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان، وكما تدين تدان. قال: ثم أكد سبحانه قبح ذلك، بأن حكم عليهم بالإسراف، وهو مجاوزة الحد، فقال: ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾. قال: فتأمل. قال: فتأمل، هل جاء مثل ذلك أو قريباً منه في الزنا؟ قال: ثم أكد فعلهم بأنه خبيث، فقال: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾. الضمير يعود إلى من، يا أبا العباس؟ ﴿وَنَجَّيْنَاهُ﴾، ﴿وَنَجَّيْنَاهُ﴾، ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾، الضمير يعود إلى من فيه؟ ﴿وَنَجَّيْنَاهُ﴾ إلى نبي من أنبياء الله، فمن هو؟ لوط، لوط، أحسنت. ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾. قال: ثم أكد عليهم الذم بوصفين في غاية القبح، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾، ﴿قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾. هكذا وصفهم ربنا عز وجل بالسوء، وهكذا أيضاً بالفسق، وهو الخروج عن طاعة، والخروج عن الاستقامة لله تبارك وتعالى. قال: وسماهم مفسدين، في قول نبيهم: ﴿رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾. وسماهم ظالمين، في قول الملائكة لإبراهيم: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ﴾، أي: قرى قوم لوط، ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾. قال: فتأمل، من عوقب بمثل هذه العقوبات، ومن ذمه الله بمثل هذه المدمات؟ ولما، ولما جادل فيهم خليله إبراهيم، الملائكة، وقد أخبروه بإهلاكهم، أي بإهلاك قوم لوط، قيل، قيل له: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا﴾، لا تدافع عنهم، لا تجادل فيهم، ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾. قال: وتأمل خبثاً لوطية، وفرطاً تمردهم على الله، فرطاً، أي: زيادة تمردهم على الله، حيث جاءوا نبيهم لوطاً. لاحظوا كيف الجرم الذي يقع فيه من ابتلي بمحبة هذه الفواحش، نسأل الله العافية والسلام. قال: وتأمل خبث اللوطية، وفرط تمردهم، وفرط تمردهم على الله، حيث جاءوا نبيهم لوطاً، لما سمعوا بأنه قد طرقه أضياف، هم من أحسن البصر صوراً، فأقبل اللوطية إليه يهرولون، أي: يسرعون. فلما رآهم، قال لهم: يا قوم، ماذا تريدون، ماذا تريدون؟ أوليئ ضيوف. ماذا يريد أن يفعلوا بالأضياف؟ قال، قال، قال لهم: ﴿يَا قَوْمِ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾. قال: ففدى أضيافه ببناته، يزوجهم بهن، من كان يريد أن يقضي شهوته. تعالي يا أخي، سأزوجك إحدى بناتي، ولا تفكر وتطمع في هذه الجريمة والفاحشة. قال: ففدى أضيافه ببناته، يزوجهم بهن، قوفاً على نفسه وأضيافه، من العار الشديد. فقال: ﴿يَا قَوْمِ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾. فرد عليه، ولكن رد جبار عنيد، بماذا ردوا؟ قال عنهم: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾، ﴿مَا نُرِيدُ﴾. ما نريد بناتك، عندنا نساء في البيوت، زوجات، وإذا أردنا أن نتزوج فالبنات كثير، لكن ماذا؟ ﴿إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾، يريد الفاحشة، ويريد الجريمة. لم يتقوا الله عز وجل، ولم يحترموا ضيفاً نزل، على البلاد عليهم، وهكذا فقدوا من الشيم والمكارم والأخلاق والآداب والإيمان، نعوذ بالله عز وجل من حالهم. قال: فنفث نبي الله، نفثة مصدور، خرجت من قلب مقروب، عميد. فقال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. والركن الشديد يعني من معانيه في اللغة: يأتي إلى من يكون سبباً لحمايته، يحتمي إما بشخص أو بمكان أو غير ذلك. أو عندي قوة، ماذا سيستعمل هذه القوة إلا في دفعهم وصدهم عن الإقدام على ما عزموا عليه من الفاحشة؟ قال رحمه الله تعالى: قال: فنفث الله، أو فنفث له رسول الله، وكشفوا له عن حقيقة الحال، وأعلموه أنهم ليسوا ممن يوصل إليهم، ولا إليه بسببهم. فقالوا: ﴿لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾، ليس هذا، قالوا: ﴿لَا تَخَفْ مِنْهُمْ وَلَا تَعْبَأْ بِهِمْ﴾، وهو عليك. فقالوا: ﴿يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾، هؤلاء رسل من الملائكة، ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ وَمِنَ النَّاسِ﴾. ﴿يَا لُوطُ إِنَّ رُسُلَ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾. قالوا: وبشروه بما جاءوا به من الوعد، له ولقومه، من الوعيد المصيب. فقالوا: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾. قال: فاستبطأ نبي الله موعد هلاكهم الصبح، يعني: متى يأتي الصباح؟ وكأنه يريد ماذا؟ تعجيل العذاب عليهم. وقال: أريد أعجل من هذا. فقالت الملائكة: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾. هذه الأحداث وقعت في السحر، في آخر الليل. جماعة أتوا، وموعد إهلاك هؤلاء المجرمين في الصباح. ولوط عليه الصلاة والسلام استبطأ موعد هلاكهم، وقال: أريد أعجل من هذا. فقالت الملائكة: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾. قال: فوالله ما كان بين هلاك أعداء الله ونجاة نبيه وأوليائه إلا ما بين السحر وطلوع الفجر. قال: قال: وإذا بديارهم قد اقتلعت من أصولها، ورفعت نحو السماء، حتى سمعت الملائكة نباح الكلاب ونهيق الحمير. وهذا ورد في بعض أخبار بني إسرائيل، ولم يصح عن نبينا صلى الله عليه وسلم ذلك، وإنما جاء في أخبار بني إسرائيل. وأخبار بني إسرائيل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ»، وكما قال عليه الصلاة والسلام عن أخبار بني إسرائيل: «لَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ»، لكن إذا جاء في شرعنا ما يدل على تصديقها قبلنا، أو على ردها فنردها، فنردها. قال: وإذا بديارهم قد اقتلعت من أصولها، ورفعت نحو السماء، حتى سمعت الملائكة نباح الكلاب ونهيق الحمير. فبرز المرسوم الذي لا يرد، من عند الرب الجليل، إلى عبده ورسوله جبريل، بأن يقلبها عليهم، كما أخبر به في محكم التنزيل. فقال عز من قائل: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾. قال: فجعلهم آية للعالمين، وموعظة للمتقين، ونكالاً وسلفاً لمن شاركهم في أعمالهم من المجرمين. وجعل ديارهم بطريق السابلين، أي: الذين يمشون في طريق السفر. قال: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. قيل: المتوسمين، يعني: المتفرسين، وقيل غير ذلك. قال: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ﴾، ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: أخذهم على غرة وهم نائمون، وجاءهم بأسهم وهم في سكرتهم يعمهون، ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. فانقلبت تلك اللذات آلاماً، فانقلبت تلك اللذات آلاماً، فأصبحوا بها يعذبون، وإلى يوم القيامة بعملهم يعيرون، ويذكرون بأقبح الذكر. فبئس ما كانوا يصنعون، وبئس ما كانوا في ناديهم يأتون. مآرب كانت في الحياة لأهلها عذاباً، فصارت في الممات عذاباً. قال: ذهبت اللذات، مآرب، يعني: مقاصد وأغراض، كانت في الحياة لأهلها عذاباً، يعني: عذبة، يشعرون أنها لذيذة وأنها شهية. قال: قال: فصارت في الممات عذاباً، العذب أصبح عذاباً. قال: ذهبت اللذات وأعقبت الحسرات، وانقضت الشهوة وأورثت الشقوة. تمتعوا قليلاً وعذبوا طويلاً، رتعوا مرتعاً وخيماً، فأعقبهم عذاباً أليماً. أسكرتهم خمرة تلك الشهوة، فما استفاقوا منها إلا في ديار المعذبين، وأرقدتهم تلك الغفلة، فما استيقظوا إلا وهم في منازل الهالكين. فندموا، والله، أشد الندامة، حين لا ينفع أن ندم، وبكوا على ما أسلفوه، بدل الدموع بالدم. قال: فلو رأيت الأعلى والأسفل من هذه الطائفة، والنار تخرج من منافذ وجوههم وأبدانهم، وهم بين أطباق الجحيم، وهم يشربون بدل لذيذ الشراب كؤوس الحميم، ويقال لهم، وهم على وجوههم يسحبون: ﴿ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾، ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. ولقد قرب الله سبحانه مسافة العذاب بين هذه الأمة وبين إخوانهم في العمل، فقال مخوفاً لهم أن يقع الوعيد: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾. يعني: هذه العقوبة ليست خاصة بقرى قوم لوط، وإنما قد تأتي وتنزل بمن عمل عملهم. ثم ذكر أبياتاً، رحمه الله تعالى، قائلاً: فيا ناكح الذكران يهنيكم البشرى فيوم معاد الناس إن لكم أجرى كلوا واشربوا وزنوا ولوطوا وأبشروا فإنكم زُفّاً إلى الجنة الحمرى ما هي الجنة الحمرى؟ أي: جهنم، والعياذ بالله. قال: فإخوانكم قد مهدوا الدار قبلكم، أي: ماذا؟ أي: قوم لوط. فإخوانكم قد مهدوا الدار قبلكم، وقالوا: إلينا عجلوا لكم البشرى، وها نحن أسلاف لكم في انتظاركم. سيجمعهم الجبار في ناره الكبرى. ولا تحسبوا أن الذين نكحتموهم يغيبون عنكم، بل ترونهم جهراً، ويلعن، ويلعن كل منكم خليله، ويشقى به المحزون في الكرة الأخرى، أي: يوم القيامة، يعذب كل منهم بشريكه، كما اشترك في لذة توجب الوزرى. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الفصل، الذي عقده رحمه الله تعالى لبيان الخلاف في هذه المسألة، ولبيان أدلة القول الصحيح: أن عقوبة اللواط أشد وأغلظ من عقوبة الزنا، وعظم هذه الجريمة. ويأتي في الفصل الذي يليه، إن شاء الله عز وجل، الرد على من يقول بأن عقوبة اللواط أخف ودون عقوبة الزنا، إلى غير ذلك من المباحث، يأتي معنا الكلام عنها في الدرس القادم، إن شاء الله عز وجل. وفّق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكراً لكم