الدرس في باب الصبر من رياض الصالحين 34، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول المقطع قصة أم سليم رضي الله عنها في صبرها على وفاة ابنها وحسن تصرفها مع زوجها أبي طلحة، مستدلاً بذلك على قوة صبر الصحابيات. كما يشرح مفهوم التورية لغةً وشرعاً ويبين جوازها للحاجة بضوابطها مستشهداً بكلامها: "هو أسكن ما كان".
يوضح المقطع التورية كبديل مشروع للكذب وجوازها للحاجة، ثم ينتقل لحديث تحنيك النبي ﷺ لأخ أنس بالتمر الممضوغ وخلاف العلماء في اختصاص بركته. ويذكر استجابة دعاء النبي ﷺ للصبي بأن رزقه تسعة من الولد.
يستعرض المقطع دلائل النبوة من خلال بركة دعاء النبي ﷺ للصبي المسمى عبد الله، ويؤكد استحباب التسمية بأحب الأسماء إلى الله كعبد الله وعبد الرحمن. كما يبرز كرامة أبي طلحة وصبر أم سليم واحتسابها الذي استدل به الإمام النووي.
يختم المقطع ببيان أن من صبر واحتسب זכה بأجر عظيم، بينما من تسخط أو لم يصبر يخشى سخط الله. وقد انتهى الحديث بهذا عن فوائد هذا الحديث الشريف.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فأخذنا في الدرس الماضي في رياض الصالحين قراءة حديث العشرين من رياض الصالحين في باب الصبر، وفي وفاة ابن أبي طلحة الصغير، وكيف أخبرت أم سليم زوجها بوفاته. وهذا الحديث بعدما تم شرحه ففيه فوائد كثيرة ومسائل عديدة. فمن فوائد هذا الحديث: فيه دليل على قوة صبر أم سليم رضي الله تعالى عنها، وأن ابنها الذي مات بلغ بها الحال إلى أن تقول لزوجها هذا القول، وتطمئنه وتخفف من حزنه وروعه، فقدمت له العشاء ونال منها، ثم قالت: أدفنوا الولد. فهكذا ينبغي أن تقتدي نساء المسلمين بأمثال هؤلاء الصحابيات رضي الله تعالى عنهم. وفي هذا الحديث أيضاً دليل على جواز التورية. وما معنى التورية؟ يقول العلماء: التورية فيها ممدوحة عن الكذب. والتورية معناها: أن يتكلم الإنسان بكلام تخالف نيته ما في ظاهر هذا الكلام، فهو يقصد معنى، والسامع يقصد معنى آخر، أو المخاطب يقصد معنى آخر، واللفظ يحتمل المعنيين. ودليل ذلك ما جاء في هذا الحديث: ماذا قالت أم سليم لزوجها أبي طلحة؟ لما قال لها: ما فعل ابني؟ فقالت: هو أسكن ما كان. فهي تقصد أنه مات، والميت يكون في سكون ما بعده سكون، وهو يقصد أنه ذهب مرضه ونام أو ارتاح أو هدأ أو نحو ذلك. فلفظ السكون يحتمل المعنيين، فهذا يسمى التورية، وهي جائزة، لكن لا ينبغي أن يستخدمها المسلم إلا للحاجة. إذا احتاج الإنسان لذلك فلا بأس أن يوري. وذكر الشيخ ابن عثيمين مثالاً آخر للتورية: مثلاً، لو أن شخصاً ظالماً يأخذ أموال الناس بغير حق، وأودع إنسان عندك مالاً، إنسان أعطاك مالاً، قال: اجعل هذا عندك أمانة. فجاء هذا الظالم ويريد أن يأخذ هذا المال، فجاء إلى ذلك الرجل الذي عنده المال وسأله: هل عندك مال فلان؟ هل عندك مال فلان؟ فهو يقول له: ما عندي شيء، ما عندي شيء. فـ "ما" هنا في اللغة العربية تأتي بمعنى النفي، وتأتي بمعنى الاسم الموصول الذي بمعنى "الذي". فهو قوله: "ما عندي شيء"، أي: الذي عندي شيء. هذا قصد المتكلم، وفهم المخاطب من هذا اللفظ النفي، أي أن هذا الرجل ما عنده شيء، ليس عنده شيء. فهذا أيضاً من التورية. أو مثلاً: عندك المال، لكن هذا المال ليس في جيبك، ليس في جيبك وإنما هو في بيتك. فإذا سألك تقول له: ما عندي هذا المال. انظر إلى جيبي، جيبي فارغ، ما في هذا المال، ما عندي هذا المال. وأنت تقصد أنه في جيبك، وإلا فالمال موجود في بيتك. فهذا من التورية، لكن لا تستخدم إلا للحاجة كما تقدم، وفيها غنى عن الكذب، لأن الكذب لا يجوز، الكذب لا يجوز. وفي هذا الحديث أيضاً: في مجيء أنس بأخيه من أمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه تمرات، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم هذه التمرات ومضغ التمرات، ثم جعلها في في الصبي، أي أدخلها في فمه، وحنكه بها، وحنكه بها. فاختلف العلماء: هل هذا التحنيك لطلب البركة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما انفصل منه مبارك، أو من أجل أن يصل التمر إلى معدة الصبي قبل كل شيء، لما في التمر من البركة؟ قيل: هذا وهذا. واللفظ يحتمل المعنيين، يحتمل المعنيين. فإذا قلنا: المراد به البركة، فهذا خاص بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأنه لا يتبرك بما ينفصل من آدمي إلا من النبي صلى الله عليه وسلم لورود الأدلة في ذلك. فكان الصحابة يأخذون من عرقه، ومن كذلك ريقه، ونحو ذلك تبركاً به عليه الصلاة والسلام. وهذا خاص به، بدليل أن الصحابة لم يتبركوا بغير النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وعلى القول الثاني: أنه من أجل أن أول ما يصل إلى معدة الصبي هذا الأكل، وهذا التمر، وهذا الشيء الحلو المفيد للإنسان، تعرفون ما في التمر من فوائد، فيكون الحديث عاماً، فيجوز لأي إنسان أن يحنك الصبي بريقه، ويدخل التمر بعد مضغه وبعد بلله إلى فم الصبي، إلى فم الصبي. نعم. وفي الحديث آية من آيات الله عز وجل، حيث دعا لهذا الصبي. أي: آية من آيات الله عز وجل، إذ أن الله عز وجل استجاب لنبيه، إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بالبركة لهذا الصبي، فولد له تسعة من الولد. وفيه أيضاً دليل من دلائل النبوة وصدق الرسالة، إذ أن بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم بورك لهذا الصبي، فرزق هؤلاء الأبناء، وبارك الله فيهم، إذ كانوا ممن يقرؤون القرآن، أي أنهم من أهل القرآن، ومن أهل الخير والصلاح، ومن أهل الخير والصلاح. وفي هذا الحديث أيضاً من الفوائد: أنه يستحب التسمية بعبد الله، فالنبي صلى الله عليه وسلم سماه بعبد الله، "سم هذا الصبي بعبد الله". وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: "إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن". وعبد الرحمن. فيستحب للعبد المسلم أن يسمي مثل هذه الأسماء، وأن يحذر من الأسماء الشاذة، أو الأسماء التي أتت ووفدت من أعداء الإسلام، كاسم جورج، أو اسم إنسان ليس من المسلمين، أو نحو ذلك من الأسماء الغريبة التي تأخذ من أسماء الكفار، أو كذلك من أسماء الفجار. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من تشبه بقوم فهو منهم". وهكذا من فوائد هذا الحديث أيضاً: في هذا الحديث بركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه كرامة لأبي طلحة رضي الله عنه، لأن أبا طلحة كان قد خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، وكان معه أم سليم، فكره أن يدخل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولم يدخل معه، فهو معتاد أنه يخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم، ويدخل مع النبي صلى الله عليه وسلم. فلما أتى المخاض أم سليم، خشي أبو طلحة أن يتأخر عن النبي صلى الله عليه وسلم، فدعا الله، فخفف الله عز وجل عن أم سليم، فذهب مخاضها، حتى دخل مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذا فيه أيضاً كرامة لأبي طلحة رضي الله تعالى عنه وأرضاه. والشاهد من الحديث، وهو الفائدة التي أراد الإمام النووي الاستدلال بها في هذا الباب: أن أم سليم قالت لأبي طلحة: "احتسب ابنك، احتسب ابنك". أي: اصبر على ما أصابك من فقده. ولا شك أن فقد الابن شديد على النفس، شديد على النفس، إذ هو حبيب إلى الآباء، فلا شك أن هذا الأمر يحتاج إلى صبر، ويحتاج إلى احتساب. فمن صبر واحتسب زاد أجره وأعطي الجزاء العظيم، أما من تسخط، وكذلك من لم يصبر ويحتسب، فيخشى أن يناله سخط الله سبحانه وتعالى. وبهذا نكون قد انتهينا من ذكر فوائد هذا الحديث، وبه نكتفي، وإلى هنا والله تعالى أعلم.