الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 102، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يتناول المقطع خوف الصالحين من أن تحيل الذنوب بينهم وبين حسن الخاتمة، مستشهدًا ببكاء سفيان الثوري وخوفه من سوء الخاتمة، وحال أبي الدرداء عند الاحتضار. مؤكدًا أن الأعمال بالخواتيم وأن الذنوب قد تكون حجابًا عن العاقبة الحسنة.
يبيّن عبد الحق الإشبيلي أن سوء الخاتمة لا تصيب من استقام ظاهره وصلح باطنه، بل من أفسد عقيدته أو أصر على الكبائر. ويسوق قصة مؤذن بمصر افتتن بابنة نصراني، فتنصر ليتزوجها، فسقط من سطح الدار ومات في نفس اليوم، فخسر الدنيا والآخرة.
يتناول الفصل مقارنة بين عقوبتي الزنا واللواط، مبيناً ثلاثة أقوال للعلماء: قول الأكثرين بأن عقوبة اللواط أشد (القتل في كل حال)، وقول جماعة بأنها كعقوبة الزنا، وقول أبي حنيفة بأنها تعزير دون الحد. وسيرجح المؤلف لاحقاً القول الأول بأدلته.
يختتم المتحدث المقطع بالصلاة على النبي محمد وآله، ويختم بالحمد لله رب العالمين مع الإقرار بأن الله تعالى أعلم. وهذا يشكل ختاماً عاماً للدرس.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمةً للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد، قال الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين في كتابه القيم الموسوم بـ «الداء والدواء» وهو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي. ولا يزال في سياق الحديث حول عقوبة من عقوبات الفواحش من زنا ولواطن وغيرهما التي قد تحرم صاحبها الخاتمة الحسنة ويبتلى بخاتمة السوء، يبتلى بخاتمة السوء. وذكر رحمه الله تعالى أمثلةً ونماذج لأقوام عند الاحتضار حيل بينهم وبين الخاتمة الحسنة، وما ذاك إلا بسبب هذه الذنوب والمعاصي، بسبب العشق الذي يضر بأصحابه كثيرًا. ثم ختم هذا الفصل بقوله رحمه الله تعالى بعدما ذكر: «ولقد بكى سفيان الثوري ليلةً إلى الصباح، فلما أصبح قيل له: أكل هذا خوفًا من الذنوب؟ أكل هذا خوفًا من الذنوب؟ قال: فأخذ تبنةً من الأرض». والتبنة هي ما تهشم من سيقان القمح والشعير بعد أن تدرس، يعني تأخذ سيقان الشعير وهكذا أيضًا القمح وتطحن أو تداس حتى تصبح قطعًا صغيرة فيقال لها تبنة، وغالبًا تعلف بها الدواب والبهائم، وهكذا يستخدمها البعض في أمور البناء. وشاهد من هذا أنه أخذ شيئًا صغيرًا حقيرًا من الأرض وقال: «لذنوبي أهون من هذه، وإنما أبكي من سوء الخاتمة، أبكي من سوء الخاتمة». وفي بعض النسخ: «وإنما أبكي من خوف الخاتمة». ولهذا يا إخوان، الخوف من خاتمة السوء هذا من الأمور التي كان عليها الصالحون. فحين أن يقرأ أو يسمع حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه الذي أخرجه الشيخان في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفةً، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد». قال: «فوالله الذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها». هذا الحديث كان مما يخاف منه الصالحون، وهكذا الأولياء والمتقون يخاف أحدهم أن يختم عليه بسوء. «إنما الأعمال بالخواتيم». أكد يقول النبي صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: «وهذا من أعظم الفقه أن يخاف الرجل أن تخذله ذنوبه عند الموت فتحول بينه وبين حسن الخاتمة بالحسن». قال: «وقد ذكر الإمام أحمد عن أبي الدرداء... ما اسم أبي الدرداء يا أبا خالد؟ ما اسم أبي الدرداء؟ أبي الدرداء أويمر. أحسنت، أويمر بن مالك رضي الله عنه». قال عن أبي الدرداء أنه لما احتضر جعل يغمى عليه، ثم يفيق ويقرأ: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، ونذرهم في طغيانهم يعمهون. وجعل يتكرر معه ذلك الموقف نحو من ثلاث مرات، يغمى عليه ثم يفيق فيقرأ هذه الآية. ما مع أنه من علماء الصحابة ومن صالحيهم ومن صالحيهم. قال رحمه الله تعالى: «فمن هذا خاف السلف أن تكون الذنوب حائلة بينهم وبين الخاتمة بالحسن، وأن تكون حجابًا بينهم وبين حسن العاقبة». ومن حسن العاقبة قال عبد الحق... من عبد الحق يا إخوان؟ يا أبا طاهر، من عبد الحق؟ قال عبد الحق بن تيمية... ابن القيم؟ لا، القائل قال عبد الحق هو ابن القيم... لكن من عبد الحق؟ وقد كان السؤال بالدرس الماضي حول الأندلس وتاريخ المسلمين بالأندلس، ليس الإلبيري، وإنما لم تسمع إلى الشين التي تتفشأ... الإشبيلي. أحسنت، الإمام عبد الحق الإشبيلي. قال: «قال عبد الحق: والله أعلم أن سوء الخاتمة أعاذنا الله منها لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه، ما سمع بهذا ولا علم به ولله الحمد، وإنما تكون سوء الخاتمة لمن له فساد في العقيدة أو إصرار على الكبائر وإقدام على العظائم». لاحظوا يا إخوان أن سوء الخاتمة لا يأتي لمن أصلح ما بينه وبين الله عز وجل، فصلح معتقده وأخلص في نيته وعمله، وإنما تأتي ممن هو على العكس، على النقيض. قال: «وإنما تكون سوء الخاتمة لمن له فساد في العقيدة أو إصرار على الكبائر وإقدام على العظائم، فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل به الموت قبل التوبة فيأخذه قبل إصلاح الطوية». والطوية تطلق على الضمير والنية، تطلق على الضمير يصلح ضميره ويصلح نيته. وفي لغة العرب تطلق الطوية ويراد بها البئر المبنية، بيئة الحجارة المبنية بيئة الحجارة أيضًا يقال لها طوية. قال: «ويصطلم قبل الإنابة فيظفر به الشيطان عند تلك الحال فيصدمه ويختطفه عند تلك الدهشة والعياذ بالله». قال: أي عبد الحق الإشبيلي. وقلنا ابن القيم أكثر في هذا الفصل من النقل من كتاب عبد الحق الإشبيلي المسمى بـ «العاقبة في ذكر الموت»، العاقبة في ذكر الموت. قال: «ويروى أنه كان بمصر رجل يلزم مسجدًا للأذان والصلاة، وعليه بهاء الطاعة وأنوار العبادة. قال: فرقي يومًا المنارة على عادته للأذان». فرقي أي صعد إلى... على لي أو يومًا على... يومًا المنارة، والمنارة يعني المكان المرتفع الذي يبنى في ناحية من المسجد. قال: «قال على عادته للأذان، وكان تحت المنارة دار لنصراني. قال: فاطلع المؤذن فيها، اطلع المؤذن فيها أي في الدار. قال: فرأى ابنة صاحب الدار فافتتن بها، فترك الأذان ونزل إليها ودخل الدار عليها. فقالت له: ما شأنك وما الذي تريد؟ قال: أريدك. قالت: لماذا؟ قال: سبيتي لبي، سبيتي لبي، يعني استولت على... على عقله، قال: وأخذتي بمجامع قلبي. قالت له: لا أجيبك إلى ريبة أبدًا، حرام زنا، لا ما أجيبك إلى ريبة أبدًا. قال: أتزوجك؟». أتزوجك، والزواج بالنصرانية جائز أو لا يجوز؟ نعم يا أبا أساني، يجوز أو لا يجوز أن يتزوج بامرأة نصرانية؟ يجوز. أحسنت، يجوز. لكن يا إخوان انظروا إلى الفتنة التي وقع فيها هذا الرجل، فكون يجوز ليس معنى ذلك أنه أفضل، لا. انظر من سيتولى تربية أولادك، نصرانية ستربيهم على ماذا، وغير ذلك من المفاسد المترتبة، فالزوجة هي أعظم جليس وأعظم معين للزوج، فكيف إذا فقد الزوج المسلم هذا الخير الذي يرجوه من الزوجة؟ قال: «أتزوجك؟ قالت: أنت مسلم وأنا نصرانية، وأبي لا يزوجني منك، وأبي لا... لا يزوجني منك. قال لها: أتنصر وأدخل في دينك؟ أتنصر وأدخل في دينك؟ قالت: إن فعلت أفعل. قال: فتنصر الرجل ليتزوجها، وأقام معهم في الدار. فلما كان في أثناء ذلك اليوم... لاحظ المدة قصيرة يا إخوان، ما بين الإسلام والردة ثم الخاتمة. قال: فلما كان في أثناء ذلك اليوم رقي إلى سطح كان في الدار، فسقط منه فمات، فلم يظفر بها وذهب دينه، يعني خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين». فنعوذ بالله يا إخوان من خاتمة السوء، من خاتمة السوء. قال رحمه الله تعالى: «فصل». وهذا الفصل أقده رحمه الله تعالى ليقيم مقارنة بين فاحشتين، كلاهما عظيم، لكن أيهما أعظم من الآخر؟ الفاحشتان هما الزنا واللواط. أيهما أشد؟ أيهما أقبح؟ أيهما أكثر جرما وحرمة؟ عقد هذا الفصل لبيان ذلك. قال رحمه الله تعالى: «ولما عموا... أوما اللواط من أعظم المفاسد كانت عقوبته في الدنيا والآخرة من أعظم العقوبات، وقد اختلف الناس: هل هو أغلب عقوبة من الزنا، أو الزنا أغلب عقوبة منه، أو عقوبتهما سواء؟ على ثلاثة أقوال». فبدأ بالقول الأول وهو قول الأكثر وهو الصواب والأصح. قال: «فذهب أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وخالد بن الوليد وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس وجابر بن زيد وعبد الله بن معمر والزهري وربيعة بن أبي عبد الرحمن ومالك وإسحاق بن راهويه والإمام أحمد في أصح الروايتين عنه والشافعي في أحد قوليه إلى أن عقوبته أغلب من عقوبة الزنا». عقوبة اللواط يا إخوان أعظم من عقوبة الزنا. قال: «وعقوبته القتل على كل حال، محصنًا كان أو غير محصن». في اللواط يا إخوان يقتل الفاعل والمفعول به سواء كان محصنًا أي متزوجًا أو كان غير محصن أي غير متزوج. وأما في الزنا... وأما في الزنا يا فاروق، في الزنا ما هو الحكم؟ حرام، لا خلافة في ذلك، لكن الحد... حد القتل يقام علما في الزنا. في الزنا حد القتل يقام علما من الذي يقتل؟ المحصن وغير المحصن كلاهما المتزوج وغير المتزوج، أم أن هناك فرق؟ شخص متزوج وقع في جريمة الزنا اعترف، أقر أو شهد عليه أربع شهود، ما هو حده؟ يسمى الثيب، الزاني ما هو حده؟ طيب، أحسنت يا أبا إبراهيم: المحصن الرجم حتى الموت، والبكر جلد مئة جلدة. إذن انظروا إلى أن حد الزنا أعظم وأشد، فلا يفرق فيه بين المحصن وغير المحصن. قال: «وذهب عطاء بن أبي رباح والحسن البصري وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وقتادة والأوزاعي والشافعي في ظاهر مذهبه والإمام أحمد في الرواية الثانية عنه وأبو يوسف ومحمد... أبو يوسف ومحمد يا خان علي، من أبو يوسف ومحمد؟ هم من أصحاب... من يا خان علي؟ أبو يوسف ومحمد من أصحاب من يا حذيفة؟ يا أبا الفضل، من أصحابي... من أصحابي أبو حنيفة. هكذا، أين أصحاب النحو؟ أحسنت، من أصحاب أبي حنيفة. طيب، فمن أبو يوسف؟ الشيباني... لا، ذاك محمد بن الحسن الشيباني، وأبو يوسف... أقرينه يعقوب، وكلاهما من أخص تلاميذ أبي حنيفة رحمة الله عليهم». قال: «إلى أن عقوبة... إلى أن عقوبته... إلى أن عقوبته عقوبة الزاني إن كان محصنًا رجما، وإن كان غير محصن جلدًا وغربًا». قال: «وذهب الحكم وأبو حنيفة إلى أن عقوبته دون عقوبة الزاني وهي التعزير». تعزير يا إخوان ممكن يكون بالجلد، وممكن يكون بالسجن، وممكن يكون بغرامة مالية، فهو دون الحد. والقول بالتعزير أي أن حد... أي أن عقوبة اللواط أخف من عقوبة الزنا عند القائلين بهذا القول. وسآتي معنا إن شاء الله عز وجل ما يذكره الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في بيانه وفصله وتحقيقه وترجيحه في هذه المسألة، وسيرجح يا إخوان القول الأول، وسيدلل على رجحانه وصحة هذا القول، ويرد على حجج القائلين بغيره من الأقوال الأخرى. طيب، نقف هنا ونكمل إن شاء الله عز وجل في الدرس القادم. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.