الدرس في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم للشيخ العثيمين 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الشيخ العثيمين أن الصلاة في اللغة تعني الدعاء، مستدلاً بالآية الكريمة ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ والأحاديث النبوية وأشعار العرب، مبيناً أن صلاة الجنازة ودعاء الأحياء للأموات ترجع كلها إلى معنى الدعاء.
يبين المقطع تعدد معاني الصلاة في اللغة لتشمل الثناء والرحمة بجانب الدعاء، ويوضح أن صلاة الله على نبيه تعني الثناء والرحمة لا الدعاء، ممهداً لتعريفها الشرعي.
يعرف الصلاة في الشرع بأنها عبادة مخصوصة من أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم تشترط النية، ويوضح أن الطواف ليس صلاة شرعية رغم تشبيهه بها لعظمته، فلا يفتتح بالتكبير ولا يختتم بالتسليم ولا تبطله مبطلات الصلاة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فإن شاء الله تعالى في هذا اليوم معنا -بعد يوم الأربعاء بعد صلاة الظهر- نأخذ درسًا في صفة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام للشيخ العلامة محمد بن صالح رحمة الله عليه. فقال رحمه الله: بعدما ذكر المقدمة وأهمية الصلاة، ذكر فصلًا في معنى الصلاة لغة وشرعًا. فقال رحمه الله: الصلاة في اللغة الدعاء، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ﴾، أي: ادعُ لهم. فالله عز وجل أمر نبيه أن يدعو لأهل الإسلام وأهل الإيمان، فقال: ﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ﴾. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إن هذه القبور وحشة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاة عليهم». هنا قصد الصلاة: صلاة الجنازة. كذلك الدعاء: «إن هذه القبور وحشة على أهلها» أن يتوحشوا فيها؛ لأنها ظلمة القبر، ظلمة، فيتوحش فيها الإنسان. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وإن الله ينورها لهم بصلاة عليهم» عليه الصلاة والسلام. قال: أي ادعُ لهم. وقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا دُعي أحدكم فليجب»، أي: إلى الوليمة. «فإن كان صائمًا فليصلِّ، وإن كان مفطرًا فليطعم». إن كان صائمًا فليصلِّ، أي: يدعو لأهل العرس. أنه إن كان ما يريد أن يفطر لأجل أنه يصوم فرضًا، أو يصوم قضاءً، أو يصوم كذلك شيئًا مستمرًا عليه ولا يريد أن يقطعه، فلا بأس أن يذهب إلى وليمة العرس ولا يأكل شيئًا، وإنما يدعو ويبارك لأهل العرس، يبارك لهم ويدعو لهم. وإن كان الأفضل أنه يستأذنهم على أنه لا يريد أن يأكل من الطعام، ويكفيه أنه يحضر ويدعو لهم. قال: «فليصلِّ»، أي: فليدعُ. وقد جاءت الصلاة أو الدعاء بمعنى الدعاء في آيات كثيرة وأحاديث كثيرة. فمن ذلك أيضًا حديث عوف بن مالك: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يكون عليكم أمراء تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم». فيصلون عليهم، أي: تدعون لهم، ويدعون لكم. وقال الأعشى: تقول بنتي وقد قربت مرتحلة ... يا رب جنب أبي الأوصاف والوجع عليك مثل الذي صليت فاغتمضي ... نوما فإن لجنب المرء مضطجع ف여기 قوله: «عليك مثل الذي صليت»، صليت: أي مثل الذي دعوت. وقال: والصلاة في الشرع... هذا الصلاة في اللغة، وقد تأتي أيضًا الصلاة بمعاني أخرى، بمعاني أخرى، مثل قول الله جل وعلا: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾، أي: صلاتكم. وأيضًا جاءت بمعاني أخرى، أي: هذه الصلاة. ومنها قول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾. فقال العلماء: إن صلاة الله عز وجل على نبيه هي الثناء عليه. وقال بعضهم: هي الرحمة والعطف. لم يقولوا: الدعاء؛ لأن الله عز وجل هو بيده كل شيء، فليس هنا صلاة الله عز وجل على نبيه بمعنى الدعاء؛ لأن الله عز وجل هو الذي يُدعى، هو الذي يُدعى سبحانه وتعالى، فهذا قادر على كل شيء. فصلاته سبحانه وتعالى على نبيه، وعلى أيضًا أهل الإيمان، كما قال الله عز وجل: ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾، فيصلي عليكم: أي برحمته يعطف عليكم ويرحمكم، ويبين لكم شرعه ودينه حتى تكونون على خير وعلى هداه. وهكذا أيضًا هنا في نبيه عليه الصلاة والسلام، فصلاة الله عز وجل هي الرحمة والعطف، كما قال الإمام ابن القيم رحمة الله عليه. وقال: والصلاة في الشرع عبادة ذات أقوال وأفعال مخصوصة، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم. يعني كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم». فهذه الصلاة أفعال وأقوال، ويدخلها الإنسان بالنية، يتعبد الله عز وجل بهذه الصلاة. وليس أن النية أنها أفعال وأقوال لا ينوي بها الرب جل وعلا، مثلًا من يجعل الصلاة رياضة، وكذلك مثل الباطنية الذين يقولون: إنما هي حركات ليست لها قصد. وكل ذلك باطل. والواجب هو أن العبد يعبد الله عز وجل بهذه الأقوال والأفعال. لهذا قال الشيخ هنا: «عبادة ذات أقوال»، أي: الصلاة ذات أقوال وأفعال مخصوصة، أي: خصها الشرع وشرعها الشرع. قال: «مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم». فأول ما يفتح الصلاة هو: الله أكبر. إذا كبر الإنسان علم أن الله عز وجل أكبر من كل شيء، وأنه دخل هذه الصلاة التي هي صلة بينه وبين ربه جل وعلا، وأنه يواجه الله عز وجل فيها. لهذا فإذا قال: الله أكبر، دخل هذه الصلاة، وحرم عليه كل ما يحرم في الصلاة من الكلام، وكذلك الأفعال الكثيرة، وكذلك غيرها مما إن شاء الله تعالى سيأتي معنا. وأيضًا تنتهي وتختتم بالتسليم. إذا سلم، خلاص انتهت الصلاة. قال: فيشمل ذلك الصلوات الخمس، والجمعة، وصلاة الجنازة، وسجود التلاوة، وسجود الشكر -إن قلنا بافتتاحهما بالتكبير واختتامهما بالتسليم-. لكن صحيح أن سجود التلاوة وسجود الشكر ليس واجبًا أن يفتتح بالتكبير، ولا يختتم بالتسليم؛ لأنه لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. فإذا سجد الإنسان للتلاوة يسجد، إن كان في الصلاة فإنه يشرع له التكبير، وإن كان ليس في صلاة فلم يثبت التكبير، فله أن يسجد بدون تكبير. وأما التسليم فلم يثبت أيضًا كذلك. قال: ولا يشمل ذلك الطواف بالبيت؛ لأنه لا يفتتح بالتكبير ولا يختتم بالتسليم. إنما يريد الشيخ أن بعض العلماء قال: أن الطواف كما جاء عن بعض الصحابة كابن عباس قال: الطواف صلاة، إلا أن الله شرع لنا فيه الكلام. قال: الطواف صلاة، معنى الطواف كالصلاة، إلا أن الله شرع لنا فيه الكلام. لكن ليس معنى ذلك أنه صلاة يفتتح بالتكبير ويختتم بالتسليم، أو تكون فيه أفعال الصلاة. لا، إنما المراد أنه كالصلاة في العظمة والحرمة، أنه كالصلاة في العظمة والحرمة. ولهذا أخذ بهذا بعض العلماء، فقالوا باشتراط الطهارة في الطواف. وهذا ليس دليلًا صحيحًا أو صريحًا. قال: وأما حديث: «الطواف بالبيت صلاة»، فإنه لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما ثبت عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. فقد قال: «وقد اتفق العلماء على أنه لا يجب للطواف ما يجب للصلاة من تحريم وتحليل وقراءة». أنا حتى القراءة لا تجب إذا كان الإنسان يطوف، ليس واجبًا علي أن أقرأ، ممكن أنه يذكر الله ويدعو، وله أن يتكلم كذلك. قال: «وغير ذلك، ولا يبطله ما يبطلها من الأكل والشرب والكلام وغير ذلك». فلا يبطل الطواف ما يبطل الصلاة. لهذا فهو ليس صلاة، وإنما شُبه بالصلاة لعظمته، أنه عظيم كتعظيم الصلاة. فهذا ما ذكره المؤلف رحمه الله في باب معنى الصلاة: الصلاة لغة وشرعًا. فلغة: أكثر ما تطلق على الدعاء، الدعاء. وشرعًا: هي المراد بها أنها عبادة ذات أقوال وأفعال مخصوصة، مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم. فإلى هنا إن شاء الله تعالى نكتفي بذلك، والحمد لله رب العالمين.