المحاضرة بعنوان حكم الابتهاج بليلة الاسراء والمعراج، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ظهر يوم الخميس 26 رجب 1447هـ الموافق 15 يناير 2026م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع حادثة الإسراء والمعراج ومدى قدسيتها، ويشكك في تحديد تاريخها بشكل دقيق. يستعرض آراء العلماء حول هذه الحادثة.
يستنكر العلماء تخصيص شهر رجب للإسراء والمعراج لعدم ثبوت ذلك، ويشيرون إلى عدم وجود دليل على تعيين تاريخ الإسراء والمعراج.
النص يحذر من مراسيم الاحتفال التي تشمل مخالفات ومنكرات مثل زيارة القبور والاستنجاد بالأموات، ويعتبرها بدعة. يشدد على أهمية التمسك بسنة النبي.
المقطع يتضمن الدعاء بأن ينفع الله القلوب والصدور، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويظهر الخشوع والتواضع.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فإن من المناسبات الدينية، بل من الحوادث الشرعية التي دلت عليها أدلة الكتاب والسنة، حادثة الإسراء والمعراج، هذه الحادثة التي لا يشك أي مسلم بمدى قدسيتها وعظمتها، فهي حادثة قد خلدها لنا ربنا في كتابه، وهكذا ذكرها نبينا صلى الله عليه وسلم في سنته ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلَةً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾، وكم احتوت هذه الحادثة على مسائل وعبر، وعلى فوائد وحكم، لكن حسبي في هذا المكان وفي هذا المقام أني أقف وإياكم مع مسألة واحدة تتعلق بهذه الحادثة، ألا وهي ما يتعلق بحكم الاحتفال بها، إذ أننا نجد من الناس من يعد العدة للاحتفال بهذه الليلة، في ليلة السابع والعشرين من رجب. فأحب في هذا المقام، رعاكم الله، أن نتناصح فيما بيننا، والدين النصيحة، لمعرفة حكم الابتهاج بليلة الإسراء والمعراج. الوقفة الأولى التي أقف بها في هذه المسألة: متى وقعت هذه الحادثة العظيمة؟ متى تمت؟ عندي هنا إجماعات، ومن خلالها سننطلق. الإجماع المذكور في هذه المسألة: أجمع العلماء على أن حادثة الإسراء والمعراج لم تقع قبل البعثة، أي لم تقع قبل نبوته عليه الصلاة والسلام، هذا إجماعًا. وإجماع آخر على أن هذه الحادثة لم تقع بعد هجرته، أي بعد وصوله للمدينة، ما وقعت. إذن هذه الحادثة هي محصورة في هذه الحقبة الزمنية، بعد بعثته وقبل هجرته، خلال هذه الفترة من السنوات الخلاف حاصل بين أهل العلم، والخلاف حاصل قديمًا وحديثًا، مع القول الصحيح أنها وقعت مرة واحدة وما تكررت. اختلف العلماء في تحديد اليوم، وفي تحديد الشهر، وفي تحديد حتى العام الذي وقعت فيه هذه الحادثة. ولهذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بهذا الصدد: «لم يقم دليل معلوم لا على شهرها ولا على تعيينها، بل النقول منقطعة مختلفة، ليس فيها ما يقطع به». وهذا ليس فقط كلامه رحمه الله، بل كل إمام، ومن تأمل في كتب التاريخ والسير، وعرج على هذه المسألة: متى وقعت حادثة الإسراء والمعراج؟ تجد عندك النقولات، الاختلاف حاصل في الأيام، وفي الشهر، وكذلك في العام. فالمسألة، إخواني في الله، ليست على محل وفاق بين أهل العلم. فمن أين الجزم؟ فلا يقطع أحد بأنها هذه الليلة أو غيرها من الليالي. ثانيًا، الوقفة الثانية: مع من جزم بأن هذه الحادثة وقعت في رجب، وتحديدًا في ليلة السابع والعشرين من رجب. هذا القول، وإن قال به بعض الأفاضل، لكن بالمقابل هناك من أهل العلم من استنكر ذلك واستبعده، استنكر ذلك واستبعده، وخاصة أن شهر رجب بعض الناس يتعمد أنه يعظمه بأن يجعل فيه مناسبات، ويجعل فيه الطقوس، ويجعل فيه اعتقادات. وهذا الذي حدى بأهل العلم بأن يستنكروا هذا التحديد في هذا الشهر بالذات. يقول أبو شامة رحمه الله تعالى، كما في كتابه «الباعث على إنكار البدع والحوادث»: «وذكر بعض القصاص أن الإسراء كان في رجب، وذلك عند أهل التعديل والتجريح عين الكذب». لم يرده بأي رجس، وهذه التهمة أن هذا كذب مفترى، ما عندي ما يثبت وما يدلل به على ذلك. وهكذا الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى، قال: «بعض الناس ادعى أن ذلك كان في أول جمعة من شهر رجب، وعقب على ذلك بأنه لا أصل له». فهذا كلام الحافظ ابن كثير رحمه الله. فالشاهد أن العلماء جل من العلماء يستنكرون التخصيص في رجب. بل لو أردنا أن نختار من حيث الميزان العلمي، يعني وطلب منا الاختيار، ما الذي يمكن؟ كانت الأصابع ستشير إلى شهر ربيع الأول، هو أولى بالاختيار. لو فتح المجال للاختيار والميلان، لكان الميل إلى شهر ربيع الأول، لأن هذا الشهر نعم، جاءت فيه مناسبات عظيمة تتعلق به عليه الصلاة والسلام، فمولده في ربيع الأول، وهكذا نزول الوحي، بما كان من الرؤية الصادقة في ربيع الأول، ما يتعلق بهجرته، ما يتعلق بوفاته، كل ذلك في ربيع الأول. حتى أن من العلماء من يرجح أن الإسراء والمعراج كان في ربيع الأول، لأن جل المناسبات في هذا التاريخ من أشهر الله. ومع ذلك نقول: ما عندنا دليل، مع ذلك نقول: ما عندنا دليل على هذا التعيين. فنقول: هي مسألة خلافية. الوقفة الثالثة مما نقفها في هذا المقام: لو افترضنا فرضا، وتنازلنا جدلا، على أن تاريخ الإسراء والمعراج قد علم، إما هذا أو ذاك، مثلا. هذا سيتأتي مسألة وهي الثالثة: هل هذا يلزمنا بشيء اسمه احتفال؟ احتفال نحتفل، نجعله مناسبة من المناسبات، نجعل فيه رايات ترفرف، وعيد من الأعياد، وينادى بها في كل ناد. إذا كان من يدعي بأن هذه مناسبة دينية، فنقول: إذا مرجعنا وإياكم إلى الدين. إذا كانت مناسبة دينية، مرجعنا وإياكم إلى الدين. هل الدين اعتبر هذا اليوم إذا ظفرنا به يعتبر عيدًا، محلا للاحتفال والابتهاج، ومناسبة من المناسبات؟ هل الشرع أمر أو طلب أو رغب أو حث؟ نبئوني بعلم، بعلم إن كنتم صادقين. بل هذا نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو صاحب الحادثة، صلوات ربي وسلامه عليه، أسري به وأعرج به، وعاش بعد هذه الحادثة سنوات، هل احتفل؟ الجواب: لا. هل أمر غيره بالاحتفال؟ الجواب: لا. تهينا من رسول الله. نأتي إلى الصحابة الأخيار، نأتي إلى الخلفاء من بعده، والصحابة، ومن كان من القرون المفضلة من بعده عليه الصلاة والسلام، أمة بعد أمة، وجيل بعد جيل، يبقى السؤال: هل احتفلوا هؤلاء بهذه الليلة؟ الجواب: لا. وإنما نقل لنا الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج عن المتأخرين. والأمر كما قال من قال: «والخير في اتباع من سلف، كل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف». وقد قال عليه الصلاة والسلام: «عليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ». هنا المحك. فالشاهد، عبد الله، أن ما عندي دلالة ولا أمارة على جواز الاحتفال، هذا إذا ظفرنا باليوم المحدد. وما عندي كما ذكرنا في المسألة الأولى، أي تعيين ولا تحديد. وكذلك الوقفة الأخيرة والرابعة، وأختم به المجلس: أن الناظر في مراسيم الاحتفال، كما يذكر في بعض المناطق والأحياء، وفي بعض المناطق يذكر أن مراسيم الاحتفال، الناظر لهذه المراسيم يجدها عبارة عن مخالفات، يجدها عبارة عن منكرات، ما أنزل الله عز وجل عليها من سلطان، الظاهرات، بل هي بدع ومخالفات، ما أنزل الله بها من سلطان. تجد مثلا في مراسيم الاحتفال، احتفال الزيارة للقبور، لقبور الصالحين والأولياء، والذهاب إلى أضرحتهم. فالله أعلم ما يكون عند الأضرح والقبور، إن كان هناك استنجاد باسمها، والدعاء وطلب الدعاء منها، والاستغاثة، وتعلق الأماني والقلوب بهؤلاء الأموات، واعتقاد النفع والضر، هنا المصيبة كبرى والداء عظمى. أما إذا كانت خالية، فقط نقرأ الفاتحة عندها، عندها نقول: هذا التخصيص بدعة، التخصيص لهذه الزيارة في وقت معين، بهذه الزيارة الجماعية، هذه بدعة، جاءت الأدلة كثيرة تدل على ذلكم. وكيف أن هذه الزيارة على هذا التخصيص والتحديد مصحوبة بطبل، بدفوف، بتحريك الرأس، بالتمايل والرقص، وبالزف وغير ذلك، هذه هل ترضي الله عز وجل؟ نهيك على أنها لها ملابسة، هذا كله، هل هذا يجر به ويقع، يتعبد به مسلم ربه عز وجل بهذه الصورة؟ ثم بعد هذا وذاك يأتي السؤال، وهو السؤال الذي ينبغي أن يجاب بصراحة: ما علاقة ليلة الإسراء والمعراج بزيارة الأموات، وبالرقص والغناء؟ ما العلاقة؟ نريد وجه ربط فقط، وجه ربط بين هذه المناسبة الدينية وبين هذه الأمور الواقعية، ما العلاقة؟ أم أنه استخفاف بالعقول، واستغلال الفرص في مثل هذه الأزمان والأوقات للضحك على الذقون؟ فليتق الله أناس يشرعون للناس ما لم ينزله الله عز وجل من سلطان. معنى ذلك، لو أن كان هناك من أمر يفعل في ليلة الإسراء والمعراج، إن ظفرنا بها، إن كان من أمر نفعله، هو كثرة الحمد والشكر لله عز وجل لهذه الليلة العظيمة، والمنة الجليلة، بما حباه الله من خير وبركة في ليلة الإسراء والمعراج. لو لم يكن من خيرها وفضلها سوى تلكم المفخر العظيم، أن الله عز وجل أسقط عن الأمة خمسين صلاة إلى خمس صلوات، خمسين صلاة إلى خمس صلوات، تخفيف ورحمة بهذه الأمة المحمدية. ليس هذا فحسب، بل قال الله: «هي خمس في العدد، وخمسين في الأجر»، تصلي خمس صلوات، لكن في حساب الله خمسين صلاة، تعطى أجر خمسين. هذا فضل، هذا الذي ينبغي أن نلهج به لربنا عز وجل بالثناء، بالشكر والثناء، لا بالرقص والغناء، وبتعلق القلوب على الأموات. نسأل الله السلامة والعافية. فالشاهد، إخواني في الله، هذا ما أحببت أن أقف به من هذه الوقفات السريعة إزاء هذه المسألة، وهي حكم الابتهاج في ليلة الإسراء والمعراج. أسأل الله عز وجل أن يشرح بها الصدور، وأن ينفع بها القلوب، إنه جواد كريم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.