الدرس في تفسير سورة الفتح من تفسير السعدي 13، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر الشيخ آية سورة الفتح الواصفة للنبي ﷺ وأصحابه بالشدّة على الكفار والرحمة بينهم، مبيناً فضلهم وعبادتهم الخاشعة. كما يحذر من موالاة الكفار عبر الفرح بانتصاراتهم في الملاهي الرياضية وإضاعة الصلوات بسببها.
يشرح أثر العبادة في نور وجوه المؤمنين المشبهين بالزرع القوي، مستدلاً بقول الإمام مالك في آية ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ على كفر الرافضة لبغضهم الصحابة. ويؤكد تلاحم الصحابة وقوة إيمانهم كما ورد في التوراة والإنجيل.
يقرر الشيخ كفر الروافض والحوثيين لسبهم الصحابة وتكذيب آيات مدحهم، مستنداً إلى أقوال العلماء. ثم ينتقل لبدء تفصيل قصة صلح الحديبية مبيناً وقتها في ذي القعدة سنة ست واختلاف الروايات في عدد أهل بيعة الرضوان.
يختتم الشيخ تفسير سورة الفتح بالدعاء أن يجعل الله العمل ذخراً وأجراً، طالباً المغفرة والرحمة وحسن الخاتمة مع الصالحين. ويختم الجلسة بالحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قوله جل وعلا: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾. قال رحمه الله: يخبر تعالى عن نبيه عليه الصلاة والسلام: «محمد رسول الله»، وهذا معنى كالشهادة والثناء من الله عز وجل أن محمداً عليه الصلاة والسلام رسول الله، سبحانه وتعالى قد كمل هذه الرسالة وأداها وبلغها كما أمره الله عز وجل. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام أشهد الصحابة على ذلك كما في حجة الوداع، فقال: «اللهم فاشهد»، أي أنهم شهدوا لي بالرسالة، أنهم شهدوا أنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة عليه الصلاة والسلام، وتركهم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. ترك هذه السنة العظيمة، وبَيَّن الحق عليه الصلاة والسلام للناس، ما من خير إلا ودلنا عليه، وما من شر إلا وحذرنا منه، إما بالخصوص أو بالعموم. قال: ﴿ وَالَّذِينَ مَعَهُ ﴾، أي من أصحابه من المهاجرين والأنصار، أنهم بأكمل الصفات وأجل الأحوال. وهذا ثناء الله عز وجل على الصحابة رضي الله تعالى عنهم الذين اتبعوا النبي عليه الصلاة والسلام، وكانوا معه في الشدة والرخاء من المهاجرين والأنصار رضي الله تعالى عنهم، وهم خيرة أصحاب الأنبياء. قال: ﴿ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ﴾، أي جادون ومجتهدون في نصرتهم، وساعون بغاية جهدهم، فلم يرَ الكفار منهم إلا الغلظة والشدة. وهذا المؤمن لا يجعل في قلبه مودة أبداً للكفار، ولا أيضاً ليناً لهم، بل يبغضهم، بل يبغضهم، وأيضاً يبغض ما هم عليه من الشرك والكفر. وكذلك أيضاً لا يفرح بفرحهم، ولا يحزن بحزنهم، فإن هذا إن كان الرجل يفرح بفرحهم ويحزن بحزنهم، فهذا ليس بغضاً وليس شدة على الكفار، بل هذا رخاء ورحمة، وهذا لا يكون في المؤمن. ولهذا من باب التنبيه: أن هذا الذي يفعله كثير من الشباب، أو كثير من المسلمين، فيما يسمونه تشجيعاً أو شيئاً في هذه المباريات، سواء كان مباريات كأس العالم أو غيره، فتجد أنهم يفرحون بفرح الكفار من الفريق الفلاني والفريق الفلاني من الكفار، أو حتى من الفسقة، ويحزنون لحزنهم، أنهم غُلبوا ذاك مع الفريق كذا وذاك مع فريق كذا، هذا مع البرازيل وهذا مع فرنسا وهذا مع كذا. هذا كله لا يجوز، ولا ينبغي للمسلم أن يفرح لفرح هؤلاء ويحزن لحزنهم، فهذا ليس من شيء وصفات أهل الإيمان. فالواجب على المسلم أن يبغض الكفار لأنهم صادون عن الله الذي خلقهم والذي أوجدهم، وهم يصدون عن سبيله، ويعادون دينه، ويعادون أولياءه، فكيف بعد ذلك المسلم يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم؟ فهذا قد يكون خدشاً في الولاء والبراء. ينتبه كثير من الشباب من هذا، حتى بعض ممن يحب السنة لكن تجد تزل قدمه في هذا الباب، تزل قدمه في هذا الباب، يجاري الناس، الناس مع الفريق الفلاني هو معهم، هذا خطأ كبير، يجب على المسلم أن يبتعد عن مثل هذه الأمور، وخاصة في هذه الأيام جعلوا هذه المباريات في ساعات متأخرة من الليل، فتجد كثيراً من الشباب يضيع صلاة الفجر لأجل هذه التفهات، وأيضاً استعداد ومدوى وإراءة، وهكذا كله لأجل هذه التفاهات التي أراد هؤلاء الكفار أن يشغلوا أهل الإسلام بها، حتى لا يفكروا في دينهم، ولا يفكروا في النصر لهذا الدين، وإنما يفكروا في هذه المباريات: من غلب ومن انهزم ومن فعل، ويأخذوا الأوقات الكثيرة في الكلام على هذا. قال رحمه الله: قال تعالى: ﴿ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾، أي هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم، الرحمة بينهم، يتحابون ويتراحمون. قال: «متحابون ومتراحمون ومتعاطفون كالجسد الواحد، يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه». هذه معاملتهم مع الخلق، وهذه شهادة من الله عز وجل أن صحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا على هذا الخلق، أنهم يتراحمون بينهم، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». فتجد أنهم كالجسد الواحد، هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام، وكان الصحابة كذلك. كما جاء أيضاً في حديث: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً»، وهذا في الصحيحين. قال: وأما معاملتهم مع الخالق، فإنك تراهم ركعاً سجداً، معنى أنهم محسنون، إحسان في العبادة وإحسان في المعاملة مع الخلق. قال: يصفهم بكثرة الصلاة التي أجل أركانها الركوع والسجود، معنى وصفهم بكثرة العمل، وأنهم يخضعون لله. قال: ﴿ يَبْتَغُونَ ﴾، أي بتلك العبادة ﴿ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ﴾، يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، أي هذا مقصودهم، بلوغ رضا ربهم والوصول إلى ثوابه، وهو أعظم ما يكون من مطلوب العبد المؤمن. ورضوان من الله أكبر، فأكبر ما يكون وأعظم ما يكون في قلب المؤمن هو رضا الله جل وعلا، أي أن يرضى الله عز وجل عنه. لا ينبغي أن يفكر في رضا الناس بسخط الله جل وعلا، بل يفكر في رضا الله، ما الذي يرضي الله عز وجل فيفعله، وأما الذي يسخط الله فيبتعد عنه. قال الله عز وجل: ﴿ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ﴾، فقد أثرت، أي قد أثرت العبادة من كثرتها وحسنها في وجوههم حتى استنارت، لما استنارت بالصلاة بواطنهم استنارت بالجلال ظواهرهم. وهذا النور يكون نوراً في القلب، ويكون نوراً أيضاً ظهوره حتى في وجوههم. فقد كان بعض السلف يقول: «من أسر سريرة ظهرت على وجهه»، ظهرت على وجهه أسر سريرة، إما عبادة وطاعة تظهر هذه السريرة على وجهه، وإما شر ورذيلة وفساد، فإنه أيضاً يظهر على وجهه. ﴿ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ﴾. وجاء أيضاً أثر عن بعض السلف أنه كان يقول: «من كثرت صلاته بالليل أضاء وجهه بالنهار». فهذه النظرة التي تكون في أهل الإيمان هي نظرة العبادة لله جل وعلا. قال: لما استنارت بالصلاة بواطنهم استنارت بالجلال ظواهرهم. ﴿ ذَلِكَ ﴾، أي المذكور ﴿ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ﴾، أي هذا وصفهم، وصفهم الرب جل وعلا قبل أن يخلقهم، وصفهم في التوراة أنهم من خيرة الناس وأهل عبادة وأهل طاعة وأهل معاملة صحيحة فيما بينهم. قال: الذي وصفهم الله به مذكور بالتوراة هكذا. ﴿ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ ﴾، أي بوصف آخر، وأنهم في كمالهم وتعاونهم أيضاً في الإنجيل. زاد في وصفهم لأن النصارى كانت بينهم مودة ورحمة، لكن الله عز وجل بيّن أن أهل الإيمان من أمة محمد صلى الله عليه عليه وسلم أفضل منهم، أفضل منهم. ولهذا ذكر أهل التاريخ أن الصحابة رضي الله عنهم لما كانوا يدخلون إلى مدن النصارى، معناه التي كان فيها النصارى كالشام في فلسطين في أيضاً غير هم بلاد الشام، كانوا إذا دخلوا الصحابة رضي الله عنهم، قالوا: هؤلاء أثرت عليهم العبادة أكثر مما أثرت على الحواريين، من نظرة وجوههم ونور وجوههم، يقولون أنهم أفضل من الحواريين الذين كانوا مع عيسى، وفعلا هذا هو الحق، أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أفضل من صحب الأنبياء. ﴿ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ ﴾، أي أخرج أفراخه، فوازرته فراخه في الثبات والاستواء. الزرع يبدأ صغيراً ثم يطلع فيؤازر من، كزرع أخرج شطأه فآزره، يؤازر من كان عنده فيصير كله واحد، يقاوم الرياح ويقاوم غيره، يكون ثابتاً. مع أن الزرع رطب لكن يلين مع الريح، إذا جاءت الريح منها هنا لان، وإذا جاءت منها هنا لان معها، لا يكون مثل الأشجار الصلبة التي تقتلعها الريح. مع أن هذا الزرع رطب إلا أنه يستمر ويثبت عند الرياح الشديدة. قال: ﴿ فَاسْتَغْلَظَ ﴾، ذلك الزرع، أي قوي وغلب. ﴿ فَاسْتَوَى ﴾، أي قوي واستقام. ﴿ عَلَى سُوقِهِ ﴾، على سوقه جمع ساق، أي أصوله، والمراد أنه قوي وقام على قطبانه، وقام على قطبانه، ما يتحرك كما قلنا، بل يكون ثابتاً مهما كانت هذه الريح، مهما كانت شدة هذه الريح ما يتحرك الزرع، بل يلين معها. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم مَثَّل، مثل المؤمن كخامة الزرع تكفؤها الريح تارة وتميلها تارة، هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام. قال: والكافر كالشجرة الأرز، فقال: تأتيها الريح حتى تقلعها، وكما قال في الحديث: حتى تخرجها من مكانها، مع أنها صلبة وقوية إلا أن الريح الشديدة تقلعها من شدتها، تخرجها من عروقها. قال: ﴿ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ ﴾، قوية واستقام على أقال، يعجب الزرع من كماله واستوائه وحسنه واعتداله. قال: كذلك الصحابة رضي الله عنهم هم كالزرع في نفعهم للخلق واحتياج الناس إليهم، فقوة إيمانهم وأعمالهم بمنزلة قوة عروق الزرع وسوقه، وكون الصغير المتأخر إسلامه قد لحق الكبير السابق، يعني كلهم سواء، الكبير من الصحابة والصغير، كلهم على خلق واحد وإيمان عظيم وقوي، وكلهم يريد رضا الله جل وعلا. قال: قد لحق الكبير السابق، ووازره وعاونه على ما هو عليه من إقامة دين الله والدعوة إليه، كزرع الذي أخرج شطأه فآزره فاستغلظ. قالوا: لهذا قال: ﴿ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ﴾، حين يرون اجتماعهم وشدتهم على أعداء دينهم، وحين يتصادمون معهم في معارك النزال ومجامع القتال. وهذه الآية استدل بها الإمام مالك على كفر الرافضة، استدل بها الإمام مالك على أن الرافضة كفار، لأنهم يغتاظون من أصحاب رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فلهذا فهم كفار. هذا شيء فقط من غيظهم على أهل الإسلام وعلى الصحابة خاصة، بل يتهمون هم بالردة أن الصحابة ارتدوا إلا ثلاثة أو أربعة أو سبعة على اختلاف بينهم، وهذا كله يدل على كفرهم، لأن لو ارتد الصحابة، فمن الذي نقل الدين؟ معنى الدين كله غير صحيح، الذي نقل. ولهذا هؤلاء يخزاهم الله، الرافضة عملوا لهم كتب، هم ألفوها وكذبوا وكذبوا فيها، وجاءوا بأشياء طامات كبار. ولهذا يقول إمامنا الشافعي رحمه الله: «ما رأيت أحداً أكذب من الرافضة في شهادة الزور»، ما رأيت أحداً في شهادة الزور أكذب من الرافضة، فهم مع اليهود من أكذب الناس، فهم شابهوا اليهود في هذا، بل لعلهم صاروا أكثر من اليهود كذباً. فلهذا استدل الإمام مالك على كفرهم، وهذا أيضاً قول أكثر السلف، أكثر السلف على كفر الرافضة. وهذا كان قديماً، أما حديثاً فلا شك في كفرهم، فإنهم اعتقدوا اعتقادات باطلة من تحريف كتاب الله جل وعلا، وكذلك من تكفير المسلمين، وكذلك أيضاً من اتهام السيدة عائشة رضي الله عنها بعد أن برأها الله، وغيرها من هذه، وأيضاً كذلك بغضهم لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيظهم، يدل على تكذيبهم لآيات الله عز وجل، في آيات كثيرة أثنى على الصحابة وأنه رضي الله رضي عنهم، فكيف بعد ذلك هؤلاء يكذبون بهذه الآيات ويتهمون الصحابة بالردة ويسبونهم ويشتمونهم؟ ولعل أكثركم قد سمع ما حصل من الحوثيين، والحوثيون هم فرع من فروع وذنب من أذناب الروافض، ما حصل من الحوثيين في أب، من ذلك الزامل الذي جاءوا به، فسبوا أصحاب السقيفة، أصحاب السقيفة من أصحاب السقيفة الصديق وعمر وأبو عبيدة، وهؤلاء الذين بشرهم نبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، يأتي هؤلاء الفجار السفهاء يأتون ويتكلمون على خيرة الناس وخيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى عليه وسلم، ويسبونهم ويشتمونهم، وهذا لندالتهم ورجزهم. فالروافض من أرجس وأنجس خلق الله، فلهذا فهم ليسوا من أهل الإسلام، ليسوا من الإسلام في شيء، وليسوا من أهل الإسلام. وهذا الذي قرره أكثر العلماء، وما حصل من الخلاف إنما في بعض الشيعة، وأما الروافض فهم كفار، وكذلك الحوثيون فهم داخلون في هذا الباب. وهذا الجهاد الذي يجاهده أهل السنة، وأيضاً من يجاهد معهم، إنما هو جهاد لهؤلاء الكفار، حتى يستأصل الله عز وجل شوكةهم ويستأصلهم من هذه الأرض. فنسأل الله عز وجل أن يكفينا شرهم وشر أمثالهم من اليهود وغيرهم. قال: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾. قال: فالصحابة رضي الله عنهم الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، قد جمع الله لهم بين المغفرة التي من لوازمها وقاية شرور الدنيا والآخرة، والأجر العظيم في الدنيا والآخرة. والنسق: ثم قال رحمه الله بعد أن انتهى من هذه الآيات: قال: والنسق قصة الحديبية بطولها كما ساقها الإمام شمس الدين بن القيم في الهدي النبوي، فإن فيها عوناً على فهم هذه السورة، وقد تكلم على معانيها وأشعارها، لأن هذه السورة كلها كما قلنا نزلت بعدما خرج الصحابة من الحديبية، فجاءت هذه السورة في وصف هذا الصلح وما كان فيه وما حصل فيه من أمور، فلهذا ذكر المؤلف هنا سياق قصة الحديبية. نذكر شيئاً مما ذكره. أما الحديث فهو في البخاري، وكما تعلمون لنا دروس في هذا الحديث بعد صلاة العشاء في أيام أو في بعض الليالي، نشرح ونذكر فوائد ومسائل صلح الحديبية. قال رحمه الله: قال نافع: كانت سنة ست في ذي القعدة، أي صلح الحديبية، وهذا هو الصحيح، وهو قول الزهري وقتادة وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق وغيرهم، أي أنها في السنة السادسة. وقال عروة بن الزبير: نبيه، خرج رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم إلى الحديبية في رمضان، وكانت في شوال. قال: وهذا وهم، أنا ليست في رمضان وإنما في ذي القعدة. قال: وإنما كانت غزاة الفتح في رمضان. وفي الصحيحين عن أنس أن النبي عليه الصلاة والسلام اعتمر أربع عمر، كلهن في ذي القعدة، فذكر منهن عمرة الحديبية. ولهذا أنكرت عائشة رضي الله عنها على ابن عمر لما قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر في رمضان، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يعتمر في رمضان، حتى لما دخل الفتح لم يعتمر، وإنما دخل مكة ليس معتمراً وإنما فاتحاً، ثم خرج بعد ذلك إلى حنين، ورجع من حنين وأحرم من الجعرانة. قال: وهكذا في الصحيحين عن جابر، وعنه فيهما: كانوا ألفاً وأربعمائة. وفيهما وقيل كما ذكرنا: ألفاً وخمسمائة. وفيهما عن عبد الله بن أبي أوفى: كنا ألفاً وثلاثمائة، أي في الصحيحين. قال قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: كم كان الجماعة الذين شهدوا بيعة الرضوان؟ قال: خمسة عشرة مائة. قال: قلت: فإن جابر بن عبد الله قال: كانوا أربع عشرة مائة. قال: يرحمه الله، وهم، وهو حدثني أنهم كانوا خمسة عشرة مائة. قلت: صح عن جابر القولان، وصح عنه أنهم نحروا عام الحديبية سبعين بدنة، البدنة عن سبعة، فقيل له: كم كنتم؟ قال: ألفاً وأربعمائة، بخيلنا ورجلنا، يعني فارسهم وراجلهم. وهذا قد ذكرناه في صدد الآيات. قال: والقلب إلى هذا أميل، وهو قول البراء بن عازب ومعقل بن يسار وسلمة بن الأكوع في صح الروايتين، وقول المسيب بن حزن. قال شعبة عن قتادة عن سعيد عن نبيه: قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ألفاً وأربعمائة. وغلط غلطاً بيناً من قالوا كانوا سبعمائة. وقول ألفاً وأربعمائة وألفاً وخمسمائة كما قلنا، لأنهم باب التقدير، فقد يزيد وقد ينقص. قال: وعذرهم أنهم نحروا يومئذ سبعين بدنة، والبدنة قد جاء جاءه عن سبعة وعشرة، وهذا لا يدل على ما قال هذا القائل، أي أنهم سبعمائة، فإنه قد صرح بأن البدنة كانت في هذه الغزوة عن سبعة، فلو كانت السبعون عن جميعهم لكانوا أربعمائة وتسعين رجلاً، وقد قال بتمام الحديث بعينه: أنهم كانوا ألفاً وأربعمائة. ثم ساق الحديث الذي في البخاري في رواية مروان بن الحكم، ومروان... وابن مخرمة، رضي الله أو مسور، أقصد مسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم، التي معنا، ساقوا حديث الحديبية إما عن عمر وإما عن غيري من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وبهذا إن شاء الله تعالى قد أتممنا ما أردنا منه، وهو تفسير سورة الفتح، ونسأل الله عز وجل أن يجعلها ذخراً لنا، ويجعل ما قرأناه أجراً لنا ورضاً عند الله جل وعلا. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا وأن يرحمنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من عباد الصالحين، والحمد لله رب العالمين.