الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 137، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع أدلة الصراط من القرآن الكريم في آيتَي مريم والحديد، ويصف صفاته بأنه جسر على جهنم مدحضة مزلة أدق من الشعر وأحد من السيف، وعلى جنبيه كلاليب تخطف من تشاء. ويبين أن من يمر على الصراط هم المظهرون للإسلام ظاهرا من مؤمنين ومنافقين، بينما الكافر المجاهر بكفره يؤخذ إلى النار قبل المرور على الصراط.
يُساق الكافرون إلى النار حيث تتبع كل أمة ما كانت تعبد، ويُحاسب اليهود على عبادة عزير ثم يُلقون في جهنم. أما المؤمنون فيمرون على الصراط بسرعات متفاوتة تتناسب مع أعمالهم الصالحة، فمنهم من يعبر كالبرق خفةً وسرعة.
يصف المقطع اختلاف سرعات الناس عند عبور الصراط من سرعة البرق إلى المشي والزحف والسحب، واختطاف كلاليب جهنم، ثم يبين تفاوت أنوارهم بحسب أعمالهم فمنهم من نوره مثل الجبل ومنهم من نوره عند إبهام قدمه يطفأ ويضيء.
يختتم المتحدث المقطع بعبارة "إلى هنا والله تعالى" معلناً نهاية الحديث، ثم يدعو المشاهدين للاشتراك في القناة.
الحمد لله كثيرا طيبا مباركا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الشيخ العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال: مئة وثلاثة وعشرون: ما دليل الصراط من الكتاب؟ الجواب: قال الله عز وجل: ﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ﴾ [مريم: 71-72]. وقال تعالى: ﴿ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمُ الْآيَاتِ ﴾ [الحديد: 12]. هكذا يذكر المؤلف رحمه الله تعالى أحوال وأحداث يوم القيامة. فبعدما انتهى من الميزان انتقل إلى ذكر الصراط. والصراط مقامه مقام عظيم، بل هو من أعظم مواقف القيامة. والصراط هو جسر منصوب على ظهر جهنم، أي أن جهنم أسفل من هذا الجسر والجسر فوقها. وهذا الصراط: من نجا منه يكون ناجيا ممن مر عليه ونجا من الوقوع في النار، أو من كذلك خطف الكلاليب التي عن جنبتيه، فهذا هو الناجي، ويدخل الجنة بتوفيق الله عز وجل ورحمته. ومن أوبقته أعماله فإنه يسقط من على هذا الصراط، والعياذ بالله، نسأل الله السلامة والعافية. والصراط من أمور الغيب التي يجب على المسلم أن يؤمن بها. وقبل أن نشرع في بيان وجه الدلالة من الأدلة التي ذكرها المؤلف، نذكر بعض المباحث التي تتعلق بالصراط. المبحث الأول: صفة هذا الصراط. وهذا سيأتي معنا في أدلة السنة، لكن لا بأس أن نذكره ونشير إليه إشارة، ثم نقوم بشرح الأحاديث إذا أخذنا السؤال المتعلق بذلك. فخلاصة ما جاء في وصف الصراط كما دلت عليه أدلة السنة: أن الصراط مدحضة مزلة. ومعنى "مدحضة مزلة": أي لا تثبت عليه الأقدام، لا تثبت عليه الأقدام إلا من ثبته الله، وهذا سيأتي معنا وحديثه في الصحيحين. ومما جاء أيضا في وصف الصراط أنه حاد كحد السيف، أو كحد الموس، كما جاء في حديث أبي سعيد في مسلم: «بلغني أن الصراط أدق من الشعر وأحد من السيف». وأيضا من صفات هذا الصراط أن على جنبتيه كلاليب وخطاطيف تأخذ من أمرت به فتلقيه في جهنم، أو تجرح من أمرت بجرحه وخدشه. هذا أيضا مما جاء في وصف الصراط. ومن هنا يتبين لك خطورة هذا المقام، خطورة هذا المقام. المسألة الثانية مما تتعلق بالصراط: من الذي يمر على الصراط؟ من الذي يمر على الصراط؟ وهذه المسائل ستبين لك أو ستوضح لك معنى الآيات التي ذكرها المؤلف كما سيأتي معنا. فالمسألة الثانية: يقول: من الذي يمر على الصراط؟ الذي يمر على الصراط هم المظهرون للإسلام، المظهرون للإسلام سواء أكانوا في الباطن مؤمنين أو كانوا كافرين كالمنافقين. كأن المنافقين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر. فكل من أظهر الإسلام، سواء كان مؤمنا حقا أو ليس بمؤمن وإنما أظهره نفاقا، فكل هؤلاء كما دلت الأدلة من الكتاب والسنة يمرون على الصراط. أما الكافر الذي أظهر كفره، فدل الدليل على أنه يؤخذ به قبل ذلك إلى النار قبل أن يمر الناس على الصراط. الكافر يؤخذ، والعياذ بالله، إلى النار، كما جاء في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد». ينادي هذا المنادي: «كل أمة تتبع من كانت تعبد». فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأنصاب والأزلام، أو من الأصنام والأزلام، إلا يتساقطون في النار، إلا يتساقطون في النار. ثم جاء التفصيل في كيفية سقوطهم في النار. فجاء في هذا الحديث أيضا: «فيدعى اليهود فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزيرا ابن الله. فيقال لهم: كذبتم، ما اتخذ الله من ولد. ثم يقال لهم: ماذا تبغون؟ أيش تريدون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا فاسقنا. فيشار إليهم: ألا تريدون؟ ألا تأتون وتريدون هذا المكان؟ فيحشرون إلى النار كأنهم سراب، أو كأنها أي النار سراب، يحطم بعضها بعضا، فيتساقطون في النار». هذا كله يدل على أن هذا الأمر يكون قبل المرور على الصراط، قبل المرور على الصراط. وسيأتي معنى قوله: ﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾، أي خطاب للمؤمنين أو لمن أظهر الإسلام من المنافقين. لكن أهل النفاق يكون مصيرهم إلى النار، فيتساقطون من على الصراط إلى نار جهنم، والعياذ بالله. مسألة أخرى أيضا تتعلق بمسائل الصراط: أحوال الناس في المرور على الصراط. كيف يكون أحوال الناس في المرور على الصراط؟ أحوالهم تنقسم إلى قسمين: القسم الأول من حيث السرعة والبطء، والقسم الثاني من حيث النور والظلمة. أما من حيث السرعة والبطء، فإن الناس تختلف أحوالهم من مرورهم على الصراط اختلافا عظيما، على حسب ماذا؟ على حسب أعمالهم. انظروا يا عباد الله: مر معنا عندما يوضع العبد في قبره، سعادته أو شقاوته تكون بحسب عمله. إن كان عمله صالحا جاءه هذا العمل في صورة رجل حسن الهيئة، حسن المنظر، طيب الريح. هذا هو أثر الأعمال الصالحة. فهذا الرجل يقول له: من أنت؟ يقول: أنا عملك الصالح. أما من لقي الله عز وجل بالأعمال الخبيثة السيئة، فيأتيه هذا العمل في قبره على صورة رجل خبيث المنظر، منتِن الرائحة. يقول له: من أنت؟ فيقال له: أنا عملك السيئ. وأيضا مر معنا عندما تعطى الكتب: فمن أخذها بيمينه فهذا هو صاحب الأعمال الصالحة الطيبة، ومن أخذها بشماله من وراء ظهره فهذا هو صاحب الأعمال السيئة. مناط السعادة والفلاح إنما يكون بالأعمال الصالحة. وأيضا مر معنا في الوزن والميزان: إنما يرجح كفة الميزان الأعمال الصالحة. وها هو الآن في هذا المقام، مقام الصراط، إنما تكون مجاوزة الصراط على حسب الأعمال الصالحة. وأيضا حتى أهل الأعمال الصالحة يكون مرورهم على الصراط بحسب حسن وكثرة هذه الأعمال الصالحة. فمن الناس، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، من يمر على الصراط كالبرق. هذا غاية في السرعة. يذكر أهل الفيزياء ونحوهم أن البرق من أعلى ما يكون في السرعة. ذكروا يعني أعدادا هائلة في سرعة البرق في الثانية الواحدة، في الثانية الواحدة. فهذا كذلك في الصراط: من المؤمنين من يمر على الصراط كالبرق، بسرعة خاطفة. ومنهم من يمر كالريح، والريح أيضا فيها سرعة لكن أقل سرعة من سرعة البرق. ومنهم من يمر كالطير، أيضا سرعة نسبية مقارنة مع الريح. ومنهم كأجاويد الخيل، يعني أفضل وأسرع الخيول، كيف تعدو، كيف تجري؟ تجري جريا سريعا. ومنهم من يعني يجري كأجاويد الإبل، الإبل أقل سرعة من الخيل. ومنهم من يعدو عدوا، يعني يجري، يعدو بمعنى إيش؟ يجري جريا. ومنهم من يمشي مشيا. انظر تفاوت: أين سرعة البرق من المشي؟ أين سرعة البرق من المشي؟ يمشي على حسب عمله، على حسب عمله. ومنهم من يزحف زحفا، الزحف يكون على الصدر وعلى البطن، يزحف على الصراط لي بحسب عمله. ومنهم من يسحب سحبا، من يسحب سحبا أقل من الزحف، الزحف فيه شيء من السرعة على بطن وصدر لكن يتجاوز، يمشي. أما السحب فهو ببطء، ربما يمشي قليلا ويعجز ثم يسحب ثم يعجز وهكذا، على حسب العمل. ومنهم من تخطفه كلاليب جهنم، والعياذ بالله، فناجٍ مسلم، وكذلك منكوس مكردس في نار جهنم، والعياذ بالله. فهذا هو بالنسبة لأحوال الناس من حيث السرعة والبطء. وأما أحوالهم من حيث النور والظلمة، كذلك أحوال الناس تختلف وتتفاوت تفاوتا عظيما، بحسب أعمالهم، بحسب أعمالهم. كان مخلصا في عمله، محسنا في هذا العمل، مكثرا من عبادة الله عز وجل، مقبلا على الخير، فهذا حاله تكون على أحسن حاله. نعم، فتختلف أحوال المؤمنين في ذلك الموقف من حيث النور والظلمة. حتى جاء في الصحيحين أن أول زمرة يمرون وهم أهل السبق، تكون وجوههم كالقمر ليلة البدر. جعلني الله وإياكم من هؤلاء. تكون وجوههم كالبدر ليلة، أو القمر ليلة البدر، يعني ليلة اكتماله واشتداد نوره من الحسن والجمال والضياء. وقد جاء حديث في الحاكم بسند صحيح من حديث ابن مسعود فيه تفصيل أحوال نور المارين على الصراط. فعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن منهم» أي من يمر على الصراط «من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه»، مثل الجبل بين يديه، يعني نورا عظيما صور أمامك، نور مثل الجبل، يعني نور يملأ الأفق. فكيف يكون مرور هذا المار؟ لا شك أن مروره يكون بكل أريحية وبكل كذلك ثبات وبكل ثبات. لأنه كان قبل المرور على الصراط، قبل المرور على الصراط يكون الناس في ظلمة، ثم يعطون أنوارهم، أنوارهم لحسب أعمالهم. قبل المرور هناك تكون ظلمة، ثم إذا مر الناس على الصراط يكون نورهم على حسب أعمالهم. فجاء في هذا الحديث: أن منهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك، يعني أكبر من الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه، يعطى مثل النخلة، النخلة عظيمة أيضا، ومنهم من يعطى نوره دون ذلك، أقل من النخلة، ومنهم من يعطى نوره عند إبهام قدمه، يعني نور ضعيف عند إبهام القدم فقط، نور ضعيف، فيطفأ تارة ويضيء تارة أخرى. هكذا جاء في الحديث. فهذا هو بالنسبة لأحوال الناس عند المرور على الصراط. وانتهى الوقت، نكمل بقية مباحث هذا الباب في الدرس القادم إن شاء الله. إلى هنا والله تعالى. اشتركوا في القناة.