الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 133، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع حديثاً نبوياً يوضح كيف يدني الله المؤمن فيحاسبه على ذنوبه ثم يسترها عليه ويمنحه صحيفة حسناته. ويستخلص من الحديث حرص المسلم على ستر ذنوبه وعدم المجاهرة بها وخشيته من عرض أعماله على الله تعالى.
يبيّن المقطع كيفية طيّ صحيفة حسنات المؤمن بعد الحساب والنشر، ويناقش حديث عائشة عن الثلاث مواطن موضحاً ضعفه عند الألباني. ثم ينتقل المؤلف لذكر موقف الميزان وتعريفه اللغوي.
يؤكد أهل السنة والجماعة أن الميزان المذكور في الكتاب والسنة ميزان حقيقي له كفتان توزن فيه الأعمال يوم القيامة. والحكمة من نصب الميزان إظهار عدل الله وإقامة الحجة على العباد فمن ثقلت موازينه فلله الجنة ومن خفت فلله النار.
يوضح المقطع أن الميزان يوم القيامة يُكرِم أهل الإيمان بفرحهم بحسن أعمالهم، بينما يُذل الكافرون ويهانون جزاء ما كسبوا. ويشير إلى وجود تفصيلات أخرى ستُبحث في درس قادم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخ العلام حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال: مئة وعشرون: ما دليل ذلك من السنة؟ وذلك يعود على نشر الصحف، فقد تقدم من كلام المؤلف ذكر الأدلة من الكتاب، وفي هذا السؤال سيذكر بعض الأدلة في السنة. قال: الجواب: فيه أحاديث كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «يدني المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه: تعرف ذنب كذا؟ تعرف ذنب كذا؟ فيقول: أعرف، أعرف. فيقول: سترتها عليك في الدنيا، وأغفرها لك اليوم. ثم تطوى صحيفة حسناته». وأما الآخرون أو الكفار فينادى عليهم على رؤوس الأشهاد: «هؤلاء الذين كذبوا على ربهم». والحديث قد مر معنا، وذكرنا أن هذا الحديث فيه إثبات الإدناء لله عز وجل، وهو بمعنى القرب، فالله عز وجل يقرب ممن يشاء من عباده، ويقرب إليه من يشاء من عباده. وقوله هنا: «كنفه» أي: سترة، يضع عليه ستره. وقوله: «فيقرره بذنوبه» هذا هو موطن الشاهد، بمعنى أنه ينشر له صحيفته، وهذا مما يدل عليه آخر الحديث في قوله: «ثم تطوى صحيفة حسناته»، وذلك بعد نشرها، بعد نشرها تطوى هذه الصحيفة، تطوى هذه الصحيفة. وذكرنا فيما مضى أن هذا الحديث فيه فائدتان: الفائدة الأولى: أن المسلم يحرص على ستر ذنوبه ولا يجاهر بها، ولا يجاهر بها. وهكذا من فوائد هذا الحديث: أن المسلم يستحي من الله عز وجل، إذ أنه ستعرض أعماله على رب العالمين سبحانه وتعالى. ونبه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بقوله: «ثم تطوى صحيفة حسناته» أن هذه اللفظة خطأ، والصحيح ما جاء بلفظ: «يعطى»، وبعضهم أثبت اللفظين وجمع بينهما، فقال: جاء الحديث بالروايتين: «ثم تطوى صحيفة حسناته»، و«ثم يعطى صحيفة حسناته»، جاء بهذا وهذا. والجمع: أن المؤمن تطوى له صحيفة حسناته بعد تقريره، تنشر هذه الصحيفة ثم يقرر العبد بما في هذه الصحيفة، ثم تطوى هذه الصحيفة بما فيها إذا تلقاها ثم حوسب عليها، يعني: بعد ما يحاسب عليها فإنه يعطاها بعد ذلك مطوية، خلاص، بعد الحساب وبعد كذلك النشر تطوى هذه الصحيفة ثم تعطى له مطوية، تعطى له مطوية هذه الصحيفة. وهذا الجمع أحسن من إلغاء إحدى اللفظين، وكما هو مقرر في قواعد الأصول: أن العمل بالدليلين أولى من إهمال أحدهما، أولى من إهمال أحدهما. وقالت عائشة رضي الله عنها: «قلت: يا رسول الله، هل يذكر الحبيب حبيبه يوم القيامة؟ قال: يا عائشة، أما عند ثلاث فلا: أما عند الميزان حتى يثقل أو يخف فلا، وأما عند تطاير الكتب إما أن يعطى بيمينه وإما أن يعطى بشماله فلا، وحين يخرج عنق من النار». الحديث بطوله، رواه أحمد وأبو داود وغير ذلك من الأحاديث. وهذا الحديث كما أشار أخرجه أبو داود من حديث عائشة، لكن الحديث ضعفه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في "ضعيف الجامع"، فهذا الحديث لا يثبت. وعموم الأدلة تدل على أن في تلك المواقف يفر الحبيب من حبيبه، كقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾. فمعنى عموم هذه الأدلة تدل على أن الإنسان في تلك المواقف يكون مشغولاً بنفسه، يكون مشغولاً بنفسه، فلا يذكر حبيبا ولا صديقا ولا زوجة ولا قريبا لهول ذلك اليوم، لهول ذلك اليوم، فيكفينا عموم الأدلة، وأما هذا التفصيل وبالتحديد بهذه الثلاث فإن الحديث لم يصح فيها. السؤال: مئة وإحدى وعشرون: ما دليل الميزان من الكتاب وكيف صفة الوزن؟ انتقل المؤلف رحمه الله تعالى إلى موقف آخر من مواقف يوم القيامة، ويأتي كذلك هذا الموقف بعد الحساب، وهو الميزان. والميزان في اللغة هي الآلة المعروفة التي يوزن بها، والتي تميل إحدى كفتيها وترتفع الأخرى، أو تخف إحدى كفتَيْها وتثقل الأخرى. فأهل السنة والجماعة مطبقون مجمعون على الإيمان بهذا الميزان، وأنه ميزان حقيقي، وأنه ميزان حقيقي له كفتان، له كفتان، تثقل إحداهما وتخف الأخرى بحسب ما يوضع فيها. وقد أخطأ خطأ فادحاً عظيماً من قال: إن المراد بالميزان الوارد في الكتاب والسنة ما هو إلا تعبير مجازي عن العدل. هكذا يقول بعض الضلال، يقول: هذا مجاز عن العدل الذي يكون في يوم القيامة، لأن بالميزان يكون العدل فهو مجاز وليس حقيقة. فهذا ضلال، وترده النصوص. فيقال لهذا المتفلسف: ماذا تقول في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان، ثقيلتان في الميزان»؟ هل يقال: ثقيلتان في العدل؟ هل يقال: ثقيلتان في العدل؟ أي أسلوب هذا الذي أتى به هذا المتفلسف؟ هذا أسلوب ركيك لا يتكلم به أحد من العرب، فضلاً أن يتكلم به أفصحهم وأبلغهم وهو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فما عليه أهل السنة والجماعة أن هذا الميزان ميزان حقيقي له كفتان، ينصب يوم القيامة، توزن به الأعمال، كما سيأتي معنا تفصيل ذلك. وما هي الحكمة من هذا الوزن مع أن الله عز وجل غني عن ذلك؟ فهو سبحانه وتعالى له أن يحاسب عباده بما علمه وبما كسبت أيدي عباده، فلماذا أقيم هذا الوزن وهذا الميزان؟ ذكر أهل العلم أن الحكمة من ذلك هو إظهاراً لعدل الله، وإقامة للحجة على العباد، وإعذاراً لهم فيما يشاهدون ويرون من أعمالهم، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾، كأنه يقال: هذه أعمالك وهذا ما قدمت يدك، وهذا الميزان الذي يوزن لك هذه الأعمال، ولا يظلمك هذا الميزان شيئاً، فانظر: هذه سيئاتك وهذه حسناتك، الحسنات توضع في كفة والسيئات توضع في كفة، ومن رجح منهما فيكون صاحبه مأخوذ به. فمن ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية، ومن خفت موازينه فأمه هاوية. وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾. فالحكم من ذلك كما ذكرنا هو إظهار العدل، عدل الله عز وجل، وإقامة الحجة على العباد في ذلك اليوم، حتى يقف كل إنسان على عمله. نعم، وأيضاً من الحكم على وضع ذلك الميزان: فيه تشريف لأهل الإيمان على رؤوس الأشهاد، إذ أن المؤمن يفرح بما يرى من حسن أعماله، والعكس بالعكس، والعكس بالعكس، فإن الكافر يذل ويهان في ذلك اليوم جزاء بما كسبت يداه في هذه الحياة الدنيا. وهناك مباحث أخرى وتفاصيل تتعلق بهذا المبحث، فإن شاء الله يكون الكلام عليها في درس قادم لانتهاء الوقت. إلى هنا والله تعالى أعلم.