شرح أسماء الله الحسنى 18

الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 18، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

معنى اسم الله التواب وأثره على العبد

اسم الله التواب يعني قبول توبة العباد ومغفرة ذنوبهم، والإيمان به يستلزم المسارعة للتوبة. توبة الله لعبده تكون بتوفيقه للتوبة وقبولها ومحو الذنوب.

فرح الله بتوبة عباده وفضلها

يفرح الله بتوبة عباده فرحًا عظيمًا، وأمرهم بالتوبة لما فيها من فضائل كثيرة للمستغفرين والتائبين. التوبة باب مفتوح ليلًا ونهارًا.

شروط التوبة النصوح وآدابها

التوبة النصوح تتطلب الإقلاع عن الذنب والندم عليه والعزم على عدم العود، ورد المظالم والاعتذار من المتضررين. الله يتقبل التوبة إذا توفرت الشروط اللازمة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد، فمن الأسماء الحسنى التي ذكرها المؤلف -رحمه الله تعالى- اسم الله جل وعلا التواب، فالتواب اسم من أسماء الله جل وعلا الحسنى، قد ورد هذا الاسم لله جل وعلا في مواضع كثيرة في كتاب الله جل وعلا، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَإِذْ تَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾، وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾، وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. والآيات كثيرة في كتاب الله جل وعلا التي ذكر ربنا جل وعلا فيها هذا الاسم، وهو اسمه جل وعلا التواب، وثبت عند أبي داود -رحمه الله تعالى-، وصححه العلامة الألباني -رحمه الله-، والحديث في الصحيح المسند عند شيخنا الوادعي -رحمه الله-، من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: «إن كنا لنعد لرسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في المجلس الواحد مئة مرة: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم»، ومعنى اسم الله جل وعلا التواب يقول ابن قيم -رحمه الله تعالى- في نونيته: وكذلك التواب من أوصافه ... والتوب في أوصافه نوعاني إذن بتوبة عبده وقبولها ... بعد المتاب بمنة المناني ذكر السعدي -رحمه الله تعالى- في شرحه لنونية ابن القيم في كتاب الحق الواضح المبين، قال -رحمه الله تعالى-: «التواب الذي لم يزل يتوب على التائبين، ويغفر ذنوب المنيبين، فكل من تاب إليه توبة نصوحا تاب الله عليه»، ثم ذكر -رحمه الله تعالى- أن توبة الله جل وعلا لعبده على نوعين: توبة بمعنى التوفيق وقبول العبد لهذه التوبة، فالله سبحانه وتعالى يلهم قلب عبده للتوبة إلى الله جل وعلا، ويأذن بها سبحانه وتعالى، فيوفق عبده لهذه التوبة وللأتيان بها بشروطها، بالإقلاع عنها والندم على فعلها والعزم على عدم العود إليها واستبدال تلك الذنوب بالأعمال الصالحة. وتوبة أخرى منه جل وعلا، وهي توبته جل وعلا على عبده بقبول توبته، ومحوا الذنوب عنه، فتوبة الرب جل وعلا لعبده على هذين النوعين: توبة بمعنى التوفيق منه جل وعلا والإذن لعبده ليتوب إلى الله جل وعلا، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾، تاب عليهم بأن ألهمهم للتوبة، وألهم قلوبهم للتوبة، ثم تاب عليهم جل وعلا بقبول توبتهم، كما قال جل وعلا: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾. فمن مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا التواب المسارعة والإكثار بالتوبة إلى التواب جل وعلا، فالتواب الرحيم جل وعلا يحب كثرة التائبين، ويحب كثرة التوبة من عباده، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، فالله جل وعلا التواب الرحيم يحب عباده التوابين، ويحب عباده المتطهرين، ولذلك كان نبينا -عليه الصلاة والسلام- كما جاء عند الترمذي من حديث عمر -رضي الله تعالى عنه-، ويحسن هذا بعض أهل العلم كالألباني -رحمه الله تعالى- وغيره، في قوله -عليه الصلاة والسلام- بعد فراغه من وضوئه: «اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين»، جاء هذا عند مسلم عن عمر -رضي الله تعالى عنه-، من قال ذلك فتحت له أبواب الجنة الثمانية. والتواب الرحيم جل وعلا يفرح بتوبة التائبين، ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: «لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، حتى أيس منها، فأتى شجرة فاستظل بظلها، وقد أيس من راحلته، وبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، بخطامها، فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح»، فالله جل وعلا يفرح بتوبة عبده، كما يفرح هذا الذي قد أضل راحلته بأرض فلاة، وعليها طعامه وشرابه، قد أيس منها، وانتظر الموت، ثم يجد هذه الراحلة أمامه بخطامها، فيقول هذا الكلام من شدة فرحه، حتى إنه أخطأ من شدة الفرح. فالتواب الرحيم يحب عباده التائبين الذين يكثرون التوبة والذين يتوبون إليه جل وعلا، ولذلك أثنى على أنبيائه في الكتاب الكريم، وأثنى كذلك على أتباع الأنبياء الذين سارعوا بالتوبة وتابوا إلى الله جل وعلا، قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم عن آدم: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، وقال جل وعلا عن نبيه وكليمه موسى -عليه السلام-: ﴿قَالَ رَبِّي أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانَ رَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وقال ربنا جل وعلا عن نبينا -عليه الصلاة والسلام- وعن نبيه داود -عليه السلام-: ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾، أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم في كتابه الكريم لمسارعتهم ومبادرتهم بالتوبة إلى التواب الرحيم جل وعلا. وقال عن الثلاثة الذين خلفوا: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، ثم قال بعد ذلك جل وعلا مثنيا عليهم وآمرا باتباعهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، أي مع هؤلاء الذين تابوا إلى الله جل وعلا وصدقوا في توبتهم. ولذلك كان نبينا -عليه الصلاة والسلام- الذي عظم التواب حق تعظيمه جل وعلا، وعرف التواب سبحانه وتعالى معرفة عظيمة، كان من أسرع الناس توبة إلى الله جل وعلا، مبادرة بالتوبة إلى الله سبحانه وتعالى، كما سمعتم في حديث عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- عند أبي داود -رحمه الله تعالى- قال -رضي الله تعالى عنهما-: «إن كنا لنعد لرسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في المجلس الواحد مئة مرة: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم»، وفي البخاري عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: «والله إني لأتوب إلى الله وأستغفره أكثر من سبعين مرة»، وفي مسلم من حديث الأغر بن يسار المزني -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- عن النبي -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب في اليوم مئة مرة»، وهو -عليه الصلاة والسلام- الذي قد غفر الله جل وعلاه ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع هذا كان يتوب توبة عظيمة وتوبة كثيرة -عليه الصلاة والسلام-. والتواب الرحيم جل وعلا من محبته للتوبة وللتائبين أمر بالتوبة، أمر عباده بالتوبة، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾، وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، فأمر الله سبحانه وتعالى التواب الرحيم عباده بالتوبة؛ لأنه جل وعلا التواب الرحيم كثير التوبة، يحب التوبة من عباده ويفرح بها، ولذلك أمر بها جل وعلا. والتواب الرحيم سبحانه وتعالى من محبته للتوبة وكثرة التوبة رتب الفضائل الكثيرة للتائبين الذين تابوا إليه سبحانه وتعالى توبة نصوحا، مهما عظمت ذنوب التائبين، فلمحبة التواب الرحيم لتوبة عباده فإنه سبحانه وتعالى يتوب عليهم ويتقبل التوبة منهم جل وعلا، قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، وقعوا في الشرك بالله جل وعلا، دعوا مع الله جل وعلا إلها آخر، قتلوا النفس التي حرم الله، وهكذا وقعوا في المحرمات، ومع هذا لما تابوا إلى الله سبحانه وتعالى تاب الله جل وعلا عليهم، وبدل سيئاتهم حسنات، وكان الله غفورا رحيما. ومن تاب إلى الله فإنه يتوب إلى الله متابا، وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا إِلَّا مَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾، وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، فالله سبحانه وتعالى مع عظم ذنوب عباده، لكن إذا تاب العباد إلى ربهم سبحانه وتعالى التوبة النصوح، تاب الله سبحانه وتعالى عليهم؛ لأنه سبحانه وتعالى التواب الرحيم الكثير التوبة جل وعلا. وكذلك التواب الرحيم ربنا سبحانه وتعالى لمحبته للتائبين وللتوبة جعل باب التوبة مفتوحا ليلا ونهارا، إلى أن تطلع الشمس من مغربها، وما لم يغرغر العبد، كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام- كما جاء في حديث أبي موسى الأشعري -رضي الله تعالى عنه- في صحيح الإمام مسلم، قال -عليه الصلاة والسلام-: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها»، فالله جل وعلا جعل باب التوبة مفتوحا ليلا ونهارا، لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها، وما لم يغرغر العبد، كما ثبت في حديث عبد الله بن عمر عند الترمذي، قال -عليه الصلاة والسلام-: «إن الله جل وعلا يقبل توبة العبد ما لم يغرغر»، وجاء في حديث أبي هريرة عند الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- قال -عليه الصلاة والسلام-: «من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه»؛ لأن التوبة إنما تكون قبل طلوع الشمس من مغربها، وما لم يغرغر العبد. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾، فوقت التوبة هو قبل طلوع الشمس من مغربها، ووقت التوبة في حق العبد ما لم يصل إلى حال الغرغرة، كما بينا نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم-. وجاء كذلك عند الترمذي من حديث زر بن حبيش لما جاء لصفوان بن عسال -رضي الله تعالى عنه- ويسأله عن المسح على الخفين بعد البول والغائط، فجاء إليه فسأله صفوان عما جاء به، قال: «ابتغاء العلم»، فبشره بالفضل المترتب على طالب العلم، فقال له: «إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب»، ثم سأله وقال: «أجد في نفسي شيئا في المسح على الخفين بعد البول والغائط، وأنت رجل من أصحاب رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، فلعندك شيء من علم في ذلك»، فأخبره صفوان بن عسال -رضي الله تعالى عنه- بأمر النبي -عليه الصلاة والسلام- أنه كان يأمرهم أن لا ينزعوا خفافهم إذا كانوا مسافرين ثلاثة أيام بلياليهن إلا من جنابة، ثم سأله عنده: «سمعت من رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في الهوى شيئا»، وذكر له قصة ذلك الرجل العرابي الجهوري، وفيه: «أن المرأة مع من تحب يوم القيامة»، ثم ذكر صفوان بن عسال -رضي الله تعالى عنه- ما أخبر به النبي -عليه الصلاة والسلام- ومن حدثهم به، ومن ذلك أن النبي -عليه الصلاة والسلام- ذكر لهم بابا من المغرب، بابا عظيما يسير الراكب في عرضه أربعين أو سبعين عاما، قبل الشام، خلقه الله جل وعلا يوم خلق السماوات والأرض مفتوحا، لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها، وهذا من إكرام الله جل وعلا لعباده، ومن فضل التواب الرحيم حيث جعل لهم باب التوبة مفتوحا، ودعا عباده إلى التوبة إليه جل وعلا. فعلينا أن نتوب إلى الله جل وعلا؛ إذ علمنا أن الله سبحانه وتعالى هو التواب، ويحب التوبة من عباده، وأمر بها، ونسارع ونبادر في ذلك، وأن يأتي العبد في توبته بشروطها، أن يأتي العبد بالتوبة بشروطها، فمن شروط التوبة: الإقلاع عن الذنب والمعصية، والندم على فعلها، ثم العزم على عدم العود إليها، والإخلاص في هذه التوبة بأن تكون توبة نصوحا، وهكذا العبد أن يكثر من الحسنات؛ لتمحى تلك السيئات، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾، وقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن»، كما عند الترمذي من حديث أبي ذر -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-. وهكذا كذلك إذا كان عند الإنسان مظالم للناس عليه أن يردها، إذا كانت عنده أموال للناس، فإن توبته تقتضي أن يرد المظلمة إلى أهلها إن كانت أموالا، وغير ذلك، وإن كان قد اغتاب أحدا أو افترى على أحد فإنه يستسمحه ويعتذر منه حتى يتوب إلى الله سبحانه وتعالى توبة نصوحا. فاسم الله جل وعلا التواب يقضي كثرة التوبة من العبد، والإكثار والدعاء المستمر لله جل وعلا بأن يتوب عليه، وبأن يوفقه لما يحب ويرضى، نسأل الله سبحانه وتعالى باسم التواب الرحيم أن يتوب علينا، وأن يغفر لنا، وأن يرحمنا، وأن يكفر عنا سيئاتنا، وأن يوفقنا إلى التوبة النصوح، ويوفقنا ويلهم قلوبنا، ثم يتقبلها منا سبحانه وتعالى، صلى الله وسلم وبارك على أبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.