الدرس في ترجمة الشيخ عبدالمصور العرومي 3، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
استعرض المحور أبرز شيوخ الشيخ عبد المصور العرومي وعلى رأسهم العلامة مقبل بن هادي الوادعي الذي لازمه خمس عشرة سنة، كما ذكر أبرز تلاميذه من كبار علماء اليمن مثل محمد بن عبد الوهاب الوصابي وعثمان السالمي وعبد الرقيب الإبي ومحمد بن حزام الفضلي، مع الإشارة إلى موقف الأخير من جماعة الحُجور.
فصل المحور جدول دروس الشيخ اليومية في مسجده بمدينة إب مقسماً على أوقات الصلوات ومتنوعاً في كتب الحديث والتفسير والعقيدة والفقه والفرائض والأصول والنحو، كما أبرز جهوده الدعوية الواسعة في المناطق اليمنية وتميزه بالحكمة في التعامل مع المخالفين.
استعرض المحور مواقف صبر العلماء والدعاة كابن تيمية وابن باز والوصابي على الأذى وقلة الحضور، مؤكداً أن النصر قد يكون متأخراً أو بعد الممات، وعلى طالب العلم عدم الضجر من قلة المستمعين اقتداءً بالأنبياء.
اختتم المتحدث بالدعاء بالمغفرة له ولشيخهم وعلمائهم وسأل الله أن يجمعهم في الجنة، ثم صلى على النبي محمد وحمده، ووجه الشكر للمشاهدين على المتابعة.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله وعلى آله وصحبه وسلم ومن والاه. أما بعد، فلا نزال أيها الأحبة في الله مع هذه المجالس التي نتذاكر فيها بعض تراجم علمائنا المعاصرين الراحلين، الذين كانت حياتهم عبارة عن صفحات مضيئة ودروس نافعة، مليئة بالفوائد، مليئة بالعلم النافع، مليئة بالأخلاق الفاضلة والسمت الحسن والقيم والمبادئ، وغيرها مما يحتاجه طلاب العلم والدعاة إلى الله عز وجل خاصة، والمسلمون على وجه العموم. وكان آخر ما تكلمنا عنه في ثلاثة مجالس سابقة ترجمة علم من أعلام الدعوة السلفية في هذه البلاد اليمانية، يا أبا عبد الله، أحسن الله إليكم، الشيخ عبد المصور بن محمد العرومي البعداني، أبو عبد الرحمن اليماني، رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وقد تكلمنا حول حياته، حول حياته الشخصية، حول اسمه ونسبه ومولده ونشأته وأوصافه، وجوانب في حياته رحمه الله تعالى تعتبر دروساً لنا معاشر طلاب العلم، معاشر طلاب العلم. لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب، عبرة لأولي الألباب. ومر معنا أن مذاكرة الصالحين وأخبارهم وأحوالهم مما يصلح الله به القلوب، مما يصلح الله به القلوب ويغير به الأحوال. وهنا معنا فصل يتعلق بحياة الشيخ عبد المصور العرومي العلمية. حياته العلمية: شيخ عبد المصور له شيوخ كثر، من أبرزهم شيخنا العلامة، العلامة أبو عبد الرحمن، أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، فقد لازمه مدة طويلة وسنين عديدة. فكم هي هذه الفترة يا أبا فواز؟ كم سنة لازم الشيخ عبد المصور الشيخ مقبل الوادعي، رحمه رحمة الله عليهما؟ خمسة عشر سنة، من عام ألف وأربعمائة هجرية إلى ألف وأربعمائة وخمسة عشر من الهجرة. وكانت علاقة شيخنا الوادعي بالشيخ عبد المصور العرومي علاقة قوية ووثيقة، وكان الشيخ عبد المصور كثيراً ما يأتي لزيارة شيخه الوادعي في دار الحديث بدماج، وكان الشيخ مقبل يفرح بهذه الزيارات ويتيح المجال لطلابه أن يلقي المحاضرات والكلمات والخطب وغيرها، وكان الشيخ عبد المصور كثيراً ما يذكر كلمات الشيخ مقبل رحمه الله تعالى التي استفادها، وهكذا يذكر مواقف عظيمة له مع شيخه الوادعي، رحمة الله عليهما، رحمة الله عليهما. وهكذا أيضاً: ماذا تخرج على يدي الشيخ عبد المصور العرومي رحمه الله تعالى من طلاب العلم؟ من طلاب العلم الشيء الكثير، الشيء الكثير. ومن أولئك التلاميذ الذين استفادوا منه: كبير علماء أهل السنة في اليمن الراحل، ألا وهو شيخنا أبو إبراهيم محمد بن عبد الوهاب بن علي الوصابي العبدالي، الشيخ محمد بن عبد الوهاب. كما مر معنا يا إخوان: رجل متواضع، رجل متواضع، وكان حريصاً على العلم والفائدة، وقد يأخذه ممن هو أصغر منه أو أقل منه علماً. الشيخ محمد أعلم من الشيخ عبد المصور، لكن الشيخ عبد المصور كان قوياً في اللغة العربية وفي الفرائض، كان كبار طلاب العلم في دار الحديث بدماج يتتلمذون عليه رحمه الله تعالى. وهكذا أيضاً من هؤلاء: الشيخ عثمان السالمي حفظه الله تعالى. وهكذا أيضاً من هؤلاء المشايخ: الشيخ عبد الرقيب الإبي حفظه الله تعالى. وهؤلاء يعتبرون من كبار طلاب الشيخ، الشيخ عبد المصور العرومي. أيضاً من طلابه: الشيخ محمد بن حزام الفضلي البعداني، الذي يعتبر من دعاة أهل السنة ومشايخ هذه الدعوة. وقد كان سنين، يا إخوان، فيا لله العجب، يا إخوان، سنين كان مع الحُجور وأتباعه، وكانوا يثنون عليه ثناء عطراً ويمدحونه مدحاً عظيماً بالعلم والخير والاستقامة. لكن انظروا إلى الفجور في الخصومة: لما تبين له باطلهم ورجع عن طريقتهم إلى طريقة العلماء، ماذا فعلوا؟ نسوا الثناء والمدح، وأصبحوا يصفونه بالثلب والقدح، فيقدحون فيه ويذمونه، الشيخ محمد بن حزام الفضل البعداني. فماذا كان من قول الشيخ عبد المصور العرومي رحمه الله تعالى؟ وذكر الشيخ محمد بن حزام رحمه الله تعالى، ذكر الشيخ محمد بن حزام رحمه الله تعالى عن شيخ عبد المصور رحمه الله، قال: قال: «وفي هذه الآونة الأخيرة، أي من عام 1415 التي كنت فيها بدماج، نزل الشيخ عبد المصور العرومي رحمه الله من دماج إلى مدينة إب لتدريس طلاب العلم فيها، فقام في مسجد صغير في المشنة وبدأ فيه بالتدريس. قال: فبعد رجوعي من دماج لازمت الذهاب إلى هذا المسجد لأخذ العلم هناك والمواصلة في حفظ القرآن. قال: أخذنا من الشيخ عبد المصور العرومي رحمه الله بعض الدروس من صحيح البخاري، ومن التفسير، والعقيدة الواسطية، وكان يشجع الطلاب على الحفظ وعلى الإلقاء، رحمه الله». وذكر حفظه الله تعالى شيئاً من دراسته على يد الشيخ عبد المصور العرومي رحمه الله تعالى. وهكذا أيضاً: ماذا هناك مشايخ كثر تتلمذوا على يد الشيخ عبد المصور رحمه الله تعالى. وشيخ عبد المصور له دروس ماتعة، وله جهود دعوية كبيرة، نفع الله بها، نفع الله بها. فكان يدرس، كان رحمه الله تعالى يدرس بعد الظهر، وهكذا أيضاً بعد العصر، وهكذا بعد المغرب، وهكذا بعد صلاة العشاء، بعد صلاة العشاء. فمن الدروس التي درسها بعد الظهر: درس تفسير آيات الأحكام للشيخ صديق حسن خان، وهكذا درس الصحيح المسند من أسباب النزول لشيخنا الوادعي رحمه الله، وهكذا درس الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين مع حفظ الأحاديث لشيخنا الوادعي رحمه الله. وأما دروسه بعد العصر: فكان يدرس في صحيح البخاري، وتيسير العلام شرح عمدة الأحكام للألباني، وهكذا يدرس فيه البيقونية وألفية العراقي مع شرحها فتح المغيث للحافظ السخاوي رحمة الله عليهم. وهكذا كان يدرس الرحبية في الفرائض مع شرحها، والرائض في علم الفرائض، وكان يشرح منظومة القواعد الفقهية للسعدي. وهكذا مما درسه بعد العصر: درس شرح نظم الورقات للشيخ ابن عثيمين. درسه بعد المغرب: كانت في صحيح مسلم مع قراءة شرح النووي، وهكذا درس أكثر من مرة كتاب سلم الوصول مع شرحه معارج القبول، وهكذا درس العقيدة السفارينية مع شرحها للشيخ ابن عثيمين، درس شرح النونية لابن القيم شرح الشيخ محمد خليل هراس رحمه الله، أيضاً درس أكثر من مرة مختصر السيرة لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي، وهكذا درس الآداب الشرعية لابن مفلح رحمه الله. وأما بعد صلاة العشاء: فكانت له دروس كثيرة، كالتحفة السنية، وهكذا متممة الآجرومية، وهكذا موصل الطلاب إلى قواعد الإعراب لابن هشام، درس ألفية ابن عقيل أو ألفية ابن مالك مع شرحها لابن عقيل، درس شرح الندى وبل الصدى لابن هشام، وغير ذلك من الكتب النافعة، من الكتب النافعة التي استفاد منها الكثير من طلاب العلم، الكثير من طلاب العلم. وهكذا أيضاً، وهكذا أيضاً من الأمور المتعلقة بحياة الشيخ عبد المصور العرومي: جهوده الدعوية. له جهود يا إخوان عظيمة جداً في الدعوة إلى الله عز وجل، بما يقيمه في مركزه، وفي خروجاته الدعوية إلى المساجد الأخرى، وإلى المناطق المجاورة، وإلى المدن الأخرى، بل والمحافظات في هذه البلاد اليمانية، في هذه البلاد اليمانية. وعرف يا إخوان بالحكمة في دعوته، والحكمة يحتاجها طلاب العلم، يحتاجها الداعي إلى الله عز وجل في دعوته. قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وجادلهم بالتي هي أحسن. قد تلاقي مخالفين، بل ومعارضين، بل وخصوماً معادين، كيف تتعامل معهم؟ قد يكون في مسجدك الذي تدرس فيه، وفي بلدك الذي تسكن فيه، وناس همهم عداوتك، قد يشوه سمعتك وينشر أخباراً كاذبة عنك، قد يقوم أحدهم في بعض الدروس ويعارضك ويصيح عليك. كيف يا إخوان نتعامل مع العوام، مع المخالفين، مع المخالفين، مع الخصوم من الحزبيين والصوفية والشيعة وغيرهم؟ إذن لابد أن نستفيد من هذه التراجم: كيف تعامل هؤلاء العلماء؟ كيف تعامل هؤلاء العلماء؟ في خطبة الجمعة: بعضهم يقوم، بعض المخالفين يصيح في خطبة الجمعة، انظر كيف يتعامل مع هذا الموقف. بل قد يبتلى ببعض الممسوسين، ممسوس يسمع آية قرآنية أو يسمع نصيحة وموعظة فيسرع ويصيح، كيف تتعامل مع هذه المواقف؟ قد يبتلى بخصوم يطلقون الرصاص على بيتك، كما فعل مع غير واحد من المشايخ، كالشيخ عبد العزيز البرعي حفظه الله تعالى، يطلق الرصاص على بيته وهو بين أهله، وهكذا غيرها. إذن يا إخوان، من الجوانب التي نستفيدها من هذه التراجم: كيف نطلب العلم، كيف نبلغ العلم، كيف نقوم بالدعوة إلى الله عز وجل فينتفع الناس بنا ولا يتضرر منا، ولا يتضرر منا. ونبينا صلى الله عليه وسلم هو الأسوة والقدوة في هذا الباب، في هذا الباب: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، أي: أنا أدعو إلى الله على بصيرة، وهكذا من اتبعني يدعون إلى الله على بصيرة، ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وما أنا من المشركين. وأيضاً يا إخوان نستفيد من تراجم هؤلاء: أن الحق منصور، أن الحق منصور. قد ينصر اليوم في حياتنا، وقد يكون النصر والظهور بعد موتنا. كم من الأئمة مات مسجوناً أو مختبئاً أو معادِياً، يعني عاداه الحاكم، وهكذا الناس. شيخ الإسلام ابن تيمية: انظر، يموت في سجن القلعة، في سجن القلعة. انظر إلى علمه الذي انتشر وانتفع به الناس. أي يوم انتفاع؟ يأتي النبي ومعه الرهط، يعني يوم القيامة، ويأتي النبي ومعه الرجل والرجلان، ويأتي النبي وليس معه أحد. ما مناسبة ذلك؟ مناسبته يا طلاب العلم: أننا قد نخرج للدعوة ونقيم المراكز ونقوم على المساجد، نقيم الدروس، قد لا يحضر لك إلا واحد أو اثنان، قد لا يحضر لك إلا القليل، الناس كلها تخرج ولا يستمع لك، لا تضجر. فإن النبي يأتي وليس معه أحد. وهل معنى ذلك أنه لم ينصر؟ ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾. شيخ بن باز رحمه الله، على جلالته، في بعض المحاضرات كان يحضر له عدد قليل، وهو شيخ الإسلام. وهكذا غيره: الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجد، الوصابي رحمه الله تعالى، مر معنا قصته مع الشيخ محمد بن موسى حفظه الله تعالى، خرج دعوة إلى بعض البلاد في وصاب، وصاب بلد الشيخ، فأماذا دخل إلى المسجد لإلقاء المحاضرة؟ فقام الشيخ محمد بن موسى يحاضر، لم يبقَ في المسجد إلا شخص واحد، وهو من الشيخ الوصابي، جالس يستمع لمحاضرة الشيخ بن موسى. أكمل المحاضرة، قام الشيخ الوصابي يجيب عن الأسئلة، الشيخ محمد بن موسى يسأل والشيخ الوصابي يجيب. انظر، جاء بعد ذلك أهل القرية وأدركوا ما بقي من المجلس، أدركوا ما بقي من المجلس. إذن يا إخوان، هذا من الأمور التي ينبغي أن يتسلح بها طلاب العلم: درس، أقم درساً، ولو لم يحضر إلا واحد، بل ابدأ بالدرس ولو لم يكن أمامك أحد، مكبر الصوت آه يسمعه النساء في البيوت، وكم من أناس يجلسون خارجاً ويستمعون، بل لا تنسى أن الملائكة تحضر، ولربما يأتي من الجن من يستمعون ويستفيدون. فلا يضجر طالب العلم إذا فتح درساً أنه لم يحضر إلا واحد، أو لم يحضر لدرسه إلا عدد يسير. فهؤلاء أنبياء ورسل، يأتي ومعه الرجل والرجلان، ويأتي أحدهم وليس معه أحد. وهكذا المشايخ الكبار، مر معنا في تراجم بعضهم الغربة التي بدأوا بها، ثم كان النصر، وكان الفتح من الله تبارك وتعالى لهم. بقي معنا شيء يتعلق بوفاة الشيخ رحمه الله تعالى، وهكذا ثناء العلماء عليه، وهكذا أيضاً معنا بعض الكلمات والجواهر من أقوال الشيخ رحمه الله تعالى، يأتي معنا الحديث عن ذلك إن شاء الله عز وجل في الدرس القادم. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يغفر لنا وأن يرحمنا، وأن يغفر لشيخنا عبد المصور ولعلمائنا أجمعين، وأن يجمعنا بهم في جنات النعيم إخواناً على سرر متقابلين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكراً للمشاهدين.