الدرس في تعلقات رمضان على أهل الإسلام 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشدد المقطع على أهمية كف الأذى في علاقة الصائم مع غيره، حيث يحث على الابتعاد عن أذية الآخرين بأقوال أو أفعال. ويستشهد بحديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي يحث الصائم على عدم الرفث والصخب.
ينبغي على الصائم أن يلتزم بالسكينة والوقار وعدم إيذاء الآخرين، ويتحلى بالصبر والعفو عند مواجهة الإعتداء عليه، قائلاً 'إني صائم'. هذا يظهر عزمه على عدم الرد.
يوصي بالحفاظ على الأخلاق الحميدة بعد رمضان، ويشدد على أهمية كف اللسان عن السب والشتم واللعن. ويذكر حديث النبي عن المرأة التي تؤذي جيرانها رغم كثرة صيامها وقيامها.
يجب على المسلم أن يستمر في فعل الخير وكف الأذى عن إخوانه بعد رمضان، ويتحلى بالعفو والصفح والمسامحة كما جاءت به شريعة الإسلام. كن سلميًا مع الآخرين واغفر لهم ليغفر لك الله.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لا زلنا في هذه السلسلة من ذكر ما يستفاد من رمضان، وينبغي أن يستمر عليه أهل الإسلام. ما كان معنا في درس الظهر في علاقة المسلم الصائم مع غيره، وأن هذه العلاقة تكمن في أمرين اثنين، يعبر عنها العلماء ببذل الندى وكف الأذى. وأشرنا إلى مسألة بذل الندى، وهو بذل الخير للغير، وكيف أن رمضان من خلال تشريعه وتشريعاته التي جعلها الله فيه يهدف إلى إيجاد مسلم كريم سخي منفق متصدق، إلى غير ذلك من معاني الإعانة والنفع. ونأتي الآن إلى هذا المقام، إلى ذكر العلاقة الثانية التي يستفيدها الصائم في رمضان في علاقته مع غيره، ألا وهي كف الأذى. من تأمل في شريعة رمضان تجده يهدف إلى إيجاد مسلم يبتعد كل الابتعاد عن أذية أحد من أهل الإسلام، لا بأقوال ولا بأفعال. ويظهر ذلك جليًا فيما صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، حيث قال: «إذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، وفي رواية ولا يجهل، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم إني صائم». هذا الحديث، والذي يعرفه الجميع الصغار والكبار لعظيم تكراره في رمضان، أصبح من القواعد الراسخة عند أهل الإسلام، وهي تدور حول هذه المسألة، وهي كف الأذى. يتربى عليها الصائم، وهذه تعود إلى هذا الحديث بالذات، يعود إلى أمرين اثنين، الأول: «إذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب»، أي لا تكن يا عبد الله، يا أيها الصائم مؤذيًا لغيرك، فلا ترفث، الرفث هو الكلام القبيح الذي لا يليق، فترفع عن ذلكم. ولا شك أن هذا الكلام إنما يصدر لغيرك تسمعه لمن بجوارك، فلا تفعل هذا، كف لسانك أثناء صومك عن أذية أسماع الناس بالسب والكلام القبيح والكلام البذيء من ذكر السوآت ومن ذكر العورات. فلا يرفث ولا يصخب، الصخب هو ارتفاع الأصوات والصياح، ويدخل في ذلك المهاترات والجدال. قد نجد هذا في أيام رمضان، تجد من يصيح مع زميله على مسألة أو على عراق، فتترافع الأصوات، لا ليس هذا من شأن الصائمين، فلا يصخب. وأيضًا «ولا يجهل»، أي ترفع عن فعل أهل الجهل أهل السفاهة من أقوالهم وأفعالهم وتصرفاتهم وسلوكياتهم. بل الصائم كما قال بعض السلف عليه سكينة ووقار، فليكن عليك سكينة ووقار يوم صومك، فلا يصلح أن يكون الصائم وهو يفعل فعل الجهل من خفة الحركة وأذية غيره. طيب تأتي مرحلة ثانية، وهي قد يكون الصائم معتدى عليه، هو ليس مؤذيًا، ما صدر منه صخب ولا صدر منه سب ولا شتم ولا لعن، لكن القضية أن البلية تأتيه. فقال عليه الصلاة والسلام: «فإن سابه أحد أو قاتله»، سب بالأقوال، قاتله بالأفعال، هنا أعتدي عليه، ما الذي عليه؟ أمره نبينا صلى الله عليه وسلم أن يلتزم ويلزم هذه الجادة، لا يصل منك أذى، لا يصل منك أذى حتى على المعتدي، «فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم إني صائم»، أعرض، اعرض عنه. هل يتهدف إلى هذه الفترة الزمنية؟ الجواب لا، كما كررنا في الحقيقة رمضان يهدف إلى أن يربي فينا الأخلاق والآداب، وأعظم خلق ينميه الإسلام من خلال رمضان خلق عدم الأذية، هذه من أعظم صفات أهل الإسلام، ليس فقط أهل رمضان. قال عليه الصلاة والسلام: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، وهذا الإسلام ليس محدودًا بزمن، بل طول عمرك، طول عمرك. فالحالة الذي كنت عليها يا عبد الله في رمضان، أنك حرصت أن يخرج رمضان ولا أحد يطالبك بمظلمة، فما اعتديت على أحد، ولا قمت برد السب بالسب، ولا الشتيمة بالشتيمة، لربما تلعن فتغض الطرف، لربما تسب وكأنك ما سمعت، كل ذلك حفاظًا على صومك يا عبد الله، هذا المطلوب منك طول عمرك، على أنك تترفع، ادفع بالتي هي أحسن، ادفع في رمضان وفي غير رمضان، فإن من صفات المسلم أن الناس يسلمون من أذية يدك وأقوالك وأفعالك. جاء في مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت له امرأة أنها - أي من كثرة صيامها وصلاتها - لها شأن ولها كذلك يعني سجل عظيم في الصلاة التنفل وفي الصيام وصيام التنفل طبعًا، لكن بالمقابل لكنها تؤذي جيرانها تؤذي جيرانها. قال عليه الصلاة والسلام: «هي في النار، هي في النار». قد يوجد نعم يوجد إنسان لربما هو صالح في نفسه، لكنه غير صالح فيما غيره، صليط اللسان، مؤذي بأقواله بأفعاله، فهذا يا عبد الله ما استفاد من رمضان. فالإنسان يتق الله جل في علاه كما كان في رمضان، كن كسائر حالك في غير رمضان، في كل الليالي والأيام، على أنك تترفع، تبتعد يا عبد الله، لا تصدر منك سب ولا شتم ولا لعن. قال عليه الصلاة والسلام: «ليس المؤمن بالسباب ولا الطعان ولا الفاحش البذيء»، هذا ليس مسلم، هل هذا خاص برمضان؟ لا، لكنك في رمضان تعلمت واستطعت أنك تصمد وتصبر على أن تكف لسانك، إذن هذا أمر مقدور عليه، هذا أمر مقدور عليه، فاحرص يا عبد الله على هذا. وكما قال جابر رضي الله تعالى عنه: «إذا صمت فليصم سمعك وبصرك عن المحارم، ودع أذى الجار، دع الأذية ما تليق أبدًا أن يكون صائم مؤذي». فالشاهد إخواني في الله أن من أعظم ما يستفاد من رمضان من علاقة المسلم بإخوانه من أهل الإسلام أنه كما مر يبذل لهم الخير، إن لم يستطع على بذل الخير لهم فلا أقل من أن يكف شره عنهم، أن يكف شره عنهم، فلا يؤذي أحدًا لا بقوله ولا بفعله. كن كما كنت في رمضان سلميًا ابتداءًا وانتهاءًا، ابتداءًا من نفسك أو ولو اعتدي عليك، وهذا الذي جاءت به الإسلام بشريعة العفو والصفح والمسامحة والمغفرة، «اغفروا يغفر لكم، ارحموا ترحموا» كما قال عليه الصلاة والسلام، «فمن عفى وأصلح فأجره على الله»، هذا لك، هذا لك يا عبد الله يكون حالنا مع غيرنا. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.