كتاب الطلاق من صحيح البخاري 23

كتاب الطلاق من صحيح البخاري 23

الدرس في كتاب الطلاق من صحيح البخاري 23، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أدلة اعتبار الإشارة في الطلاق والأحكام الشرعية

يستعرض المقطع باب الإشارة في الطلاق وغيره، مستعرضاً أحاديث وآثاراً تدل على حجية الإشارة في مواضع متعددة كإشارة النبي ﷺ إلى لسانه، وإشارته لكعب بن مالك، وإشارة عائشة في الكسوف، وإشارته لأبي بكر بالتقدم، وسؤاله عن الإشارة في الصيد، مما يثبت اعتبارها في العبادات والمعاملات مع القصد والوضوح.

استدلال البخاري بحجية الإشارة في العبادات والطلاق

يعرض المقطع أدلة الإمام البخاري على اعتبار الإشارة المعقولة شرعاً، سواء في طلاق الأخرس أو في العبادات كإشارة النبي ﷺ إلى الحجر الأسود عند العجز عن استلامه وإشارته بيده لسد يأجوج ومأجوج، مؤكداً معتدية الإشارة القاصدة المفهومة.

تفصيل حكم الطلاق بالإشارة المفهمة وأقوال العلماء

يتناول المقطع حكم الطلاق بالإشارة المفهمة مستدلاً بأحاديث المرأة السوداء ومرض النبي ﷺ وحجة الوداع، مبيناً خلاف العلماء في إشارة الأخرس: فالمالكية والشافعية والحنابلة يلزمونها إذا فهمت، والحنفية يشترطون كونها معهودة، مع تأكيد ابن بطال على مقصد البخاري من إيراد هذه الأحاديث.

تقرير حجية الإشارة في الطلاق ووجه استدلال البخاري

يؤكد المقطع أن الإشارة حجة معتبرة في الطلاق كسائر الأحكام، مستنداً إلى قضاء النبي ﷺ بالإشارة في مسائل عظيمة، موضحاً أن هذا هو وجه استدلال الإمام البخاري بالحديث المذكور في بابه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، صلاةً وسلامًا على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: "باب الإشارة في الطلاق والأمور: هل الإشارة تنفع في الطلاق؟ هل يكون الطلاق بالإشارة؟" قال ابن عمر رضي الله عنهما: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يعذب الله بدمع العين، ولكن يعذب بهذا»، فأشار إلى لسانه. على أن الله عز وجل يعذب بالكلام، وأما دمع العين إذا بكى الإنسان على إنسانٍ مثلاً قريبه أو نحو ذلك فهذا جائز، لكن الكلام ومن الاعتراض على الله عز وجل وغيره. وقال: وقال كعب... ووجه الشاهد من هذا أنه أشار إلى لسانه. وقال كعب بن مالك: أشار النبي عليه الصلاة والسلام إلي، أي: حدّ، أي: خدّ النص. أنا في قضية الدين، لما كان لكعب بن مالك دين على ابن أبي حدرد، فتصايحا في المسجد، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «يا كعب»، قال: لبيك يا رسول الله، قال: «ضع الشطر»، أي: ضع النص، قال: قد وضعت يا رسول الله، فأشار إليه أن ضع النص. وقالت أسماء: صلى النبي عليه الصلاة والسلام في الكسوف، فقلت لعائشة: ما شأن الناس؟ وهي تصلي، فأومأت برأسها إلى السماء، أنا نظرت إلى فوق، فقلت: آية؟ فأومأت برأسها: نعم. وقال أنس: أومأ النبي عليه الصلاة والسلام بيده إلى أبي بكر أن يتقدم، وأشار النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا إلى الذين كانوا قيامًا معه في الصلاة، قال: أشار إليهم أن اجلسوا. وقال ابن عباس: أومأ النبي عليه الصلاة والسلام بيده: «لا حرج». وقال أبو قتادة: قال النبي عليه الصلاة والسلام في الصيد للمحرم: «أحد منكم أمره أن يحمل عليه أو أشار إليها؟» قالوا: لا، قال: «فكلوا». فهذا كله يدل على الإشارات، وأراد أن يستدل إمام البخاري أن الطلاق قد يقع بالإشارة، أن الطلاق قد يقع بالإشارة إذا كانت هذه الإشارة إشارةً مفهومة، ويدخل في ذلك النية بعد ذلك، يدخل في ذلك النية. مثل أيضًا إشارة الأخرس، الأخرس أو الذي لا يتكلم، إذا أراد أن يطلق زوجته سيطلق بالإشارة، فهذه الإشارة أيضًا كذلك معقودٌ بها، معتدٌ بها. قال: حدثنا عبد الله بن محمد، وهو المسند، قال: حدثنا أبو عامر، عبد الملك بن عمرو العقدي، قال: حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن سعد، عن خالد، وهو الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: طاف رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على بعيره، وكان كلما أتى على الركن أشار إليه وكبر. ومن هذا الحديث أخذ العلماء الإشارة إلى الركن، والمراد بالركن هنا الحجر الأسود، أشار إليه النبي عليه الصلاة والسلام وكبر. إذا لم تستطع -كما هو معلوم أن السنة هو استلام الركن وتقبيله- إذا لم تستطع أن تستلمه بيدك، ومعك شيء كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، كان معه محجن، أي: عود، فأشار بالمحجن إلى هذا الحجر وقبل المحجن. وأيضًا إن استطاع أن يمسه دون أن يقبله فهي أيضًا سنة، وإن لم يستطع ذلك لا تقبيله ولا مسه، فإنه يشير كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، كما في هذا الحديث. وقالت زينب -أي بنت جحش-: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فتح من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه»، وعقد تسعين، أي: حلق بيديه، أو بإصبعيه السباب والإبهام. فهذه كل الأحاديث التي ذكرها الإمام البخاري، فيها الإشارة، فيها إشارة النبي عليه الصلاة والسلام أو غيره، المراد أن الإشارة معتدٌ بها، معتدٌ بها. ثم ذكر حديثًا من هذا القبيل، من هذا القبيل. وكما قلنا، البخاري يريد أن يذكر هذه المسألة، مسألة الإشارة المفهمة، فإذا فهمت هذه الإشارة ارتفع الإشكال منها وحكم بها، وهذا قصد البخاري من هذا. لكن كما قلنا، تدخل في الكنايات، أي: تحتاج إلى نية، فإن كان نيته هو الطلاق فتعتبر طلاقًا. وأوكد الإشارات كما قال بعض العلماء: ما حكم الشرع به في أمر السوداء، حين قال لها: «أين الله؟» فأشارت برأسها إلى السماء، فأشارت برأسها إلى السماء. وأعظم من ذلك وأولى أيضًا ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام في مرض موته، صلوات الله وسلامه عليه، فإنه لما جاء جبريل وخيره، فأشار برأسه إلى السماء وقال: «في الرفيق الأعلى». وكذلك أيضًا لما خطب في حجة الوداع، فقال: «اللهم، اللهم اشهد»، فكان يقول هكذا ويشير إليهم: «اللهم فاشهد». هذا كله يدل على الإشارة، على أن الله عز وجل في علوه فوق سمواته سبحانه وتعالى. واختلف العلماء في إشارة الأخرس، والصحيح كما قلنا أنها إن فهمت هذه الإشارة وعُقِلَت فلزمه الطلاق، ولأن الأخرس لا يستطيع أن يُقال: هل نويت هذا أو لا؟ فلذا قال الشافعي وأحمد ومالك: إنه إن فهمت هذه الإشارة فيعتبر طلاقًا ملزمًا له، إن فهمت وعُقِلَت هذه الإشارة. وأما أبو حنيفة فقال: إن كانت إشارته تعرف في طلاقه ونكاحه وبيعه وشرائه فهنا تكون ملزمة له. لكن المهم أنها إشارة مفهمة، مفهمة. مثلاً يقول لها: فمعنى: خذي ثيابك واذهبي إلى أهلك، أنا اذهبي إلى أباك أو أمك أو نحو ذلك، فهذا أيضًا يعتبر طلاقًا، أو إشارة مفهمة. وأيضًا كذلك من باب الاستدلال بهذه الأحاديث، كما ذكر ابن بطال في شرحه: أن الإمام البخاري حكم بالطلاق بالإشارة لأن هذه الأحاديث التي ذكرها جعلها الشرع حكمًا لأمته، ومعاذ الله أن يحكم عليه الصلاة والسلام في شيء من شريعته التي ائتمنه الله عليها، وشهد التنزيل أنه بلغها لأمته غير ملوم، وأن الدين قد كمل به، ما يدل القياس على إبطاله. فمعنى أن هذا ليس بباطل، بل هذا هو الحق. فما دام أن النبي عليه الصلاة والسلام حكم بالإشارة في أمور كثيرة ومنها عظيمة، فالإشارة في الطلاق تكون كذلك، ما دامت أنها مفهمة. وهذا وجه استدلال الإمام البخاري بهذا الحديث. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.