الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 33، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
عندما رأى رجل من بني كنانة البدن المهداة للحرم، استبشر وقال إن هؤلاء لا ينبغي أن يصدوا عن البيت، ثم جاء مكرز بن حفص الكافر إلى النبي ﷺ فوصفه بأنه رجل فاجر، مبيناً جواز ذكر الفاجر والتحذير منه وسقوط حرمة الكافر.
توضح المقطع أن الغيبة هي ذكر المسلم بما يكره، وهي من الكبائر وشبهها الله بأكل لحم الأخ ميتًا، ثم يبين حالات تسقط فيها حرمة الغيبة كتحذير من الكافر أو المجاهر بالفسق من المسلمين.
يبيّن المقطع أن الفاسق المعلن فسقه والمبتدع في الدين لا حرمة لهما، فيجوز ذكر عيوبهما وأقوالهما للتحذير منهما باتفاق العلماء كما في رياض الصالحين. ويسوق مثالاً على ذلك تحذير النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه من مكرز بن حفص ووصفه بالفاجر، ثم بشرى النبي بقدوم سهيل بن عمرو بقوله: «قد سهل أمركم».
يختتم المتحدث الدرس الحالي بالإشارة إلى فائدة عظيمة سيتم ذكرها في الدرس اللاحق، ويكتفي بهذا القدر مع تفويض العلم لله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فأخذنا في الدرس الذي مضى في إتيان رجل من قريش، أو من كنانة، من بني كنانة، وكان بنو كنانة يحبون الهدي ويعظمون البدن، أي الإبل التي تكون هدايا للحرم. فلما رآه النبي عليه الصلاة والسلام قال: «هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها له»، أنا جعلوها في مقدمتكم، وأنها بدن. وقد ذكرنا في الدرس الذي مضى ما المراد بالبدن، وهي جمع بدنة، وتعرف بالإشعار أو بالقلائد. فبعثوا له هذه البدن، واستقبله الناس لبون، فلما رأى ذلك قال: «سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت». ثم رجع إلى أصحابه وأخبرهم أنه رأى البدن، رأى هذه البدن التي استقبلها بهم، أو استقبلها، استقبله بها أهل الإسلام. ثم إن رجلًا من الكفار يقال له مكرز بن حفص، مكرز بن حفص، قال: «اجعلوني آتيه»، أي آتي النبي عليه الصلاة والسلام. فقالوا: «ائته». فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فلما رآه النبي عليه الصلاة والسلام قال: «هذا مكرز، رجل فاجر». قال: «هذا مكرز، رجل فاجر». فهنا في هذا الكلام من النبي عليه الصلاة والسلام فيه جواز ذكر الفاجر والتحذير منه، وكذلك اغتيابه، حرمة الكافر تسقط، ليست له حرمة. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال في الغيبة: «ذكرك أخاك بما يكره». الغيبة: ذكرك أخاك بما يكره، أي إذا كان مسلمًا. فالمسلم إذا ذكرته بما يكره فهذه غيبة، وهي التي نهى الله عز وجل عنها، قال: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾، أي يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه، أي تكرهون أن يأكل هذا اللحم، لكنكم بكلامكم وبغيبتكم كأنكم تأكلون لحمه ميتًا. فلهذا فالغيبة من كبائر الذنوب، الغيبة من كبائر الذنوب، لكن تسقط في حالات، تسقط في حالات. أولًا: من هذه الحالات ذكر الكافر والتحذير منه، لأن الكافر ليست له حرمة. وليس معنى ذلك أن الإنسان مثلًا يذكر الكافر ويستهزئ بخلقه، يستهزئ مثلًا بشيء فيه، يستهزئ بمعنى شيء خلقه الله عز وجل عليه، لا، هذا لا يجوز، لأن هذا استهزاء بخلق الله. وإنما يذكر فيه ما يفعل، ما يقول، ما كذا، لا يبعث بذلك يحذر منه، فهذا جائز، بل قد يكون واجبًا أحيانًا، قد يكون واجبًا التحذير من هؤلاء الكفار ومن سار على سيرتهم. وكذلك أيضًا تسقط الغيبة في المسلم الذي يعلن الفسق، الذي يجاهر بفسقه، فهذا لا غيبة له لأنه أسقط حرمته. وقد ذكر الإمام النووي رحمه الله أن العلماء اتفقوا على هذا، على أن الفاسق قد سقطت حرمته. فلهذا الفاسق المعلن الذي يعلن بفسقه ويجاهر بمعاصيه، فهذا قد أسقط حرمته. ولهذا قال الحسن البصري رحمه الله: «ليس لفاسق حرمة»، ليس لفاسق حرمة، مادام أنه قد أعلن فسقه وقد أري الناس فسقه، فمعنى ذلك أنها سقطت حرمته. فلهذا يجوز أن يذكر هذا الفاسق ويذكر عمله، وأيضًا يذكر أقواله، وليست من الغيبة. كذلك أيضًا المبتدع الذي يبتدع في دين الله، أيضًا ليست له حرمة، من باب التحذير منه، يحذر من أقواله وأفعاله، وأحيانًا قد يحذر حتى منه لأجل أن لا يقربه الناس، لأنه يغير في دين الله جل وعلا. وهذه الأشياء قد ذكر العلماء فيها أنها باتفاقهم، كما قد ذكر الإمام النووي رحمه الله في كتابه «رياض الصالحين» عندما ذكر الغيبة، ذكر أنها تجوز في ستة أشياء. فلهذا هنا النبي عليه الصلاة والسلام قال: «جاءكم مكرز»، أو مكرز، بعضهم يقول بفتح الراء أو بكسرها، ابن حفص، قال: «وهو رجل فاجر». أنا كان رجل خبيث، وإنما قال النبي عليه الصلاة والسلام ذلك حتى يحذره أصحابه، حتى يحذروا منه، وكذلك أيضًا يحتاط أنه لا يقرب من النبي عليه الصلاة والسلام. فلهذا قال: حذرهم النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الرجل، وأنه رجل فاجر. ثم وهو يكلم النبي عليه الصلاة والسلام جاء سهيل بن عمرو، جاء سهيل بن عمرو، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لما رآه: «قد سهل أمركم». لما رأى سهيلًا قال: «قد سهل أمركم إن شاء الله تعالى». نأخذ في هذا المقام فائدة عظيمة سندكرها إن شاء الله تعالى في الدرس اللاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.