سلو الله العافية

سلو الله العافية

المحاضرة بعنوان سلو الله العافية، والتي كانت بمسجد المنصور بالمنصورة الجديدة بالشحر يوم الجمعة 22 شوال 1447هـ الموافق 10 أبريل 2026م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

فضل سؤال العافية وتقسيم أنواعها

يستعرض المقطع فضيلة سؤال الله العافية كما ورد في السنة النبوية، مبيناً أنها أمان من كل بلية. ويقسم العافية إلى أنواع تشمل الدين والدنيا والآخرة والأهل والمال مستدلاً بأدعية النبي صلى الله عليه وسلم.

معنى العافية في المال والبدن والجوارح

يشرح المفهوم الشامل للعافية في المال من حيث السلامة والحلية، وفي البدن والسمع والبصر من حيث الصحة والاستعمال في الطاعة. ويؤكد على عظمة نعمة الصحة ووجوب شكرها بالفعل لا بالقول فقط.

أهمية العافية وأسباب ثباتها في الدين والآخرة

يبرز المقطع مكانة العافية بحديث «من أصبح آمناً في سربه» مبيناً أن المال لا يغني عن الصحة. ويسرد أسباب ثبات العافية في الدين كالدعاء والعلم والصحبة، وفي الآخرة بتحقيق التوحيد والتقوى.

أسباب حفظ العافية الشاملة وتجنب المضرّات

يستعرض أسباب حفظ العافية في الآخرة بالتقوى، وفي الدنيا بحسن العشرة وحفظ المال من الحرام، وفي البدن بحفظ الجوارح واجتناب المسكرات والمخدرات. ويختم بالتحذير من العادات الضارة والمعاصي المرتبطة بالأمراض الخطيرة كأمراض المناعة والعقم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. أما بعد، فنحمد الله سبحانه وتعالى الذي يسر لنا اللقاء بكم وأعاننا على هذا الخير الذي به تسعد النفوس وتتزكى النفوس، كذلك فنحمد الله سبحانه وتعالى على فضله وإنعامه وتوفيقه وتيسيره. إخواني في الله، سمعتم عنوان هذه المحاضرة وهي: سلوا الله العافية. والعافية عرفها العلماء بأنها تأمين الله للعبد من كل بلية ومحنة، وذلك بصرف السوء عنه وسلامته من الشرور والأسقام وحفظه من الآثام. فهذه العافية بمفهومها العام، وهذا الأمر قد جاء في الشرع بيان فضله، وبيان كذلك سؤاله، بيان سؤاله. فقد جاء عند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «سلوا الله العفو، أو سلوا الله العافية، فإنه لم يعطَ أحد بعد اليقين خيرا من العافية». فانظروا إلى عظم هذا الأمر في حياة المسلم، وهو أن يكون معافى في دينه وفي أهله وفي ماله وفي دنياه وأخراه، فهي نعمة عظيمة ينبغي للمسلم أن يسأل الله عز وجل أن يديمها عليه وأن يوفقه للاستمتاع بها. ولذلك كما سمعتم في حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزد أن يأمره أو أن يعلمه سؤال العافية، مع أنه أعاد عليه العباس وكرر عليه، ومع هذا لم يزد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمه سؤال العافية. قال العباس: قلت يا رسول الله، علمني شيئا أسأله الله، يعني أدعو الله به. فقال له: «سل الله العافية». قال: فمكثت أياما، ليس في نفس اللحظة، جاءه بعد فترة، بعد أيام، وقال: يا رسول الله، علمني شيئا أسأله الله، يريد شيئا آخر، شيئا جديدا، علما جديدا. فالنبي صلى الله عليه وسلم أكد عليه الدعاء الأول، فقال له: «يا عباس، يا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، سل الله العافية في الدنيا والآخرة». وما ذاك إلا لعظم هذا الأمر، لعظم هذا الأمر. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم دائما وأبدا يسأل ربه سبحانه وتعالى العافية كلما أصبح وكلما أمسى، عليه الصلاة والسلام، وفي كل يوم يسأل الله سبحانه وتعالى العافية. جاء عند أبي داود من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدع هذا الدعاء في كل صباح ومساء، في كل صباح ومساء، فهو من أدعية الصباح والمساء. ما هو هذا الدعاء؟ «اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي». فانظروا يا عباد الله كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان دائما وأبدا يدعو بهذا الدعاء. وهكذا جاء في حديث أبي بكرة عند أبي داود أيضا أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يكرر هذا الدعاء ثلاثا في كل صباح ومساء، ثلاث مرات في كل صباح وفي كل مساء، فهو من أذكار الصباح والمساء. ما هو هذا الدعاء؟ «اللهم عافني في بدني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري، لا إله إلا أنت، اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، وأعوذ بك من عذاب القبر، لا إله إلا أنت». يقول ذلك عليه الصلاة والسلام في كل صباح ومساء ثلاث مرات. وهذا يدل كذلك على أهمية سؤال العبد ربه العافية، سؤال العبد ربه العافية. فهذا أمر يا عباد الله مهم جدا أن يحرص العبد على المحافظة على العافية. وكما سمعتم العافية لمفهومها العام كما ذكر الإمام الصنعاني في كتابه «سبل السلام»، وهذه كذلك الفائدة مأخوذة ومقتبسة من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، أن العافية أصناف وأنواع، أصناف وأنواع. فأعظم أنواع العافية، وكما يقول الإمام الصنعاني، فإن أعلى درجات العافية وأنفعها للعبد: العافية في الدين. العافية في الدين، هذا من أرفع درجات العافية ومن أنفعها للعبد، أن يعافيك الله عز وجل في دينك. وما هي المعافاة في الدين؟ يقول الإمام الصنعاني: المعافاة في الدين هي السلامة من المعاصي والبدع، من المعاصي والبدع، والسلامة من ترك الواجبات والتساهل في فعل المحرمات. نعم، هذه هي السلامة في الدين، أن يسلمك الله، أو العافية في الدين أن يسلمك الله عز وجل من المعاصي، من البدع، من الانحراف، من الضلال، فتكون على الجادة، تكون على التوحيد، وتكون على السنة، تكون على الطاعة. فهذه هي العافية في الدين. وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك في بعض الأحاديث المتقدمة، ومنها: «اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني، في ديني ودنياي». فعرفنا ما معنى العافية في الدين. وهكذا العافية في الدنيا، ما معنى العافية في الدنيا؟ قال الإمام الصنعاني: العافية في الدنيا أن يسلمك الله عز وجل من شرورها وآفاتها، من شرورها وآفاتها، ويدخل في ذلك عافية البدن، يدخل في ذلك عافية البدن، فإنه لا قوام للإنسان في هذه الحياة الدنيا إلا بعافية البدن، كما سيأتي معنا تفصيل وبيان ذلك. فإذا هذه العافية في الدنيا أن يسلمك الله عز وجل من آفات ومن شرور هذه الحياة الدنيا، ومن كذلك محن هذه الحياة الدنيا. وهكذا ذكر السلامة في الآخرة، ما هي السلامة في الآخرة أو العافية في الآخرة؟ ما هي العافية في الآخرة؟ قال: العافية في الآخرة هي السلامة من أهوالها، من أهوال يوم القيامة، أن يسلمك الله عز وجل من السقوط من على الصراط، أن يسلمك الله عز وجل من الدخول إلى النار، أن يسلمك الله عز وجل من شدة الحساب، أن يسلمك الله عز وجل من شدة حر الشمس في ذلك اليوم التي تدنو منه مقدار ميل أو ميلين. فهذه السلامة في الآخرة، هذه السلامة في الآخرة. ثم ذكر أيضا السلامة، وهذا كلها جاءت في الأحاديث، السلامة في الأهل والمال، السلامة في الأهل والمال، أو العافية في الأهل والمال. فما هي العافية في الأهل؟ قال: العافية في الأهل هو بحسن العشرة معهم، مع زوجتك، ما يكون هناك خصام ولا نكد ولا شقاق ولا مفارقة ولا تشتت مع عائلتك. وهكذا يدخل في العافية في الأهل سلامتهم من الأسقام وكذلك الأمراض ونحو ذلك، فهذا أيضا مما يدخل في معنى العافية في الأهل. كذلك العافية في المال، وقد جاء في الحديث المتقدم، حديث أبي بكرة: «اللهم عافني في بدني»، اللهم عافني... وفي حديث ابن عمر: «اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني وأهلي ومالي، في ديني ودنياي وأهلي ومالي». فما هي العافية في المال؟ العافية في المال سلامته من الآفات، من التلف، من السرقة، من عدم البركة، من صرفه فيما يحبه الله، كل ذلك من العافية في المال. كذلك من العافية في المال أن يكون دخول هذا المال على الإنسان من حلال، ونحو ذلك مما يتعلق بسلامة المال، فهذا أيضا من العافية في المال. فإذا العافية مفهومها شامل ومفهومها عام في هذه الأصناف وهذه الأنواع التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سنته عليه الصلاة والسلام. وهكذا يعلمون عباد الله أن من العافية أنواع العافية أو أصناف العافية: العافية في البدن، وهذا ورد أيضا في حديث أبي بكرة: «اللهم عافني في بدني». فما هي العافية في البدن؟ العافية في البدن أن يسلم الإنسان من الأمراض، من الأوجاع، من الأسقام ونحو ذلك، فهذه هي عافية البدن. وعطف النبي صلى الله عليه وسلم على البدن السمع والبصر، وهذا من باب عطف الخاص على العام. استنبط أهل العلم من فوائد ذلك ليدل على الاهتمام، وأن من أعظم نعم البدن في الإنسان هو السمع والبصر، هو السمع والبصر. ولذلك قال: «اللهم عافني في بدني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري». يقول بكر المزني رحمه الله تعالى: إذا أردت أن تعرف قدر نعمة الله عليك فأغمض عينيك، أغمض عينيك وتخيل نفسك أنك أعمى لا ترى شيئا، ستعلم حينئذ فضل هذه النعمة، وأن الله عز وجل قد أنعم عليك بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى. فلذلك ينبغي للمسلم أن يشكر الله عز وجل على هذه النعم وعلى هذه العافية فيها. العافية في السمع، العافية في السمع يشمل أولا أن لا تسمع ما يغضب الله، هذا عافية في السمع، أنك تسمع الأشياء التي يحبها الله، تسمع للعلم، تسمع للقرآن، تسمع للخير، تسمع للأمور الدنيوية المباحة في عملك، في مهنتك، في بيعك وشرائك، فهي نعمة عظيمة. من فقدها فقد حرما نعما عظيمة. تصور أن الإنسان ما يسمع، كيف سيتلذذ بسماع القرآن؟ كيف سيعرف خطاب الناس له؟ ما كل الناس يحسنون خطاب الصم البكم، فما تدري ما يقول الناس، تجلس في محاضرة، تجلس في خطبة جمعة، ما تدري ما يقول الإمام. نعمة عظيمة. فالعافية في نعمة السمع أولا أن تسمع بهذه النعمة ما يحب الله وما يرضي الله سبحانه وتعالى. ثم كذلك يدخل في العافية في السمع أن تتمتع بالسماع، وأن لا تكن من الذين لا يسمعون، ولا كذلك يتنعمون بهذه النعمة، فهذا أيضا من العافية في السمع. وأما العافية في البصر، كذلك أولا يشمل أن لا ترى إلا ما يرضي الله، أن لا ترى إلا ما يرضي الله، ما ترى المعاصي، ما ترى النساء الكاشفات، ما ترى الحرام، وإنما ترى ما يرضي الله من التفكر في مخلوقاته. قيل لأعمى، قيل لأعمى: ما تتمنى؟ قال: أتمنى أن يرد الله عز وجل إلي بصري لأقرأ وأتفكر في قول الله عز وجل: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾. يتمنى أن يعمل بهذه الآية، محروم من هذه الآية، ما يعرف الإبل، إيش هذا المخلوق الذي وصفه الله عز وجل في كتابه، ما يعرف، وقد أمر الله عز وجل بالتفكر فيه، فكيف هو أعمى يتفكر في هذه الإبل وهو لا يراها ولا يعلم شكلها ولا صورتها؟ فانظروا إلى عظيم نعم الله عز وجل عليها. فالعافية في البصر أولا أن تستخدم وتسخر هذه النعمة فيما يرضي الله سبحانه وتعالى. ثانيا أن تدعو الله عز وجل أن يحفظ لك هذه النعمة، فلا تؤخذ عليك، وتكون من العميان، أو تنقص عليك، فلا ترى إلا بشدة أو الصور الكبيرة، وتحرم من القراءة في الكتب ونحو ذلك. فأنت تسأل الله عز وجل أن يحفظ لك هذه النعمة، هذا أيضا من معاني حفظ العافية في البصر، العافية في البصر. ونعمة البدن على وجه العموم نعمة عظيمة، والعافية في البدن على وجه العموم نعمة عظيمة، إذ أن الإنسان في هذه النعمة يستطيع أن يدخل وأن يخرج، وأن يأكل وأن يشرب، وأن يقضي حوائجه الدينية والدنيوية، الدينية من شهود الجمع والجماعات والمحاضرات ومجالس العلم، والدنيوية من المهن والأعمال، وكذلك التسبب في المعيشة ونحو ذلك. فإذا فقد الإنسان نعمة البدن والعافية في البدن، لربما يعجز عن القيام بهذه الأعمال، يعجز في القيام بهذه الأعمال. ولذلك كما سمعت كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بالعافية في البدن. وصحة البدن نعمة عظيمة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». مغبون فيهما كثير من الناس، خاسر فيهما كثير من الناس، لأن الغبن هو أن تشتري بضاعة بسعر ثم تبيعها بأقل من سعرها، أو أن تباع هذه البضاعة بسعر فتشتريها بأكثر من سعرها، هذا هو الغبن في البيع والشراء. فنقل في مثل هذه الأمور المعنوية كالعمر والصحة، فالغبن في الصحة أن يعافيك الله ثم لا تسخر هذه النعمة في طاعته وفيما يقرب إلى مرضاته سبحانه وتعالى. وإذا أردت أن تعرف، أن تعرف قدر نعمة الله عز وجل عليك في العافية البدن، فاذهب إلى أقرب مستشفى، اذهب إلى أقرب مستشفى لترى المرضى، ذاك يئن من الألم، لربما لا يستطيع أن ينام، وذاك لا يتنفس إلا والأكسجين على أنفه، وذاك لا يستطيع أن يذهب إلى الحمام، وإنما يقضي حاجته وهو في مكانه، وذاك لا ينام إلا بالمسكنات من شدة الآلام. فأحمد الله عز وجل أن أنعم الله عز وجل عليك بهذه النعمة. فالصحة يا عباد الله تاج على رؤوس الأصحاء، لا يعرف قدرها إلا المرضى، لا يعرف قدرها إلا المرضى. بالعافية في البدن تتهنى بأكلك بشربك، وتأكل ما شئت من ألذ المطعومات والمشروبات، بخلاف من فقد هذه النعمة، فإنه لا يستطيع، لربما أن يشرب شربة ماء، أو لا يستطيع أن يمضغ لقمة، ولا يستطيع أن يستسيغها من شدة المرض. أجاء عن... كما ذكر ذلك بعض أهل السير، أن الحجاج بن يوسف الثقفي أعد وجبة ووليمة، وفيها ما لذ وطاب من المأكولات والمشروبات. فلما قدمت هذه المأكولات قال الحجاج بن يوسف: ما أطيب هذا الطعام، ما أطيب هذا الطعام. وكان أعرابي جالسا في المجلس، فقال للحجاج: يا حجاج، لم يطيب هذا الطعام طباخك ولا خبازك، لم يطيب هذا الطعام طباخك ولا خبازك، وإنما طيبته العافية، وإنما طيبته العافية. وصدق، لو أن هذا الطعام قُدِّم لمريض، هل يستطيع أن يأكل من هذا الطعام شيئا؟ ما يستطيع أن يأكل من هذا الطعام شيئا. فأحمد الله أنك تأكل وتشرب وتخرج وتدخل، نعمة عظيمة. فانظروا إلى أهمية العافية. وهكذا جاء عند أبي داود وغيره من حديث عبيد الله بن محصن رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من أصبح آمنا في سربه، معافا في جسده، معافا في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها». كأنما حيزت، يعني جمعت له الدنيا وملك هذه الدنيا بجميع ما فيها. والحذافير: قيل هي أطراف الأرض، وقيل هي أعالي الأرض، وقيل هي أعالي الأرض. فمن وفق لهذه الثلاث خصال: الأمن في السرب، والسرب: فسر بالنفس، آمن في نفسه، وفسر بالجماعة، فهو يشمل الأهل والوطن، فهو آمن في أهله وفي بلده وفي وطنه، معافى في جسده، ما عنده آلام، ما عنده أمراض، وهكذا معافى في جسده، عنده قوت يومه، ما عنده إلا الكفاف الذي يكفيه في يومه. فهذه هي عيشة الملوك الحقيقية. أما الملك إن ملك الدنيا وفقد العافية، فإنه لا يتمتع بهذه الأموال ولا بتلك المأكلات والمشروبات. نعم، كم من إنسان لربما منع من ماذا؟ منع من فاكهة بسبب مرض من الأمراض، كالسكر، أو مثلا الضغط، أو نحو ذلك، عاذا الله وإياكم من هذه الأمراض، وهو عنده من الأموال، ويرى الفقراء يأكلون ما يشاءون ويشربون ما يريدون، وهو محروم، يقول له الطبيب: ممنوع عليك اللحم، ممنوع عليك المرق، ممنوع عليك العسل، ممنوع عليك كذا وكذا، وهو عنده من الأموال يستطيع أن يشتري هذه الأشياء، فيحرم منها بسبب لأنه فقد العافية، لأنه فقد العافية. يذكر في بعض كتب السير أيضا أن أميرا من الأمراء أصابه أرق في الليل، فلم يستطع أن ينام، وهذا مرض، لم يستطع أن ينام، وهو في قصر فاخر، وفي غرفة فيها من الأسرة، وفيها من أفخر المفروشات وأرفع الأسرة وأفضل الأغطية، ومع هذا ما أتاه النوم. فقال لحراسه: نخرج نتفقد الرعية، وكان الوقت متأخرا من الليل. فخرج إلى الشارع، فوجد رجلا من الرعية قد نام على الأرض، افترش الأرض، وهو في نوم عميق، فمن شدة هذا النوم أنه يشخر، وأنه يغط، وهو في نوم عميق. فوقف هذا الأمير على رأسه وقال: سبحان الله، أنا أملك أفخر المفروشات، وأنام في أعلى الأسرة، وفي أفخم كذلك المفروشات، ومع هذا لم يأتني النوم، وهذا ينام على الأرض وهو في هذا النوم العميق. فتذكر نعمة العافية، تذكر نعمة العافية، ما أغنت عنه تلك الوسائل المريحة، ما أغنت عنه شيئا، إذ أنه قد أصابه هذا الأرق. فانظروا يا عباد الله إلى نعمة العافية في الأبدان، إلى نعمة العافية في الأبدان. ولذلك ينبغي للمسلم أن يتعوذ من ذهاب هذه النعمة عليه، وهذه العافية عليه، وهذا من هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقد جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يدعو بهذا الدعاء: «اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك». أربع دعوات، احرص عليها يا عبد الله، ادعو الله عز وجل بها. اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، كم نحن في نعم عظيمة لا تعد ولا تحصى، فادعو الله أن يبقي لك هذه النعم. نعم، أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، ما هو تحول العافية؟ أي فقدان هذه العافية، سواء كان في الدين، أو في الدنيا، أو في الآخرة، أو في البدن، أو في المال، أو في الأهل، أو إلى غير ذلك من أصناف العافية كما تقدم معنا. فاستشعر هذه المعاني، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، تتعوذ بالله عز وجل من أن تفجأك نقمة الله سبحانه وتعالى، وأن يحلم عليك، وأن يعفو عنك إن صدر منك ما يستوجب العقوبة. وهكذا جميع سخطك، وهذا عموم بعد خصوص، عموم بعد خصوص. فمن سخط الله عز وجل على العبد أن يزيل عنه النعمة، وأن كذلك يذهب عنه العافية، وأن كذلك يفجأه بالعقوبة. فإذن هذه دعوات عظيمة تدل على أهمية العافية، أهمية العافية. طيب، ما هي أسباب المحافظة على العافية في الدين؟ أولا: أسباب العافية في الدين أن تستقيم على هذا الدين، وأن تسأل الله عز وجل أن يثبتك عليه، فهذا من هدي نبينا عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث أم سلمة، وفي حديث عائشة، كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من قول: «اللهم مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك». فثبات القلب على الدين معناه بقاء نعمة العافية في الدين، بقاء نعمة العافية في الدين. فالحفاظ أولا على نعمة الدين أن تتضرع إلى الله سبحانه وتعالى: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا. وفقك الله للعقيدة الصحيحة، وفقك الله للسير على السنة، وفقك الله للإنشراح للعبادة والطاعة، والمحافظة على الصلوات في أوقاتها، وعلى الأخلاق الفاضلة. فاسأل الله أن لا يزيغ قلبك بعد أن هداك إلى هذا الخير. فلا حول لنا يا عباد الله ولا قوة إلا بالله سبحانه وتعالى. فاسأل الله، فاسأل الله العافية والثبات عليها، والتعوذ من زوالها وذهابها. فهذا أول سبب من أسباب المحافظة على عافية الدين، على عافية الدين. السبب الثاني: بعد دعاء الله عز وجل، أن تتخذ الأسباب الشرعية التي تثبتك على هذه النعمة، وعلى هذه العافية. ومن ذلك يا عباد الله: طلب العلم النافع، لا تكسل ولا تنصرف عن مجالس العلم، وعن مجالس الذكر، فإنها من أعظم أسباب ثباتك على نعمة العافية في الدين. فبالعلم تزداد هدى، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾، وآتاهم تقواهم. فبالعلم، فبالعلم يكون الإنسان دائما وأبدا متصلا بالهداية والإيمان، لا ينقطع عن الخير، ولا يعتزل عن إخوانه. وهذا سبب آخر أيضا: وهو مصاحبة أهل العافية في الدين، أن تصاحب الأخيار، أن تصاحب الصالحين، وأن كذلك تجالسهم، وتأخذ من أدبهم، ومن علمهم، ومن هديهم، ومن سمتهم، فهذا أيضا مما يثبتك على العافية في الدين. وهكذا تحذر من مجالسة قرناء السوء، فإن الصاحب ساحب، فاحذر من مجالسة أهل الشبه، وأهل الانحراف، وأهل البدع، وأهل الأهواء، فإنهم يجرونك ولا محالة إلى ما هم عليه، إلى ما هم عليه من تلك الانحرافات، ومن تلك كذلك الأهواء. فالعافية في الدين لها أسباب كثيرة، أشرنا إلى بعضها. كذلك أسباب حفظ العافية في الآخرة، وذلك بأن تعمل بأسباب النجاح من عذاب الله عز وجل، وذلك بتحقيق التوحيد، فإن التوحيد من أعظم أسباب النجاح من عذاب الله عز وجل. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾، الأمن في الدنيا والآخرة. نعم. وهكذا قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾. الظالمين يشملوا جميع أنواع الظلم، فيشمل ظلم العبد لنفسه، وظلم العبد لغيره، والظلم الذي هو بمعنى الشرك بالله سبحانه وتعالى. فهذا أيضا من أنواع، من أنواع، أو من أسباب الحفظ، حفظ عافية الآخرة. طيب، نكمل بعد الأذان إن شاء الله. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد، فهكذا من أسباب المحافظة على العافية في الآخرة أن تتخذ أسباب النجاح من عذاب الله، ومن ذلك تقوى الله عز وجل، ومن ذلك المحافظة على الصلاة، ومن ذلك الاستقامة على دين الله عز وجل. ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾. فصاحب الاستقامة مبشر بالجنة عند الاحتضار. فحافظ على الاستقامة على دين الله عز وجل، الاستقامة في أفعالك، الاستقامة في أقوالك، الاستقامة في معاملاتك مع الناس، الاستقامة في صدق الحديث، في حفظ الأمانة، في بر الوالدين، بصلة الأرحام. فبهذا تنجو من عذاب الله عز وجل يوم القيامة. وهكذا حفظ العافية في الأهل، وذلك بحسن العشرة معهم، وبكذلك حسن التعليم والتربية لهم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. وهكذا بدعاء الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾. فادعوا الله عز وجل أن يحفظ لك أهلك، وأن يبارك فيهم، وأن يبقي لك الود والمحبة معهم. فهذه أيضا من أسباب حفظ العافية في الأهل. كذلك من أسباب حفظ العافية في المال أن تحذر من أن تأخذ المال الحرام، فإنه سبب لذهاب الحلال، وسبب لزوال هذه النعمة. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾. وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما يتعلق بالبيع والشراء، كما في حديث حكيم بن حزام: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما». فأحرص وحافظ على هذه النعمة، وعلى هذه العافية في مالك، أن تبتعد، أن تدنسه بشيء من الحرام، فإن الحرام يؤثر على الحلال، وهو سبب لزوال النعم. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾، إن عذابي لشديد. فحافظ على مالك أولا بألا تدنسه بشيء من الحرام، وثانيا أن تصرفه فيما يعود عليك بالنفع في أمر دينك ودنياك. احذر من التبذير في مالك، احذر من الإسراف في مالك، احذر من أن تتخوض في مالك بغير حق، بل أنفق هذا المال في النفقات الواجبة، وهكذا في النفقات المستحبة، في وجوه الخير والبر والإحسان. فبهذا تبقى لك عافية المال، تبقى لك عافية المال. وهكذا عافية الدنيا، كيف تحافظ على عافية الدنيا، وأن يسلمك الله عز وجل من آفات هذه الدنيا، ومن كذلك منقصاتها؟ يكون ذلك بالبعد عما يكون سببا للعقوبة، للعقوبة في الدنيا، كقطع الرحم، وعقوق الوالدين، والبغي والظلم. فكل هذه من أسباب، من أسباب معاجلة، من أسباب وقوع العقوبة على العبد، وقوع العقوبة على العبد في الدنيا، فيزيل الله عز وجل عنه عافية الدنيا، عافية الدنيا، إما بالهم والغم، أو كذلك بالوقوع الضرر به في جسده، أو في أهله، أو في ماله، أو نحو ذلك. فابتعد عن كل الأمور، الأمور التي تؤدي إلى نزول العقوبات على العبد. وهكذا من أسباب المحافظة على نعمة البدن: أولا أن تسخر هذه الجوارح التي أنعم الله عز وجل بها عليك بطاعة الله سبحانه وتعالى. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن عباس: «احفظ الله يحفظك». إذا حفظت أوامر الله عز وجل بهذه الجوارح، فإن الله سبحانه وتعالى يحفظ عليك هذه الجوارح، ويحفظك في نفسك، وفي أهلك، وفي مالك، وفي جميع شؤونك. لماذا؟ لأنك قد حفظت الله سبحانه وتعالى. جاء عن بعض السلف، وقد كان كبيرا في السن، فوثب وثبة لا يفعلها إلا الشباب، وثبة شديدة قوية، فتعجب الناس من وثبة هذا الشيخ الكبير. فلما شعر بتعجبهم قال: تلك جوارح حفظناها في الصغر، فحفظها لنا ربنا سبحانه وتعالى في الكبر. ولذلك تجد من سلفنا الصالح من لربما قد وصل المئة في السن، سنه مئة، ومع هذا يتمتع بكامل قوة، بسمعه، ببصره، بخروجه، بدخوله، وما ذاك إلا بأثر الطاعة، وحفظ الأعضاء في طاعة الله سبحانه وتعالى. فمن أسباب حفظ، من أسباب حفظ العافية في البدن، أن تحفظ الجوارح من المعاصي. احذر من المعاصي، فإنها سبب لنزول العقوبات في بدنك، وفي كذلك مالك، وإلى غير ذلك كما تقدم. فإذا هذا أول سبب من أسباب حفظ عافية الأبدان، وحفظ تلك الجوارح: احفظ عينيك من الحرام، واحفظ أذنك من الحرام، وأكد احفظ لسانك من الغيبة والنميمة ونحو ذلك، فسيحفظ الله عز وجل لك هذه الجوارح. كذلك من أسباب حفظ البدن وحفظ الصحة: الدعاء، أن تدعو الله عز وجل، وأن تتضرع إلى الله سبحانه وتعالى، وقد مر معنا من تضرع النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم عافني في بدني». نعم. وهكذا من أسباب حفظ الصحة أن تبتعد عن كل ما يعني يؤثر على صحتك، ويكون سببا في أمراضها وفي أسقامها. فتبتعد عن كل ما يضرها، ما يضر هذه الأبدان، من تعاطي المسكرات، أو تعاطي المخدرات، أو تعاطي الخبائث المضرات، كتعاطي القات، أو الشمة، أو كذلك السجائر. فكل هذه مما تؤثر على صحة الأبدان، وهذا بإجماع الأطباء، بإجماع الأطباء. حتى علبة السجائر قد كتبوا عليها التحذير الحكومي، أن هذه السجائر سبب لمرض السرطان، وتلف للرئتين، وأمراض القلب، ومن هذه الأمراض المزمنة، الأمراض المميتة. ومع هذا لم يستجب كثير من الناس لنصائح هؤلاء الأطباء، مع أن الشرع قد حرمها، وقد نهى عنها. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾. الله سبحانه وتعالى حكيم عليم بخلقه، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ فهو يعلم سبحانه وتعالى ما ينفع الإنسان من المأكلات والمشروبات، وما يضر الإنسان من المأكلات والمشروبات، فأحل الله عز وجل لعباده ما ينفعهم، وحرم عليهم ما يضرهم، ما يضرهم. فهذه قاعدة عظيمة: كل ما يضر بالبدن، كل ما يضر بالبدن، فلا يجوز للعبد أن يتعاطى. بل ذكر بعض أهل العلم: حتى لو كان هذا الأكل في الأصل أنه حلال، لكن يضر بشخص بمرض فيه أو نحو ذلك، فلا يجوز له أن يأكل، حتى لا يضر بنفسه، وحتى لا يلقي بنفسه إلى التهلكة. إنسان مثلا مصاب بمرض الضغط، فقيل له: لا يصلح لك أن تأكل مثلا الأرز وفيه ملح، فهو يتقصد أن يأكل الأرز وفيه هذا الملح، فيرتفع عليه الضغط، فيؤدي إلى الجلطة، أو إلى يعني أضرار عظيمة في جسده، فهذا لا يجوز له أن يضر بنفسه، لأن هذا الأكل قد تقرر عند الأطباء أنه يضره، فلماذا يلقي بنفسه إلى التهلكة؟ لماذا يلقي بنفسه إلى التهلكة؟ فالإنسان ينبغي أن يبتعد عن كل ما يضره، عن كل ما يضره، حتى يحافظ على عافية بدنه، على عافية بدنه. كم من إنسان قد حذر، ولكنه لم يستجب، من بعض تلك الخبائث، فإذا به يعني يأتيه المرض، ويشتد به المرض، فيندم، ويقول: ليتني استمعت لنصح الناصحين، ولتحذير المحذرين. فإذا حافظ، أخي المسلم، على صحتك، كذلك حافظ على سمعك وبصرك. كثير من الأبناء الآن، وهذا من بابي كذلك المحافظة على عافية أبدان أبنائنا، كثير من الأبناء لأنهم لا يعرفون مصلحة أنفسهم، لربما استخدموا أشياء تضر بصحتهم، مثل الإدمان على الجوال، ينظر ساعات طويلة في شاشة الجوال. هذا قد قرر الأطباء أن الأطفال في سن النمو إذا أدمنوا هذه الشاشات، فإنها تضر بأبصارهم، تضر بأبصارهم. لا نستغرب أن نرى بعض من الأولاد الصغار يلبس النظارات، سنه العاشرة، هو أقل أو أكثر، وهو يلبس النظارات. لماذا؟ لربما لو بحث لوجدت أن السبب الإدمان على هذه الشاشات، والنظر إليها إلى ساعات طويلة. فهذا لا شك أنها تؤثر على أبصارهم. فإذا كانت هذه الشاشات تؤثر على أبصار الكبار، فكيف بالصغار الذين هم في مرحلة النمو، ومرحلة كذلك الصحة والمحافظة عليها؟ فإذا ينبغي علينا أن نحذر من هذه الأسباب التي تؤدي إلى فقد هذه النعمة، النعمة، نعمة الصحة. وهكذا ينبغي للإنسان أن يحافظ على صحته، ولو بشيء من المشي، ولو بشيء من الرياضة التي بها يحافظ الإنسان على صحته، على صحته. فهذا أيضا مما يوصي به الأطباء، ومما جاء في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه عليه الصلاة والسلام كان إذا مشى يمشي كأنما يتحدر من صبب، أي يسرع في المشي. قال الأطباء: وهذا هو المشي الصحي الذي به يتريض الجسد، ويتعافى الجسد من كثير من الأمراض. حتى الأطباء الآن يوصون بالرياضة، المشي بسرعة، وهذه هي مما جاء في سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذا أيضا مما يكون سببا في المحافظة على عافية الأبدان، على عافية الأبدان. وهكذا مما يكون سببا في عافية الأبدان: البعد عن بعض المعاصي التي تؤدي إلى الضرر بالأجساد، كالزنا، أو كذلك اللواط، أو العادة السرية. فهذا مما تولد أمراضا عديدة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عبد الله بن عمر عند ابن ماجه، ويحسنه الألباني: «خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن»، وذكر من هذه الخمس: «ومن ظهرت الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأمراض التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا». وهذا من دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. فانظر إلى المجتمعات التي يكثر فيها الزنا، فقد انتشرت فيها أمراض عجيبة غريبة، كمرض الإيدز، الذي هو فقد المناعة، وفي آخر الأمر يكون سببا في موت هذا المصاب، في موت هذا المصاب. فاحذر يا عبد الله من هذه المعاصي. كذلك اللواط، فإنه يفسد الفاعل به، يفسده فسادا عظيما، ولا يكاد أن يتوب من هذه المعصية، لما يجد من الرغبة إليها، لتعوده عليها، ويؤدي ذلك إلى مرضه، وإلى فساد قلبه، وإلى غير ذلك من الأمراض الكثيرة. وهكذا المفعول به، فإنه يتضرر في شهوته، وفي كذلك قوته، ونخوته، ونحو ذلك. وهكذا العادة السرية، فقد ذكر العلماء أن لها أضرارا جسيمة وكثيرة، منها ضعف الشهوة، ومنها كذلك ضعف الحيوانات المنوية، إذا تزوج فلربما يكون سببا في عدم إنجابه، أو في عدم معاشرته لأهله. وهكذا من أضرار هذه العادة السرية، لربما تكون سببا لغيرها من الأضرار، ربما تظهر