الدرس في كتاب الطلاق من صحيح البخاري 22، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستهل الإمام البخاري باب الظهار بآيات القرآن المتعلقة به وينقل أقوال العلماء في حكم ظهار العبد والحر. يوضح أن الظهار كان عادة جاهلية يُعتبر بها الطلاق ثم يروي قصة خولة بنت ثعلبة التي جادلت النبي صلى الله عليه وسلم في ظهار زوجها.
يبيّن المقطع حكم الظهار بمجرد التلفظ بصيغته وإجماع العلماء على وجوب الكفارة قبل المسيس مع اختلاف في شمول الحكم للأمة. يوضح أن العود المذكور في الآية هو العزم على الوطء لا تكرار اللفظ فيحرم الوطء حتى الكفارة.
يبيّن المقطع أن الظهار لا يُعد طلاقاً شرعياً بل يحرم على المظاهر مس امرأته حتى يؤدي الكفارة مستدلاً بقول ابن عباس. يسرد حديث سلمة بن صخر الذي ظاهر لرمضان ثم وقع عليها فأمره النبي ﷺ بالكفارة المتدرجة.
يختتم المؤلف ذكر أحكام الظهار ويكتفي بما ذكر في الباب والله أعلم. لا يضيف أحكاماً جديدة بل يغلق الموضوع بشكل نهائي.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب الظهار، وقول الله تعالى: ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ﴾ إلى قوله: ﴿ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ﴾. قال: وقال لي إسماعيل -أي ابن عبد الله أبي أويس-: حدثني مالك أنه سأل ابن شهاب عن ظهار العبد، فقال: نحو ظهار الحر. وقال مالك: وصيام العبد شهران. وقال الحسن: ظهار الحر والعبد من الحرة والأمة سواء، بمعنى أنه سواء في المدة وكذلك في الصيام، بمعنى لا يمسها حتى يكفر. وقال عكرمة: إن ظاهر من أمته فليس بشيء، إنما الظهار من النساء. أنه إذا ظاهر من أمته فليس بشيء لأنه يجوز له أن لا يأتيها. قالوا في العربية: لما قالوا، أي فيما قالوا، وفي بعض ما قالوا، وهذا أولا؛ لأن الله تعالى لم يدل على المنكر، على المنكر وقول الزور. وهذه المجادلة التي جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، يقال إنها خولة بنت ثعلبة، وهي أنصارية، ويقال إنها كانت أمة لعبد الله بن أُبي، ويقال غير ذلك، وهي زوجة أوس بن الصامت. فكانت تحاور النبي صلى الله عليه وسلم، كما قالت عائشة: كانت تحاور النبي وأنا بقربها لا أسمع. وهذا الظهار هو ما كانوا يقولون: «أنتِ عليّ كظهر أمي، أنتِ عليّ كظهر أمي». وكانت العرب يطلقون، كما قال الشافعي رحمه الله: سمعت غير واحد أن يقول: كانت العرب يطلقون إما بالطلاق أو الظهار أو الإيلاء، أن يجعلونه طلاقا، لكن الشرع لم يجعله طلاقا. فالظهار هو مظاهرة الرجل من امرأته إذا قال لها: «هي كظهر أمي» أو «كظهر أختي». وهذه الكلمة إذا قالها الشخص لزوجته فيعتبر ظهارا، فيعتبر ظهارا. قال هنا: وقال مالك: وصيام العبد في الظهار شهران. وهذا كما ذكر هنا أيضا هو قول الشافعي وأحمد وغيرهم من الفقهاء، قول أبي حنيفة أيضا. أيضا هنا ما ذكره عن عكرمة، قال به الشافعي وأحمد: أنه يلزم الظهار الحرة والمملوك. وقال بعضهم: أنه لا يلزم المملوك لأنه يجوز أن لا يطأها. ومسألة الظهار: اختلف العلماء بماذا تجب؟ هل بمجرد الظهار إذا قال: «أنتِ عليّ كظهر أمي» فهل هذا يعتبر ظهارا ويكفر بعد ذلك أن يأتي بالكفارات التي ذكرها الله عز وجل؟ أي لا يمس امرأته حتى يأتي بالكفارات. وهل يعود المراد بقوله جل وعلا: ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا ﴾؟ هل المراد يعود أنه يكرر هذه الكلمة؟ لأن هناك من العلماء من اشترط في الظهار شرطان: أن يقول هذه الكلمة، وأن يعود أيضا يكرر هذه الكلمة. والصحيح أن العود ليس تكرار الكلمة، ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا ﴾ إنما هو العزم على الوطء. وهذا الذي قاله جماعة من السلف: أن المراد بالعود ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا ﴾ فالظهار يكون بالكلمة، إذا قال: «أنتِ عليّ كظهر أمي» ثبت الظهار، فإذا أراد أن يعود فإنه يلزمه الكفارة. فأراد أن يعود فإنه يلزمه الكفارة، وهو آثم بهذه الكلمة لأن الله عز وجل قد سماها منكرا وزورا. فلذلك إذا عزم على الوطء، على أن يطأ زوجته، فإنه لا يمسها حتى يكفر عن يمينه. وهذا أيضا مذهب أحمد وإسحاق وجماعة من أهل العلم. وعند الشافعي: أنه يمكنه طلاقها بعد الظهار ساعة، فلا يطلقها، فإن أمسكها ساعة ولم يطلقها، عاد لما قال، ف وجب عليه الكفارة. مات أو ماتت، كما ذكر في «الأم». وهذا يقرب من كلام أحمد وغيره، فإن المراد أنه إن أراد أن يمسكها فإنه بعد ذلك يكفر أولا قبل إمساكها. فهذا المراد بالظهار: أنه يقول لها: «أنتِ عليّ كظهر أمي»، ثم إذا أراد أن يمسها أو يجامعها، لا بد أن يقدم الكفارة، لا بد أن يقدم الكفارة؛ لأنه أتى بهذه اللفظة المنكر، وحرم على نفسه هذه المرأة. وكما ذكرنا أن الشافعي قال: كان العرب يعدون ذلك طلاقا، لكن الشرع لم يجعله طلاقا، لم يجعله طلاقا. وقد جاء عن عبد الله بن عباس أنه قال: ألم يقل الله: ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ﴾؟ قال: أمسك حتى تكفر. لما سأله رجل عن هذه المسألة، قال: أمسك حتى تكفر. وذكر الترمذي أيضا عن سلمة بن صخر الأنصاري، أحد بني بياضة، أنه جعل امرأته: «عليك كظهر أمي» حتى يمضي رمضان. معنى: قال: «أنتِ عليّ كظهر أمي» حتى يمضي رمضان. فلما مضى نصف رمضان وقع عليها ليلا، فأتى النبي عليه الصلاة والسلام فذكر ذلك له. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أعتق رقبة». قال: لا أجد. قال: «صم شهرين متتابعين». قال: لا أستطيع. قال: «أطعم ستين مسكينا». قال: لا أجد. فأعطاه النبي عليه الصلاة والسلام زنبيل أو عرق أو مكتل في خمسة عشر صاعا، فقال: «أطعم ستين مسكينا». وهذا الحديث حديث حسن، جاء في الترمذي، وفيه هذا أيضا: أن من ظاهر مؤقتا فإن جاوز توقيته فهو آثم من ناحيته، لكنه يجوز أن يؤقت هذا الظهار. وأما إذا أطلقه فإنه لا يجوز له أن يمس امرأته حتى يأتي بالكفارة، حتى يأتي بالكفارة. هذا ما يذكر في الظهار، ونكتفي بذلك، والله تعالى أعلم.