الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 164، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
توضح الآية الكريمة أن الله لا يحب الجهر بالسوء من القول كالشتم والسب، مستثنية من ذلك المظلوم الذي له حق الرد والدفاع عن نفسه. ويؤكد المقطع أن الأصل في الخطاب هو اللين والحسن كما أمر الله موسى مع فرعون، مع ترجيح العفو والتجاوز على المواجهة.
يبين المقطع أن الأصل في المعاملة هو الإحسان والصبر، لكن يجوز مجازاة السيئة بمثلها والدفاع عن النفس بالقول الغليظ ضد من ظلم أو استهزأ بالدين. كما يستثنى المدين المماطل الذي يحل عرضه وعقوبته، ويجوز للمظلوم الشكوى للحاكم أو الناصح.
يشرح المقطع ضوابط جواز الجهر بالسوء للمظلوم مشدداً على عدم الكذب أو التجاوز أو إلحاق الأذى بغير الظالم، ويرغب في العفو والإصلاح مؤكداً أن أجره على الله عظيم. ويختم بتحذير من سوء القول واللعن وكثرة الشكوى مع الترغيب في تعويد اللسان على الكلام الطيب.
يذكر المؤلف أن بعض السلف لقّبوا بالسكري نسبة إلى حلاوة ألفاظهم وكلامهم العذب وتأثيره في القلوب، لا نسبة إلى السكر المعروف. ويختتم المؤلف كلامه بالتأكيد على علم الله تعالى بأحوال العباد.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله عند قوله جل وعلا: ﴿ لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا * إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ﴾. قال: يخبر تعالى أنه لا يحب الجهر بالسوء من القول، أي يبغض ذلك ويمقته ويعاقب عليه، ويشمل ذلك جميع الأقوال السيئة التي تسوء وتحزن، كالشتم والقذف والسب ونحو ذلك، فإن ذلك كله من المنهي عنه الذي يبغضه الله، ويدل مفهومها على أنه يحب الحسن من القول. فهذه الآية آية عامة في الأقوال السيئة، وخاصة إذا كان ذلك يقابل به مسلم. لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم، حتى قد يكون الكفار إذا كان هناك يحسن لهم القول فبها. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما قالت عائشة لما سمعتهم يقولون: السام عليكم، قالت: وعليكم السام واللعنة يا إخوان القردة والخنازير، فقال: «مه يا عائشة، ما كان الرفق في شيء إلا زانه». فقالت: يا رسول الله، لم تسمع ما قالوا؟ قال: «ألم تسمعي ما قلت؟ قلت: وعليكم، فإنه يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا». فلذلك لا يحب الله عز وجل الجهر بالسوء من القول من الشتم والسب والقدف وغير ذلك من الأمور التي غيرها أفضل منها. فالله عز وجل أرسل موسى إلى طاغية مصر، إلى فرعون، وقال: ﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا ﴾، أرسل موسى وهارون، فقولا له قولا لينا، مع أنه رجل طاغية ادعى الربوبية، إلا أن الله أمر أنبياءه أن يتلطفوا له بالقول. فلذلك فالأصل هو القول الحسن والقول الطيب والقول اللين، وأما السب وغيره فهذا لا يستخدمه الإنسان إلا في مصلحة، في مسألة التحذير إذا أراد التحذير من عبادة قوم أو من قوم يحتاجون إلى التحذير، فلا بأس أن يبين السوء الذي عنده، بل أحيانا يكون واجبا أن يبين السوء الذي عنده، كما قلنا، لكن يحسن في الألفاظ، إلا إذا كان من باب العيب، من باب عيب ما هم عليه، مثل ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعيب آلهة المشركين ويعيب أيضا ما يعتقدونه، فمثل هذا يعتبر واجبا، فيعيب القول ويعيب المقالة، لكن لا يجوز في السب والشتم وياتي الألفاظ البذيئة، فهذه لا يحتاج إليها إلا في بعض المواقف التي تحتاج إليها. ولهذا قال الله عز وجل هنا: ﴿ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ﴾، فهناك يحتاج إلى المواجهة بالسوء أحيانا، وفي غالب هذه الأحيان الأفضل له أن يسكت، أو الأفضل له أن يعفو أو يتجاوز عن ذلك. فقال الله عز وجل: ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾، فالأصل أن الإنسان له أن يجازي بالسيئة السيئة، يعني يواجه مثل ما ووجه، ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴾، أنا أفضل أنك تصبر، وإن عاقبت عاقب، لك أن تعاقب، ولك أن ترد، ولك أيضا أن تعارض هؤلاء الذين ظلموا وتشتكي عليهم وكذا، ولك أن تصبر، والصبر أفضل. فقال الله عز وجل: ﴿ فَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ﴾. فلذلك فهذه الأمور والمعاملات هكذا، فالأصل أنك تعامل الناس بالحسنة والألفاظ الأحسن، فلا تأتي بالألفاظ إلا في بعض المواقف التي تحتاج إلى بعض الألفاظ الشديدة. وقد يرجع أيضا إلى السب أحيانا، أنك تسبه لأجل أنه يحتاج إلى السب في ذلك المقام، مثل مثلا اليهود، لا بأس أنك تلعنهم لأن الله عز وجل لعنهم في بعض المواقف، لكن إذا كنت في باب الدعوة تدعوهم إلى الله فإنك تتلطف معهم في الكلام، لكن في باب التحذير لا بأس أنك تغلظ، لكن لا تأتي بألفاظ سيئة إلا إذا كان هذا الشخص سيئا وأيضا مستهزئا وغير ذلك، مثل ما قال الصديق رضي الله عنه لعروة بن مسعود الثقفي لما قال: ما أرى حولك إلا أوباش، حقيقة أن يفر ويدعوه، وقال: حري أن يفر ويدعوه، فقال له أبو بكر: امصص بضرالات، أنحن نفر وندعه؟ كذلك أيضا أجاز النبي عليه الصلاة والسلام أن يغلظ بالقول ويفحش بالقول لمن ادعى بدعوة الجاهلية ويدعو الناس إلى جاهلية وعصبية، فهذا أيضا له أن يردع بكلام من الكلام الذي يسكته، وقد يكون هذا الكلام فاحشا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من تعزى بعزة الجاهلية فعضوه بهن أبيه ولا تكنوا»، فعضوه بهن أبيه ولا تكنوا، معنى لا تكنوا في الكلام بل صرحوا، فقول له: اعضض هن أبيك، يعني عضو أبيك. فهذه الألفاظ أحيانا يجوز لبعض السفهاء الذين لا يرتدعون إلا بمثل هذا الكلام، وإلا الأصل هو أنك تأتي بالألفاظ الحسن، وأما الألفاظ السيئة فلا ينبغي أنها تكون في كلامك عندما تتكلم، عندما أيضا تخاطب الناس، إلا كما قلنا إذا استلزم ذلك، خاصة من ظلم، من ظلم فله أن يتكلم على هذا الرجل الذي ظلم، فعل بي كذا وفعل بي كذا، يعني يشتكي عند من عند حاكم أو عند ناصح، يعني يرى أنه سينصحه، يتظلم عنده. وهذا كما ذكر الإمام النووي أنه ليس من الغيبة، أنه يتظلم، لكن يتظلم عند إما حاكم وإما من يريد منه أن ينصحه، وأما في كل مجلس يتظلم ويذكر فلان فعل بكذا، فهذا الأفضل يتركه، مع أنه قد يكون أحيانا جائزا أيضا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لي الواجد ظلم، يحل عرضه وعقوبته». لي الواجد، أي من وجد المال لكنه لا يسدد الدين ولا يعطي الناس حقوقهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لي الواجد ظلم، يحل عرضه وعقوبته»، حل عرضه أي أن الناس يتكلمون فيه. فلذلك قال الله عز وجل: ﴿ لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ﴾، ومفهوم هذا الكلام أن الله يحب الحسن من القول، كالذكر والكلام الطيب. قال: وقوله ﴿ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ﴾، أي فإنه يجوز له أن يدعو على من ظلمه ويشتكي منه، وإن كان كما قلنا الأفضل تركه، فما سيستفيد إذا دعا على أخيه؟ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ﴾، أنا لا بأس أنك تدعو عليه وتتظلم، لكن ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾. قال: ويجهر بالسوء لمن جهر له به، من غير أن يكذب عليه، ولا يزيد على مظلمته، ولا يتعدى بسب غير ظالمه. معنى لا يتعدى: أولا لا يزيد على مظلمته، معنى هو ظلمه يقوم ويأتي بأشياء هي ظلم من الافتراء عليه، يفتري عليه أشياء، فيما يفعل بعض الناس الآن، تجد إذا أغضبه إنسان أو بينه وبينه عداوة، تجد لا يجد خبرا عليه إلا وأخذه وزاد فيه. معنى: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ﴾، شنآن أي غضب وبغض، لا يحملك بغض ناس على أنك تفتري عليه، تأتي بأشياء لم يقولوها ولم يفعلوها، فهذا من البهتان الذي لا يجوز أن يتعدى به الشخص، فلا يجني على مظلمته، ولا يتعدى يشتم غير ظالمه، أو يشتم غير ظالمه، ويعني يقول: هذا ابن فلان عنده كذا وكذا، وهو الذي ظلمه أبوه، ليس هذا الشخص الذي ظلمه أبوه، هذا الشخص الذي أو أبو هذا الشخص الذي يتكلم عليه، فهذا الولد لا دخل له، فلماذا تشتمه بظلم أبيه لك؟ فهذا ليس له دخل، ولا تجر وزر أخرى. قالوا: مع ذلك فعفوا، عدم مقابلتي أو لا، كما قال الله تعالى: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾، معنى: تكفل الله عز وجل بأجر، لم يذكر له أجرا معينا وإنما أطلقه، فكلما كان العفو أعظم كلما كان الأجر أعظم، وكلما كان العفو من باب المسامحة وأيضا صفاء النية، صفاء القلب، كان الأجر أعظم. قال: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ﴾، قال: ولما كانت الآية قد اشتملت على الكلام السيء والحسن والمباح، أخبر تعالى أنه سميع، فيسمع أقوالكم، فاحذروا أن تتكلموا بما يغضب ربكم فيعاقبكم على ذلك، وفيه أيضا ترغيب على القول الحسن، عليم بنياتكم ومصدر أقوالكم أو مصدر أقوالكم. ولهذا الإنسان يعود نفسه على الكلمة الطيبة، على الكلام الطيب، في ذكر الله: الله يصلحك، الله يهديك، الله كذا، لا يأتي بالألفاظ التي فيها سب. كذلك المرأة أيضا تعود لسانها على الكلمات الطيبة، لا تعود لسانها على اللعن وعلى السب وعلى كذا، لأن غالبا النساء تجد تعود نفسها على اللعن، وخاصة لعن أولادها، وهذا شيء خطير، ولهذا أكثر أهل النار هم النساء، قال لما قال: «لأنكن تكثرن الشكاية وتكثرن اللعنة»، تكثر اللعنة، فلذلك لا تعود المرأة نفسها على اللعنة، وكذلك لا تعود نفسها على الشكاية، وهذا يأتي بالتعود، وإذا لم يعوّد نفسه على مثل هذه الأمور، عود نفسه على الكلام الطيب، عاد لذلك، وتجد أن كلامه كله طيب وكله معناه، تجد الحلاوة في كلامه. ولهذا كما يؤثر عن بعض السلف أنهم كانوا يسمونهم: فلان السكري، ليس نسبة إلى السكر، وإنما نسبة إلى ألفاظه التي يخرجها كالسكر، عنه يتحلى بها الشخص فيسمى فلان السكري. هذا ما ذكر المؤلف رحمه الله في هذه الآية، والله تعالى أعلم.