الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 167، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المقطع أن سبق المقادير لا يسقط التكليف ولا يبرر الاتكال، بل يحتم على العبد الجد والاجتهاد في الأعمال الصالحة. وقد أمر النبي ﷺ الصحابة بالعمل قائلًا: "كل ميسر لما خلق له"، وضرب الشيخ مثلاً بالرزق المقدر الذي لا يصل إلا بالأسباب.
يوضح المقطع أن الإيمان بالقدر دافع للاجتهاد في اتخاذ الأسباب الموصلة للسعادة في الدنيا والآخرة. مستدلاً بقول النبي ﷺ: "احرص على ما ينفعك"، وقصة عمر مع الطاعون التي تؤكد أن الفرار من قدر الله إلى قدر الله هو عين الأخذ بالأسباب الشرعية.
يستعرض المقطع عدة أوجه للرد على من يحتج بالقدر على فعل المعاصي، منها نهي النبي ﷺ عن هذا الاحتجاج، وربط الله المقدور بالأسباب، وعدم قبول العقلاء لهذا العذر في الأمور الدنيوية، وجهالة الإنسان بمصيره النهائي في اللوح المحفوظ.
يؤكد المقطع بطلان حجة من يحتج بالقدر لتبرير فعل المعاصي، مبيناً أن المسألة واضحة وجلية. ثم يختم الدرس بالاكتفاء بما ذُكر من أدلة وشواهد.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، قال العلامة حافظ حكمي -حفظه الله تعالى- في كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال الثامن والأربعون بعد المئة: ماذا يقتضيه سبق المقادير بالشقاوة والسعادة؟ عرفنا معنى هذا السؤال، وذكرنا مقدمة قبل الشروع في الإجابة. قال: الجواب: اتفقت جميع الكتب السماوية والسنن النبوية على أن القدر السابق لا يمنع العمل، ولا يوجب الاتكال عليه. وهذه المسألة تقررت معنا كثيراً فيما سبق، يعني: ما كتب في اللوح المحفوظ أن العبد من أهل الجنة أو من أهل النار، هذا لا يمنع العمل. سمعنا: "خلاص، أنا قد كتب مقعدي"، ولا يوجب الاتكال عليه؛ لأنك كما تقدم لا تدري: أمقعدك في الجنة أم في النار؟ وأنت من أهل الشقاوة أو من أهل السعادة؟ فلذلك لا يوجب الاتكال عليه. سيأتي معنا مزيد بيان إن شاء الله. قال: بل يوجب الجد. هذا القدر السابق يوجب الجد والاجتهاد والحرص على العمل الصالح. ولهذا لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بسبق المقادير وجريانها وجفوف القلم بها، قال بعضهم: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فهذا السؤال ليس هو حديث اليوم، بل هو قد سأله الصحابة رضي الله تعالى عنهم نبيهم محمداً صلى الله عليه وسلم. فماذا كان جواب النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: "لا، اعملوا، فكل ميسر لما خلق له". وفي لفظ: "من غيره لما خلق له". ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾. فالله سبحانه وتعالى قدر المقادير وهيأ لها أسباباً، وهو الحكيم بما نصبه من الأسباب في المعاش والمعاد. وقد يسر كلا من خلقه لما خلقه له في الدنيا والآخرة. ومعنى كلامه هذا: أن الذي قدر المآلات هو الجزاء يوم القيامة، وكتب مقاعد أهل الجنة ومقاعد أهل النار، هو كذلك الذي كتب أرزاق العباد. كتب ماذا؟ أرزاق العباد. فكما أنه سبحانه وتعالى جعل للأرزاق أسباباً، كذلك جعل للمعاد أسباباً. فلو أن إنساناً قال: "أنا رزقي قد كتب في اللوح المحفوظ، فما كتب لي سيصلني، إذن لا داعي لأن أتسبب في الرزق، أجلس في بيتي، والرزق الذي كتبه الله لي سيأتي إلي". هل سيوافقه أحد على هذا؟ قال: "ما في داعي، أخرج بمسحاتي، أخرج من الصباح الباكر وأشتغل في البناء أو في الوظيفة أو في عمل كذا وكذا، ما في داعي، خلاص رزقي قد كتب لي، إذن أجلس في بيتي". والذي موجود في اللوح المحفوظ سيصل إليك، هل سيوافقه أحد على هذا؟ ما سيوافقه أحد. كذلك ما كتب في يوم القيامة، أو ما كتب في اللوح المحفوظ من الأقدار السابقة في باب المآلات والجزاء يوم القيامة، فلا يتكل الإنسان على كتابه، بل لا بد من اتخاذ الأسباب، لا بد من اتخاذ الأسباب. فهذا معنى قوله: فالله سبحانه وتعالى قدر المقادير وهيأ لها أسباباً، وهو الحكيم بما نصبه من الأسباب في المعاش والمعاد، وقد يسر كلا من خلق لما خلقه له في الدنيا والآخرة. قال: فهو مهيأ له، ميسر له. إن كان من أهل السعادة، يسر لأعمال أهل السعادة، فتراه من أهل الأعمال الصالحة، من أهل التوحيد، من أهل المحافظة على الصلاة، من أهل بر الوالدين، من أهل صلة الأرحام، من أهل حسن الجوار، من أهل الصدق والعفاف والأمانة، ونحو ذلك. فيهيأ ويسر له عمل أهل السعادة. والعكس بالعكس: إن كان من أهل الشقاوة، كفر بالله العظيم، وترك أوامر الله سبحانه وتعالى. فهذا معنى قوله: فهو مهيأ له ميسر له. فإذا علم العبد أن مصالح آخرته مرتبطة بالأسباب الموصلة إليها، كان أشد اجتهاداً في فعلها والقيام بها. فأمر ما كتب من المقادير السابقة يدفع العبد إلى الاجتهاد حتى يتخذ الأسباب التي توصله إلى درجات أهل السعادة، درجات أهل السعادة. وليست هذه المقادير سبباً في تركه للعمل والاتكال على ما كتب في كتابه. لا، هذا معنى كلامه. قالوا: أعظم منه في أسباب معاشه ومصالح دنياه. كما تقدم: الإنسان في باب الرزق، كلما احتاج إلى مال كثير، اجتهد في اتخاذ الأسباب. صح؟ الآن في ظل هذه الظروف المعيشية التي يعيشها الناس في هذه البلاد، تجد بعض الناس منذ أن يصبح وهو في عمل إلى أن يمسي؛ لأنه إذا عمل إلى نصف النهار مثلاً، أو عمل في اليوم ساعة أو ساعتين، ما تكفي هذه الأجرة للقيام بأمر معاشه وتدبير شؤون حياته، فيحتاج إلى المزيد من الأسباب حتى يكسب المال الكثير الذي يكفيه. أليس كذلك؟ بلى. فإذا لماذا هنا اجتهد زيادة؟ هذا الذي يطلب الرزق، لماذا اجتهد زيادة؟ لأنه يطمع في الكثير من المال والرزق، فيجتهد كثيراً، يجتهد كثيراً. فهكذا في أمر الآخرة: من طمع أن يكون من أعلى أهل درجات الجنة، يريد من أهل الفردوس الأعلى، يريد من أهل الجنات العلا، لا شك أنه يكثر من اتخاذ الأسباب الموصلة إلى هذه الدرجات، فيكثر من الجد والاجتهاد في فعل الطاعات واجتناب المحرمات. فلا شك أن هذا يجعله أشد اجتهاداً في فعل الطاعات. قال: وقد فقه هذا، وقد فقه هذا كل الفقه، من قال من الصحابة لما سمع أحاديث القدر: "ما كنت أشد اجتهاداً مني الآن". ويقول المعلق هنا: لم أقف الآن على قائله، لكن قاله المؤلف هنا عن بعض الصحابة: أنه لما سمع أحاديث القدر، وأن العبد قد كتب أجله ورزقه وعمله، شقي أو سعيد، هذا جعله أشد اجتهاداً في طلب ذلك، وذلك بالإكثار من الأعمال الصالحة: "ما كنت أشد اجتهاداً مني الآن". نعم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز". احرص على ما ينفعك، الحرص على ما ينفع سبب من أسباب زيادة الإيمان، من أسباب دخول الجنة، من أسباب إدراك ما يكون عليه أهل السعادة، ونحو ذلك. وقال صلى الله عليه وسلم لما قيل: "يا رسول الله، أرأيت دواء نتداوى به، ورقى نسترقيها، هل ترد من قدر الله شيئاً؟" قال: "هي من قدر الله". فالأعمال الصالحة من قدر الله، واتخاذ الأسباب كذلك في أمر المرض من قدر الله. وأن عمر بن الخطاب لما أراد ذهب إلى الشام، فقيل له: إن بها طاعوناً، فشاور الصحابة فاختلفوا، ثم كان رأي كبار الصحابة من مشيخة أهل مكة أن يرجع عمر. فانتقد عليه سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه ذلك، وقال له: "يا أمير المؤمنين، أتفر من قدر الله؟ أتفر من قدر الله؟" ماذا قال عمر؟ قال: "نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله". فاتخاذ الأسباب في عدم الإصابة بالمرض هذا من قدر الله، لا ينافي القدر؛ لأنه من اتخاذ الأسباب في دفع هذا المرض، أو في عدم الإصابة بهذا المرض. وقد أمرنا الله عز وجل باتخاذ الأسباب. ثم مسألة: هل يصاب أو لا يصاب؟ هذا أمره إلى الله سبحانه وتعالى. فإذا هذه المسألة واضحة جلية، ولا يجوز لعبد أن يحتج بالقدر على فعل المعاصي. والرد على من احتج بالقدر على فعل المعاصي من عدة أوجه: الوجه الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، فهو الذي بين أن أقدار العباد سابقة وقد كتبت في اللوح المحفوظ، وهو الذي نهى الصحابة عن ترك العمل، عن ترك العمل. ولا يمكن أن يتناقض قول الرسول عليه الصلاة والسلام. هذا الوجه الأول فيما يرد به على من يحتج بالقدر على فعل المعاصي. الوجه الثاني: ربط ربنا المقدور بالأسباب، بالأسباب. فكتب الله أن يكون الإنسان من أهل الجنة، ليس يوصل إلى ذلك إلا بسبب، إلا بسبب. وكذلك أهل النار. فربط ربنا المقدور بالأسباب في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾، أي: نهيئ له أسباب العمل بأهل الحسنة. ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾، نهيئ له الأسباب التي يعملها في دخول أهل النار، والعياذ بالله. فكلما اجتهد الإنسان في الوصول إلى السبب، كان أقرب إلى المقدور، كان أقرب إلى المقدور. فإذا اجتهد في عمل أسباب الجنة، قرب من الجنة، وإذا عمل بالأسباب التي تصل إلى النار، قرب من النار، والعياذ بالله. كذلك يرد عليهم بما تقدم من أمر الرزق والمرض ونحو ذلك. وكما أن الإنسان يتخذ الأسباب في طلب الرزق، وفي طلب العافية والصحة ونحو ذلك، وهي من الأمور التي قد كتبت في اللوح المحفوظ، فكذلك أمر ما يكون عليه الإنسان من سعادة أو شقاوة يحتاج إلى جد واجتهاد. كذلك يرد على من يحتج بالقدر على فعل المعاصي: أنه بإجماع المسلمين، بل وبإجماع العقلاء، مسلمهم وكافرهم، أنك لو جئت إلى شخص ولطمته، ثم أخذت ماله، وذهبت إلى آخر وقصصت يده وضربته في رأسه، فلما أرادوا أن ينكروا عليك وأن يأخذوا حقهم منك، قلت: "لا تلوموني، أنا فعلت هذا لأن الله قد كتب علي هذا". هل سيعدره الناس؟ ها؟ هل سيعدره الناس؟ جئت أنا ولا طمتك، ليش لطمتني؟ أيش ذنبي؟ قال: "ما لك ذنب، بس الله قدر علي هذا". أيش رأيكم؟ هذا، هل سيقبله عاقل؟ ها؟ هذا ما سيقبله عاقل. وهكذا يوم القيامة: إذا عملت بأسباب دخول النار، ثم جئت وقلت: "يا رب، لماذا تدخلني النار؟ أنت قد كتبت علي هذا". فماذا يجاب عليك؟ نعم، أنه كتبت عليك هذا، لكن جعلت لك أسباباً تقي بها هذه النار، وهو ترك المعاصي وفعل العبادات والطاعات. فكما أنك لا تقبل أن يلطمك أحد ويحتج بالقدر، فكذلك لا تحتج على ربك إذا أدخلك النار حين تعمل بعمل أهل النار، حين تعمل بعمل أهل النار. وهذا الأمر واضح وبين. نعم. وأيضاً من الأوجه الذي يرد بها على من يحتج بالقدر على فعل المعاصي: أن المسوغ، يعني يمكن أن نسوغ لك هذه الحجة، يمكن أن نسوغ لك هذه الحجة إذا علمت مآلك ومصيرك، وأنك فعلاً من أهل النار. هل يعلم أحد منا: أهو من أهل النار أم من أهل الجنة؟ هل يعلم ما كتب له في اللوح المحفوظ؟ ما يعلم. فإذا أمر لا تعلم حقيقته، كيف تتكل عليه؟ أمر لا تعلم حقيقته، كيف تتكل عليه؟ لأنك لا تعلم: أنت هل من أهل الجنة أم من أهل النار؟ فليس لك مسوغ. متى نقول: نعم، حجتك يعني لها مسوغ؟ إذا كنت تعلم أنك من أهل النار، خلاص لا محالة، فهنا نقول لك: نعم. لكن هذا مستحيل، ما يعلم أحد ما في اللوح المحفوظ، ما يعلم أحد، ولا يشهد أحد لأحد بجنة أو نار إلا من شهد له الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. إذن هذه الأوجه جميعها ترد على من يحتج بالقدر على فعل المعاصي، على فعل المعاصي. فلا شبهة لهم ولا حجة لهم في ذلك. فالمسألة واضحة جلية، ولله الحمد والمنة. طيب، نكتفي اليوم بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة: نانسي قنقر