أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 134

أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 134

الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 134، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

ما يوزن في الميزان يوم القيامة

يبيّن المقطع أن الميزان يوم القيامة يوزن فيه الأعمال، والصحف، والعامل نفسه، مستدلاً بأحاديث نبوية لكل منها. ويرجّح المؤلف وأئمة كبار كابن كثير وابن باز وابن مرعي أن الثلاثة توزن جميعاً، وأن العبرة في الثقل والخفة هي للعمل لا لوزن البدن.

أعمال تثقل الميزان: شهادة التوحيد والذكر وحسن الخلق

يؤكد المقطع أن وزن العبد يوم القيامة يكون بأعماله الصالحة، وأن شهادة «لا إله إلا الله» بصدق وإخلاص من أثقل الأعمال، مستدلاً بحديث البطاقة ووصية نوح. كما يستعرض أعمالاً أخرى تثقل الموازين كالأذكار، والصبر على موت الولد، وحسن الخلق، واتباع الجنائز الذي يعدل قيراطين أثقل من أحد.

الحث على حضور الجنائز وشهودها لنيل الأجر

يحث المتحدث على الحرص على حضور الجنائز والمشاركة في تشييعها، مبيناً أن ذلك من الأسباب التي تثقل الموازين يوم القيامة. ويختم بالتأكيد على أهمية اغتنام هذه الأعمال الصالحة للقاء الله بها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فإن شاء الله تعالى لا نزال في ذكر بعض المسائل التي تتعلق بالميزان. فقد تقدم معنا أن من عقيدة أهل السنة والجماعة وزن الأعمال، وذكرنا أن الميزان كذلك ميزان حقيقي له كفتان، ونحو ذلك مما تقدم. وكذلك من هذه المسائل التي تتعلق بالميزان: مسألة ما الذي يوزن في الميزان؟ الذي يوزن في الميزان ما هو؟ هل هو العمل، أو الصحف، أو العامل؟ كل هذه أقوال لأهل العلم، وكلها دلت عليها أدلة الشرع. والصحيح من هذه الأقوال أن كل هذه الأمور الثلاثة توزن: يوزن العمل، ويوزن كذلك الصحف، ويوزن العامل. وكل هذه، كما تقدم، دلت عليها الأدلة. فمثلا وزن الأعمال: جاء فيها أدلة، منها ما جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان». هذا هو وجه الشاهد، فقوله: «ثقيلتان في الميزان» دليل على أن هذه الأعمال توزن. قد يقول قائل: كيف توزن الأعمال وهي ليست بجوهر وإنما أمور معنوية؟ فيقال: الله أعلم بذلك، فالله سبحانه وتعالى قادر على كل شيء، سبحانه وتعالى، فأخبرنا أن مثل هذه الأعمال توزن، فنؤمن بذلك، ونجعل كيفية هذه الأعمال من أمور الغيب التي لا نعلمها. وأما دليل وزن الصحف، فحديث عبد الله بن عمر: لذلكم الرجل الذي ينشر له تسعة وتسعون سجلاً يوم القيامة، فتوضع هذه السجلات في كفة، ثم يؤتى بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فطاشت الصحف. الشاهد من هذا أن هذه الصحف هي التي توزن، فدل ذلك كذلك على وزن الصحف. وأما دليل وزن العامل، فهذا ما جاء في حديث ابن مسعود: لما صعد على شجرة أراك، وكان دقيق الساقين، يعني نحيف الساقين، فمالت به الريح، فضحك الصحابة رضي الله تعالى عنهم من دقة ساقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعجبون من دقة ساقه؟ والذي نفس محمد بيده، لهما في الميزان أثقل من أحد». فالقول بوزن هذه الأمور الثلاثة هو الذي دلّت عليه الأدلة، وهذا هو قول ابن كثير، وابن أبي العز، وكذلك المؤلف حافظ حكمي في معارج القبول، ومن المعاصرين العلامة ابن باز، وكذلك هو ترجيح شيخنا أبي عبد الرحمن عبد الله بن مرعي حفظه الله تعالى. وكثير من أهل العلم يرون أن الوزن إنما يكون للصحف، لكن الأدلة الأخرى تدل على أن الوزن يكون لهذه الثلاثة. وقال بعض أهل العلم: لا يلزم أن الجميع يوزن، وإنما قد يوزن هذا تارة، ويوزن هذا تارة. والعبرة في ذلك كله في الثقل والخفة هو العمل، هو العمل نفسه. ليس هناك عبرة بوزن الإنسان، ليس معناه وزن العامل إذا كان هذا العامل متيناً سميناً فيكون وزنه أثقل. لا يؤتى يوم القيامة بالرجل السمين لا يزن عند الله جناح بعوضة، رجل سمين لكن ما يزن شيئاً لأنه كافر لا وزن له. فالعبرة، سواء أكان في وزن الصحف أو في وزن العامل، إنما هو بعمل هذا الإنسان من حيث عمله الصالح أو غير الصالح. فليس العبرة بوزن الإنسان، وليس العبرة كذلك بذات هذه الصحف، وإنما هو بحسب ما هو مكتوب في هذه الصحف. فإن كان أكثر ما في هذه الصحف الحسنات، رجحت الكفة ووزنت الحسنات، وإن كان أكثر ما في هذه الصحف السيئات، رجحت السيئات، وكان من الخاسرين. وهنا كذلك مسألة أخرى ينتفع بها المؤمن ويحرص عليها إذا علمها، وهي: ما هي الأعمال التي تؤثر في ثقل الميزان؟ وردت هناك أعمال خاصة، الأصل أن الذي يثقل الميزان العبد هي أعماله الصالحة، كلما استكثر منها وزنت هذه الأعمال الصالحة. لكن هناك أعمال خاصة وردت بها السنة في أنها ثقيلة في الميزان، تثقل ميزان العبد، فالمؤمن يجعل لهذه الأعمال زيادة اهتمام، حتى بإذن الله عز وجل يثقل ميزانه. فمن أول هذه الأعمال: شهادة أن لا إله إلا الله بصدق وإخلاص ويقين. ودليل ذلك ما تقدم من حديث الرجل الذي ينشر له تسعة وتسعون سجلاً، فيقال له: «أتماري شيئاً من هذا؟» فيقول: لا، يا رب، أظلمك كتابتي في شيء؟ فيقول: لا، يا رب، فيقال له: «انظر وزنك». فتخرج بطاقة فيها: «أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله». فيقول هذا العبد: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ ماذا تصنع بطاقة واحدة مع تسعة وتسعين سجلاً، يعني كتاباً، وهي بطاقة واحدة؟ فيقول الله عز وجل: «إِنَّكَ لَا تُظْلَمْ، إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً». فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات أي ارتفعت، وثقلت البطاقة، هذه البطاقة ثقلت ورجحت، ثم يقال: «فلا يثقل مع اسم الله شيء». وهذا الحديث رواه الترمذي وابن ماجة، وهو حديث صحيح، صححه العلامة الألباني عليه رحمة الله. ففيه أن هذه الشهادة العظيمة، التوحيد والعمل بهذه الكلمة العظيمة، من أعظم أسباب ما يثقل الميزان. وأما ما جاء في حديث عبد الله بن عمر في وصية نوح لابنه، وهو حديث أيضاً صحيح، صححه العلامة الألباني: قال: «أوصيك باثنتين»، وذكر من هاتين الاثنتين: «أوصيك بلا إله إلا الله، فإنها لو وضعت في كفة، ووضعت السماوات والأرض في كفة، لرجحت بها لا إله إلا الله». انظر: السماوات والأرض لو وضعت في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، رجحت بها لا إله إلا الله، لعظم هذه الكلمة، فإنها كلمة التوحيد، كلمة عظيمة، فمن أتى بها بصدق وإخلاص ويقين، فإنها تثقل بإذن الله عز وجل ميزانه. وهكذا من الأعمال الصالحة التي تثقل الموازين: الذكر بـ «سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»، كما في الحديث المتقدم في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». فيكثر المؤمن من ذكر الله عز وجل بهاتين الكلمتين، وأنت في طريقك، وأنت في المسجد، وأنت في عملك، وأنت في بيتك، وأنت على فرشك، أكثر من قول: «سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»، مستشعراً معاني هاتين الكلمتين: تنزه الله عن كل نقص وعيب، وإثبات له كل كمال: «سبحان الله وبحمده»، وكذلك بما يتصف به سبحانه وتعالى من الكمال والجلال والعظمة، سبحانه وتعالى. وأما من تلك الأعمال التي وردت بها الأحاديث وهي من أسباب تثقيل الموازين، ما جاء عند الحاكم، وصححه العلامة الألباني، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بخ بخ لخمس، ما أثقلهن في الميزان: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر». هذه أربع، فما هو الخامس؟ قال: «والولد الصالح يتوفى للمسلم فيحتسبه». رزقت بولد صالح تحبه لما فيه من الخير والصلاح، فقبضه الله وتوفاه، فلا شك أن المصاب جلل، المصاب جلل عظيم، فمن صبر واحتسب الأجر في وفاة ولده الصالح، هذا الأجر مما يثقل به الموازين، مع هذا الذكر: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر». كذلك «سبحان الله والحمد لله» كما جاء في حديث أبي مالك في مسلم: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملأان ما بين السماء والأرض». كذلك مما يثقل الموازين: حسن الخلق، كما عند أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق». فهنيئاً لمن حسن خلقه في تعامله مع والديه، في صلته لأرحامه، في حسن جواره مع جيرانه، في حسن أخلاقه مع إخوانه، فهنيئاً له، فإن حسن الخلق لا يسبقه أحد، فمن سبق في حسن الخلق فلا يسبقه أحد، وهو سبب من أسباب تثقيل الموازين. وأما من أسباب تثقيل الموازين: اتباع الجنائز حتى تدفن، فقد جاء عند الإمام أحمد من حديث أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تبع جنازة حتى يصلى عليها ويفرغ منها فله قيراطان، ومن تبعها حتى يصلى عليها فله قيراط». وهذا طبعاً في الصحيح، لكن هذا الحديث جاء بزيادة وهي عند الإمام أحمد، وصححها العلامة الألباني: «والذي نفس محمد بيده، لهو أثقل في ميزانه من أحد». يعني هذا العمل المتقدم، القيراط، له قيراط، والذي نفس محمد بيده، لهو أثقل في ميزانه من أحد. والقيراط هو مقدار من الأوزان، لكن يوم القيامة يعدل جبل أحد، هذا في جنازة واحدة، فكيف لو اتبعت عدة جنائز؟ لا شك أن القيراطات ستكون كثيرة. لذلك ابن عمر لما سمع هذا الحديث وكان يجهله، قال: «كم فرطنا، أو كم ضيعنا من قيراط». فاحرص يا عبد الله أن تحضر الجنائز وتشيع الجنائز، وإذا سمعت بجنازة أسرعت لشهود هذه الجنازة لتنال هذه الأجور العظيمة. فهذه ستة أسباب مما تثقل بها الموازين، إن شاء الله يحرص عليها المسلم حتى يلقى الله عز وجل بها فيثقل الموازين. طيب، نكتفي اليوم بهذا، وإلى هنا والله تعالى. ترجمة نانسي قنقر